ترجماتسلايدر

لماذا كان على أردوغان أن يتصرف تجاه مقتل خاشقجي!

الصورة: رجب طيب أردوغان في كييف، أوكرانيا، 10 أيلول/ سبتمبر 2017/ سبوتنيك

عاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرة أخرى إلى مركز الصدارة. السؤال هذه المرة هو ما الذي سيفعله هناك؟ كان لقضية جمال خاشقجي كل السمات المميزة للجانب المظلم من الدولة الأمنية الحديثة، لكن هذا الحدث كان يتعلّق إلى حد كبير بالمملكة العربية السعودية، وإلى حد أقلّ بحليفها الأبدي والقوة العظمى: الولايات المتحدة.

كان المزيج هو أن القضية كلها وقعت على أرض تركية (إذا استثنينا التراب تحت القنصلية السعودية). حتى 23 تشرين الأول/ أكتوبر، ظلّ الرئيس أردوغان صامتًا. هذا ليس من المستغرب؛ فعادة ما تكون النخب السياسية حذرة عندما تتدفق/ تنداح مثل هذه الأنشطة الاستخباراتية والأمنية إلى المجال العام.

لكن الجميع كانوا يعلمون أن هذا الأمر سيكون زلزالًا مقبلًا. يمكنك أن تسمع دقات الساعة. لماذا؟ لأن التسريبات كانت -مع كل دقة من دقاتها- تواصل مسيرها. يوميًا، كانت الصحافة التركية الموالية للحكومة تثير حكاية بأن السعوديين كانوا يائسين تمامًا، من أن يخفوا المعلومات عن العموم. كان من الواضح أن ما كان يحدث هنا هو أكثر مما هو مرئي وواضح.

كانت هناك تكهنات بأن مثل هذه التسريبات هي تحذيرٌ من الرئيس أردوغان للنظام السعودي، من أن تركيا يمكن أن تفجّر القصة، ولكن يمكنها أيضًا أن تمتنع عن فعل ذلك، مقابل الحوافز المناسبة. إذا كان الأمر كذلك، فهل كانت الحوافز بعيدة من متناول اليد؟ أم أنّ الخطة هي استنزاف نظام محمد بن سلمان، ولي العهد، خلال تلك الفترة؟

لا تفعل شيئًا ولا تبالِ

دعونا ننظر إلى هذا من منظور الحكومة التركية. على الأرجح أنها تنصتت على القنصلية السعودية. كانت تمتلك لقطات تلفزيونية كثيرة. كانت تعرف ما حدث، ومن شارك، وكيف. كان يمكن ألا تقول أي شيء، تمامًا مثل السعوديين. مثلما يحدث عادة في مثل هذه الحالات، لا سيّما في الحالة المفتوحة لصحافي مفقود.

ولكن بعد ذلك، ما مدى احتمال بقاء هذه القصة مخفية؟ لم يختف خاشقجي في المملكة العربية السعودية، أو حتى في بعض الفنادق أو الشقق العادية. لقد اختفى -كما أوضحت خطيبته التركية- داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. في ظلّ هذه الظروف، ربما تكون أنقرة قد حسبت جيدًا أمرَين: إما أن تنكشف القصة، أو لا، وستبدو القضية قذرة، وتترك وصمة عار سيئة على أي شخص مرتبط بالحادثة بشكل غامض، بما في ذلك السلطات التركية.

من المعقول أن نتساءل في هذه المرحلة عن السبب الذي جعل السعوديين ينفذون مثل هذه المؤامرة المقنعة والمخزية. خمسة عشر عنصرًا، من رجال الأمن والمخابرات، طاروا بين عشية وضحاها -العديد منهم لهم علاقات وثيقة مع ولي العهد- ثم غادروا بسرعة بعد اختفاء خاشقجي. بدا الأمر كما لو كانوا يطلبون أن تحتجزهم تركيا. هل كانت هذه عملية غير كفؤة أو مجرد عمل نظام لم يكن يتوقع أن يتمّ مساءلته عن كثب؟

أيًا يكن الأمر، بالنسبة إلى الحكومة التركية، يبدو أن الحسابات كانت واضحة. كانت هذه فرصة لتكون على الجانب الصحيح من القصة. حتى أعداء الرئيس أردوغان لم يستطيعوا أن يفوقوا براعته في المناورة هنا. بالنسبة إلى اعتبار مقتل أحد الصحافيين قضية سياسية، فإن الإجابة بسيطة: ما الذي تريدني أن أقوم به؟ أتريدنا أن نقوم بإخفاء جريمة عندما يكون لدينا الدليل؟! إن القيام بذلك -ببساطة- يمكن أن يضع الرئيس التركي على قدم المساواة مع طغاة الشرق الأوسط، وهو يعلم ذلك.

كان هذا -في النهاية- فرصة لا ينبغي تفويتها. لم تكن الأحداث التي وقعت رحيمة مع الرئيس أردوغان، ولكن هنا كانت هديّة. هذا موقف قد يشعر فيه الرئيس التركي بالتبرير، بعد كل الغضب الأخلاقي الذي ناله من قوى خارجية. إنه وضع يتمركز في مجالين: الشرق الأوسط والعالم الإسلامي من جهة، والعالم الغربي من جهة أخرى. في كليهما، يخدم بشكل جيد تركيا.

منذ أيام امتداد قوة تركيا الناعمة في الشرق الأوسط، قبل الانتفاضات العربية 2010-2011، تنافست الحكومة التركية مع المملكة العربية السعودية على ارتداء عباءة زعيم العالم السنّي، إن لم يكن العالم الإسلامي الأوسع. ويبدو أن مثل هذا التنافس قد أُخفي إلى حدٍّ ما، بسبب الحرب الأهلية السورية، التي حوّلت السعودية وتركيا إلى حلفاء محتملين، ضد الدعم الإيراني للأنظمة الشيعية في سورية والعراق.

لكن بالنظر عن كثب، وهو الأمر الذي لم يحدث قط، لم يكن الرئيس أردوغان، نتيجة ارتباطه الوثيق بالإخوان المسلمين، في معسكر السعودية. كان الانتصار الواضح للإسلام السياسي خلال الأيام الأولى من الانتفاضات العربية انتصارًا لتركيا وإيران، وليس للمملكة العربية السعودية. لقد كان السعوديون هم من أعطوا الإشارة إلى الانقلاب في مصر، وأزالوا جماعة الإخوان المسلمين من السلطة، بعد الزيارة رفيعة المستوى لأردوغان، الذي كان وقتها رئيس الوزراء، وتأييده الإخوان المسلمين.

على الرغم من كل غموض العلاقات التركية الإيرانية، فإن الهجوم الذي تقوده السعودية على المصالح الإيرانية، والحصار الذي فرضته على قطر عام 2017، والسعي نحو تفاهم أميركي -إسرائيلي -سعودي، حول فلسطين ونظام الشرق الأوسط المستقبلي، هو هجومٌ على الإسلام وتهديدٌ لتركيا. في كل هذه التصرفات السعودية، كانت أنقرة ناقدة قوية ومؤيدة للجانب المنافس. كما كان الرئيس أردوغان بطلًا وداعمًا ثابتًا للقضية الفلسطينية، ولا سيّما حركة حماس المحاصرة في قطاع غزة.

تعزيز لمكانة تركيا الأخلاقية

بالنظر إلى الطبيعة المتقلبة للنظام السعودي، في ظل توجيه محمد بن سلمان واستعداده الواضح لزيادة الرهانات والتوترات في جميع أنحاء المنطقة؛ يبدو من المدهش إلى حدّ ما أن لا يتوقعوا بعض الإساءة. ولكن في المخطط الكبير للأمور، قد لا يبدو ذلك سيئًا. بعد كل شيء، يبدو أن قضية خاشقجي لم يكن لها تأثير يذكر على شعبية ولي العهد في الداخل. في الواقع، فإن أجندته للحريات الاجتماعية للطبقات الوسطى كان لها تأثير عكسي. إنها تخنق المعارضة.

والأكثر من ذلك، في صراع القوى الإقليمي الذي تعرى من خلال الانتفاضات، كانت السلطة تهمّ النظام السعودي أكثر من الشعبية. السعودية ملكية أوتوقراطية. والسعوديون أيضًا الحليف الرئيس للولايات المتحدة، وهذا هو نظامهم ومحركهم. الرئيس أردوغان هو شخصية سياسية من نموذج مختلف جدًا. هو شعبوي، ومُنتَخب. إنه غريزي ضد تحالفات النظام الأميركي مع الأنظمة الأوتوقراطية في المنطقة، وهو يعرف أن لديه دعمًا شعبيًا في ذلك.

لن يزعج مقتلُ خاشقجي السعودية؛ لأن مؤيديها الغربيين ومورديها في الأسلحة -كما تعرف أنقرة جيدًا- سيجدون في القريب العاجل طرقًا للإبحار حول المسائل الأخلاقية المحرجة المحيطة بجريمة القتل، لأن لديهم الكثير من الأسئلة الأخلاقية الأخرى، في ما يتعلق بالمملكة العربية السعودية. هذا ليس ما يحفز الرئيس أردوغان. ما يحفزه هو الفرصة لقيادة المنطقة، لاتخاذ مكانة أخلاقية عالية ما زالت شاغرة، والقيام بذلك لفضح السعوديين وداعميهم الغربيين للحكم الشعبي.

اسم المقالة الأصليWhy Erdogan Had to Act on Khashoggi Killing
الكاتبناتانيل هاندي، NATHANIEL HANDY
مكان النشر وتاريخه1-  فير أوبزيرفر، FAIR OBSERVER، 24/10

2-  ويون، WION، 25/10

3-  أكاديميا، ACADEMIA، 25/10

رابط المقالة1-  https://www.fairobserver.com/region/middle_east_north_africa/recep-tayyip-erdogan-jamal-khashoggi-killing-murder-saudi-arabia-arab-world-news-39038/

2-  http://www.wionews.com/opinions/why-erdogan-had-to-act-on-khashoggi-killing-173399

3-  https://www.academia.edu/37645840/Why_Erdogan_Had_to_Act_on_Khashoggi_Killing?auto=bookmark

 

عدد الكلمات987
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق