مقالات الرأي

بعض السوريين إذ يحسدون خاشقجي

جاهر بعض السوريين، في الآونة الأخيرة، بتذمرهم من حجم الاهتمام الإقليمي والعالمي الذي ناله حدث اغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده بإسطنبول. وقد أثار هذا التذمر هامشًا من الجدل بين المهتمين من السوريين بالشأن العام، دافع خلاله البعض عن قيمة حدث الاغتيال وأهميته، فيما أرجع الفريق الآخر تذمره إلى فعل المقارنة بين ما ناله اغتيال خاشقجي من اهتمام وتفاعل إقليمي ودولي، مقابل الاهتمام الذي ناله تصفية ما يتجاوز نصف مليون سوري، على أيدي زبانية النظام.

اختلفت تفسيرات السوريين لهذا الاهتمام الكبير بتصفية خاشقجي، وذلك عبر جدل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي. وفيما أرجع البعض هذا الاهتمام إلى حالة ابتزاز إقليمي ودولي، تتعرض له السعودية التي تورط مسؤولون كبار فيها بفعلة شنعاء، سمحت لفاعلين كُثر حول العالم بابتزازهم.. أرجع سوريون آخرون حجم الاهتمام بالحدث إلى فداحة التهور وعدم احترام الحدود الدنيا من قواعد العلاقات الدولية، لدى من أمر بتصفية خاشقجي داخل القنصلية، على أراضٍ أجنبية. فلو تمّت تصفية خاشقجي داخل الأراضي السعودية، أو في بلد أجنبي، لكن باستخدام أسلوب تصفية غامض، بعيدًا عن المقار الدبلوماسية؛ فلربما كانت تداعيات الحدث ضئيلة، وغير نوعية.

في خضم هذه النقاشات، في أوساط السوريين، خاصة أولئك الذين جاهروا بامتعاضهم من حجم الاهتمام بحادث تصفية خاشقجي، بدا جليًا أن هناك شيئًا من الحسد الخفي غير المعلن، للإنسان السعودي، مقارنة بالإنسان السوري. فالأول، يتمتع بقيمة أكبر بكثير من الثاني، على الصعيد الإقليمي والدولي. هذا الحسد، الذي لم يجاهر به أحد، لكن يمكن تلمسه بجلاء في النقاشات حول قضية خاشقجي، لم يتعرض لنبشٍ عميقٍ حقيقةً. فما الفرق بين الإنسان السعودي، ونظيره السوري، الذي يجعل الأول أعلى قيمة من الآخر؟

وهنا علينا أن ننبه إلى أن ذلك لا يعني، بأي حال من الأحوال، التقليل من فداحة الجريمة التي طالت خاشقجي. ولا يعني أيضًا أن الجريمة التي يكون ضحيتها فرد واحد، أقلّ وطأة من تلك التي يكون ضحيتها عدد كبير من الأفراد؛ فالجريمة جريمة في كل الأحوال. لكن، يبقى السؤال: هل يتمتع الإنسان السعودي بنفس القيمة الإنسانية التي يتمتع بها نظيره السوري، خارج بلده على الأقل؟

إذا فكّرنا مليًا في السؤال الأخير، فإننا نستطيع أن نقول بكل أريحية: لا. والأسباب لذلك موضوعية. وهي لا ترتبط أبدًا بثراء السعودية، كبلد، باعتبار أن ذلك هو أول ما قد يقفز إلى الأذهان أثناء التفكير مليًا في هذه النقطة.

والمقارنة هنا محصورة في البعد الإقليمي. بمعنى آخر: الإنسان السعودي يتمتع بقيمة إنسانية أقلّ من نظيره الأوروبي أو الغربي عمومًا، لكننا إذا حصرنا المقارنة ببعدٍ إقليمي، ينحصر بمنطقتنا الشرق أوسطية، فسوف نستطيع أن نقول إن الفرد السعودي، وربما الخليجي عمومًا، يحظى بقيمة إنسانية أعلى من نظيره السوري، على سبيل التحديد. ونقصد في ذلك أن الحقوق الرئيسية للإنسان، وفي مقدمتها حق الحياة، مكفولة بصورة أفضل، في حالة السعوديين، منها في حالة السوريين. وذلك لا يتعلق بالحالة السورية الراهنة، اليوم، بل ينسحب على ما قبل الثورة عام 2011. فإذا غضب النظام السوري، منذ عهد حافظ الأسد، من سوريّ، فإن تصفيته أمرٌ هيّن للغاية. وهناك أمثلة عديدة لتصفية معارضين سوريين، وأحيانًا لأقارب لهم، من جانب النظام السوري، من دون أن يرمش لأحد مسؤوليه جفنٌ. أما في الحالة السعودية فإننا نجد تجارب اختطاف، لكن حالات التصفية أقلّ.

دعنا ندقق أكثر في تجربة تصفية خاشقجي وما تبعها، كمثال. حيث كانت نظرات ابنه صلاح، الحادة، حيال ولي العهد السعودي، أمام الكاميرات، وحدها كافية، لتوضيح ما قصدنا آنفًا. في حالة السوريين، شاهدنا أمام كاميرات الإعلام الموالي، أهالي الغوطة الشرقية، الجائعين البائسين، بعيد سيطرة النظام على المنطقة، يهتفون بحياة الأسد ويؤكدون أنهم يحبونه، وهو قاتِلُهم ومُجوّعهم، إلى أن خرجت طفلة، ببراءةِ من لا يعرف من هو الأسد، لتقول إنها لا تحبه.

في سورية، يمكن أن ترى من انتُهكت أعراضهم ويُتِّم أطفالهم ونال الجوع من رجالهم، يهتفون بحياة الأسد، لأنهم يعلمون عاقبة عدم تقديس الحاكم في بلدٍ كـ “سوريا الأسد”. أما في السعودية، فكان يمكن أمام الكاميرات أن نرى ابن معارضٍ تمت تصفيته، يرمق حاكم البلاد الفعلي، بنظرات حادة، قبل أن يغادر البلاد، بضغط أميركي.

ببساطة، يمكن تفسير ذلك، بأن حق الحياة، على الأقل، وهو الحق الرئيس من حقوق الإنسان، مكفول في بلدٍ كالسعودية، بصورة أفضل، نسبيًا، مقارنة بسورية. وهنا نقول إن لذلك -كما أشرنا من قبل- أسبابًا موضوعية، قد يرفض الكثيرون الإقرار بها. أبرزها أن الأنظمة الملكية في العالم العربي، أقرت بالمعادلات المجتمعية القائمة في بلدانها، وبالقيادات التقليدية الفاعلة فيها، وتفاعلت معها، لتنتج حالة من الاحترام المتبادل. فالمجتمع بقياداته التقليدية، يقرّ بالولاء للملك وللعائلة، فيما يقرّ الملك بالاحترام والتقدير لعادات المجتمع ولتقاليده، وللضوابط التي تديره، وأبرزها العصبية العشائرية التي تحمي حياة المنتمين إلى قبائل كبيرة، وعائلات وازنة.

أما في الحالة السورية، فالحكم العسكري الشمولي، الذي رسّخ حافظ الأسد بنيانه، عمل بمنهجية على تجفيف مصادر القوة المجتمعية، وتنضيب وزن القيادات التقليدية، العشائرية والطبقية والعائلية، وحتى الطائفية والدينية، بصورة سمحت له إما بإنهاء أي وجود لتلك القيادات، أو بإلحاقها بركب الطاعة المطلقة، له.

حارب نظام الأسد، منذ نشأته، الانتماءات التقليدية، تحت شعارات “تقدمية”. لكنه في نهاية المطاف، جفّف تلك الانتماءات، لصالح سيطرته الشمولية على المجتمع، الذي أصبح بلا أي قوة مستقلة عن سيطرة النظام المطلقة.

وبخلاف البروباغندا التي تربى عليها أجيال من السوريين، في عهد حافظ الأسد، التي تقول بـ “رجعية” الأنظمة الملكية الخليجية، يبدو أن تلك الأخيرة، محكومة بمعادلات مجتمعية، تقيّد من تغوّل السلطة، مقارنة بما هو في سورية.

وإذ نقرّ بأن السعودية يحكمها نظام مستبد، لا يتمتع بمواصفات الحكم الرشيد. فإننا نعتقد بأن النظام الذي يحكم سورية يتفوق بمراحل على استبداد نظيره السعودي، واستهتاره بمواصفات الحكم الرشيد. وقد أشرنا إلى سبب موضوعي أوّل لذلك، وهو يتعلق بمنهجية إدارة الحكم، التي قامت في سورية على تجفيف أي قوة قد تحد من السيطرة المطلقة للنظام. أما السبب الموضوعي الثاني، فيرتبط هذه المرة بالحلفاء الخارجيين.

وأيضًا، بخلاف البروباغندا التي تربى عليها أجيال من السوريين في عهد حافظ الأسد، يبدو أن الحليف الغربي للسعودية ودول الخليج، يوفّر هامشًا أكبر لإنسانية الفرد السعودي أو الخليجي، مقارنةً بما يوفّره الحليف الروسي أو الصيني أو الإيراني، للإنسان السوري.

وهنا نقرّ، من دون شك، بأن الغرب مزدوج المعايير، ويتعامل وفق المصالح. وهو أمرٌ ينطبق أيضًا، إن دققنا النظر، في الصين وروسيا وإيران. لكن، في المقابل، هناك خلاف واضح بين الطرفين؛ فالأول (الغرب) تحكم بلدانه مؤسسات تتأثر بالرأي العام، وبوسائل الإعلام، ولا تستطيع نخبه أن تتجاوز بسهولة ما يتعلق بالتعديات على حقوق الإنسان في الدول الحليفة، فلذلك ضريبته، في كثير من الأحيان. مقابل ذلك، لا نجد إعلامًا حرًّا أو رأيًا عامًا مؤثرًا، في بلدان كروسيا أو الصين أو إيران.

وهكذا، يمكن لنظام حليف لروسيا والصين وإيران، أن يحظى بهامشٍ أكبر بكثير، لانتهاك حقوق أفراد شعبه، مقارنةً بنظام حليف للغرب. هذا مع الإقرار بازدواجية معايير الغرب، وتأثير المصالح في سياسات نخبه.

وكخاتمة، نستطيع أن نوجز أن ما تربينا عليه، وتعلمناه في مدارس الأسد، خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، مختلف تمامًا عن الواقع. فتلك البلدان “الرجعية” “العميلة” للغرب، تكفل بنسبة أكبر، حق الحياة لأبنائها، مقارنةً بـ سورية “التقدمية” الحليفة لـ “معسكر ممانع” للهيمنة الغربية.

لذلك، يبدو تذمّر بعض السوريين من حجم الاهتمام بتصفية خاشقجي، مقارنة بتصفية مئات آلاف السوريين، مفهومًا. لكنّ أسبابه لم تحظ، في ما يبدو، بقدرٍ وافٍ من النقاش والتأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق