مقالات الرأي

الخاشقجيون السوريون

شكلت حادثة اغتيال الصحافي السعودي جمال حاشقجي، في قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية، حدثًا بارزًا طغى على كثير من الأحداث، فالجريمة المروعة التي ارتكبتها مجموعة اغتيال أوفدت من الرياض كشفت الوجه القبيح للنظام الرسمي العربي، الذي لن يتورع عن التحول إلى عصابة مافيا قاتلة ترتكب الجرائم، وكما أن حادثة جمال خاشقجي لم تكن الأولى فإنها لن تكون الأخيرة، في سلسلة جرائم ترتكبها أنظمة الحكم العربية، إلا أن الحادثة وضعتنا أمام حقيقة أخرى، كنا نعلمها سلفًا، وهي مقدار النفاق الذي يتمتع به المجتمع الدولي، على أعلى مستوياته، فقد تحولت دوائر صنع القرار الدولية إلى جبهة موحدة في وجه النظام السعودي، وهي لا تكفّ عن مطالبته بتقديم التوضيحات، وتزيد الضغوط عليه يومًا بعد يوم، حتى يقدّم مزيدًا من الاعترافات المشفوعة، على ما يبدو، بمزيدٍ من التنازلات التي قد تقدّمها الرياض كي تنجو بفعلتها، والحقيقة أن الأمر يبدو في ظاهره مفرحًا؛ إذ سيجد نظام عربي نفسه مضطرًا، لأول مرة في التاريخ المعاصر، إلى الاعتراف بجريمةٍ ارتكبها بحق أحد “مواطنيه”، وتقديم الجناة الحقيقيين للعدالة، وهذا انتصار لمواطن فرد في مواجهة نظام. ولكن هل حقًا أن ما حدث وما يحدث هو انتصار لذلك “المواطن”، أم أن ثمة معادلة سياسية دولية، تفاصيلها واضحة وليست خفية، هي التي تدفع الأمور إلى هذا الحد؟

من المؤكد أننا لن نشهد تغيرًا كبيرًا في السياسة الدولية، بسبب مقتل “مواطن” عربي عارض نظام الحكم في بلاده، فتاريخنا المعاصر يضج بحالات الاغتيال والتصفية الجسدية والمعنوية، التي لم تستطع في يوم من الأيام أن تتجاوز الحدود المرسومة لها من قبل صانعي القرار الدولي، ولعل المثال الأقرب هو ما فعله النظام السوري، على مدى عقود، وهو الأكثر إجرامًا وقدرة على الوصول إلى معارضيه وتصفيتهم، وفي كل الجرائم التي ارتكبها، كان يترك أدلة أكثر من تلك التي تركها فريق الاغتيال السعودي، وقد استنفر المجتمع الدولي بالصورة نفسها التي نراها الآن، ثم هدأ استنفاره فجأة. ألم يحدث ذلك غداة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ومرافقيه العشرين؟ ثم بعدها اغتيال الصحافيين سمير قصير وجبران تويني وسواهم من الشخصيات اللبنانية البارزة ذات الوزن الدولي، التي كانت تعارض ذلك النظام. أين ذهبت تلك الجرائم؟ ومن حاسب نظام دمشق الذي يُعاد تأهيله حاليًا، ويستعد المجتمع الدولي لإعادة استقباله، بعد أن نفذ جرائم الإبادة الجماعية، بحق مئات آلاف السوريين، التي يمتلك المجتمع الدولي وثائق وأدلة كافية على كل واحدة من تلك الجرائم، موثقة بصور قيصر التي عرضت في كل مدن العالم المتحضر، وأبدى صناع القرار الدوليون غضبهم الشديد، وهددوا وتوعدوا، ألم يحدث ذلك؟

أليست جرائم الكيمياوي التي ارتكبها نظام دمشق اغتيالًا مخططًا له، تمّ عن سابق إصرار وترصد؟ ألم تتمكن موسكو صيف عام 2013 من طيّ ملف أكثر من ألف ضحيةٍ، قتلهم نظام دمشق في غوطة دمشق، وتعقد صفقة رخيصة بمباركة واشنطن التي كانت تهدد بتحريك أساطيلها، بل إنها حركتها فعلًا، ثم انتهت الحكاية كلها بابتسامات تبادلها وزيرا خارجية الولايات المتحدة و روسيا؟ نعم حدث هذا، ولأن الشعوب لا تمتلك ذاكرة أسماك، لذلك فإنها لن ترفع سقف آمالها، وتتوقع أن تتم فعلًا معاقبة النظام السعودي من جراء ما ارتكبه، سوف يطوى ملف “المواطن” جمال خاشقجي فجأة، كما طويت عشرات آلاف ملفات “المواطنين” من قبله، كما سوف تطوى آلاف ملفات “المواطنين” بعده.

الأمر اللافت في قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي هو أن إعلام نظام دمشق، والإعلام الرديف له، يشارك أيضًا في تجريم العربية السعودية، وإبداء رأيه في فداحة تلك الجريمة، ويطالب بمحاسبة المسؤولين عن ارتكابها وصولًا إلى أعلى هرم السلطة، بل إن مندوب النظام في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، امتلك الوقاحة اللازمة ليلقي خطبة عصماء عن مدى إجرام الرياض، ومندوبو باقي الدول يصغون إليه، وكأن هذا الجالس بينهم لا يمثل واحدًا من أكثر النظم إجرامًا في التاريخ المعاصر. ولن نستغرب، والحال هذه، أن يتولى الجعفري نفسه رئاسة لجنة أممية، لمحاسبة النظام السعودي على جريمته المروعة، فيما كفّا مندوب دمشق ملطختان بدماء أكثر من مليون سوري. الحكاية برمتها إذًا ضرب من ضروب النفاق العالمي، وهي لا تخرج عن طبيعة السياسة العالمية المليئة بالمصالح التي لم تقف يومًا مع “مواطن” في وجه “نظام”، وإلا لوقفت مع “الخاشقجيين السوريين” وما أكثرهم! هل علينا أن نذكّر المجتمع الدولي بأسماء عشرات آلاف المختفين قسريًا في معتقلات نظام دمشق: محامين وسياسيين وناشطين في حقوق الإنسان، كانوا سلميين يطالبون بالديمقراطية والعدالة، فخنقت أصواتهم واختفوا في غيابة جبّ لا قرار له!

الرحمة لروح “المواطن” جمال خاشقجي، ولأرواح جميع “المواطنين” الذين تطحنهم آلة الاستبداد العربي، بمباركة أممية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق