أدب وفنون

الأصول أصول

في الموعد المحدد، شرع المدعوون والمدعوات، من الجنسين والعائلتين والمحافظتين، يتوافدون إلى مكان الحفل، وبالتدريج أخذ كلٌّ مكانه المناسب لمكانته، أو درجة قرابته، أو كمية ما في جيبته. ففضّلت عائلة “بيت النمس” أن تكون الطاولات العائدة لها من جهة الشرق، لما فيها من رمزية شروق العزّ بعد طول أفول، حيث يتوسّط رؤوس العائلة مدعويّها المختارين. وقبلت عائلة “بيت الطفش” أن تكون الطاولات العائدة لها من جهة الغرب لما فيها من رمزية السبق الحضاري والبعد الاعتباري، حيث يتوسط رؤوس العائلة بدورها مدعويّها المختارين.

بعد أن جلس الجميع، كان لا بدّ من إجراء آخر أصل من أصول العراقة التي تتمسّك بها العائلات المعتبرة في الأعراس الراقية، وهي أن يتقدّم رأسا العائلتين من كلتا الجهتين، على عيون “المعازيم” من الحاضرين والحاضرات، ليسلّما ثم يتعانقا وسط تصفيق الجموع، ثم يشبكا أياديهما ويدوران حول بعضهما ثلاث دورات، تأكيدًا على استحداث قرابة جديدة، وضخ دم جديد على المدى البعيد، وإيذانًا ببدء برنامج السهرة على المدى المباشر.

فوّض العريس عاقلًا يمثّل عائلة “بيت النمس”، والعروس فوّضت عاقلًا يمثل عائلة “بيت الطفش”، ليتّم بروتوكول جمع رأسَي العائلتين للاستعراض والوقوف وسط الحلبة لتثبيت المودّة والهيبة والوفاق. ثم اتّجه الممثلان إلى طاولة عائلة “بيت النمس”، للشروع في بدء المهمة والحفلة معًا.

– ما رأيكم، أدام الله عزّكم، أن يتفضّل عميد العائلة بالنهوض ثم القيام ثم المشي مسافة عشرة أمتار إلى وسط الحلبة، ليلتقي مع أخيه عميد عائلة “بيت الطفش”، فيسلّما سلام الأصحاب الذين يودّون أن يرفعوها إلى مرتبة الأحباب، فأنتم -إن شاء الله سبحانه وتعالى- بدءًا من هذا اليوم المبارك، ستكونون أهلًا وأقرباء؟

ردّ زعيم عائلة “بيت النمس”:

– الأصول، يا أولاد الأوادم، هي الأصول، فالعرس هو عرسنا، والعريس هو ابننا، ونحن من يتولّى الزعامة في هذه المناسبة، وكما تعلمون، الجميع هنا في ضيافتنا، والضيف هو من ينهض إلى المستضيف ويسلّم عليه، لذا ومن باب اللياقة والأصول، يجب أن تبدأ المبادرة من هناك، من جانب أخوتنا عائلة “بيت الطفش”.

اتجه الممثلان إلى وجوه عائلة “بيت الطفش” لأجل الشروع في بدء المهمة والحفلة معًا:

– ما رأيكم، أدام الله عزّكم، أن يقوم عميدكم إلى عميد إخوتكم في عائلة “بيت النمس” ليسلّما ويتعانقا أمام عيون الكاميرات، لأجل الشروع في برنامج العرس المبارك؟

ردّ زعيم عائلة “بيت الطفش”: يا أولاد الأوادم، الأصول هي الأصول! فالعروس بنتنا، والإخوان من عائلة “بيت النمس” هم من طلبوا يد كريمتنا، وطلبوا التقرّب منا والتعرّف إلينا، ومصاهرتنا، ولا بدّ أن ينهض عميدهم إلينا ويبادر بالسلام أولًا، حتى تكتمل فرحة هذا اليوم وباقي الأيام!

عاد الوفد مرة أخرى إلى وجوه عائلة “بيت النمس” في جهة الشرق، وحاولوا تقريب وجهتي النظر، ولم يفلحوا! فزعيم العائلة متمسّك بالأصول، ولا يصحّ أن يخرق العرف أو تهتزّ معنويات القبضايات أمام العيون… عاد الوفد إلى عائلة “بيت الطفش” لأجل الوصول إلى حلّ، قبل أن يتفاقم الأمر ويخرج عن السيطرة، لكن من دون جدوى. وهكذا، شرع الوفد يتنقل من الغرب إلى الشرق، ثم من الشرق إلى الغرب دون تقدّم ملحوظ! أخيرًا هبطت فكرة عبقرية لحلّ القضية، خوف أن يفشل مشروع الزواج من أساسه، وهي أن يلتقي العميدان منتصف الحلبة، دون ضرورة أن يذهب أيّ منهما إلى طاولة الآخر، وبذلك يكون كلاهما حافظ على السيادة والحالة الاعتبارية، ثم طرحا الحلّ لكلا الطرفين. فكان ردّ زعيم عائلة “بيت النمس”: حسنًا، ليبدأ الطرف الآخر بالنهوض أولًا ثم الوقوف ثم التقدّم! وكان ردّ زعيم عائلة “بيت الطفش”: حسنًا، ليبدأ الطرف الآخر بالنهوض أولًا ثم الوقوف ثم التقدم… وهكذا بين انتقال اللجنة من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا، أخرج أحد القبضايات المتحمّسين من عائلة “بيت النمس”، بعد أن عيل صبره، أخرج مسدسه من تحت حزامة ووضعه على الطاولة، وهو يقول لجاره: طوال عمرها عائلة “بيت النمس” تعرف كيف تختصر الدروب إن دعا الأمر! ومباشرة أخرج قبضاي موازٍ من عائلة “بيت الطفش” من الجهة المقابلة مسدسه من تحت دكة بنطلونه ورفعه في الهواء، ثم أطلق طلقة واحدة وهو يقول: طوال عمرها عائلة “بيت الطفش” تطلق على الدروب وتعرف المطلوب.. وعندئذ؛ رفع قبضاي عائلة “بيت النمس” سلاحه ورشّ رشّة واحدة فوق رؤوس عائلة “بيت الطفش”. وبلمح البرق خرجت عشرات البواريد والمسدسات من كلتا الجهتين، فطارت الكراسي وتقلّبت الطاولات، واشتعل المكان بإطلاق حيّ كأنه ساحة حرب.

في اليوم التالي، تم إحصاء عدد القتلى وعدد الجرحى وعدد من هم في العناية الفائقة!

وكان العريس يستلقي في حضن سريره وهو ملفوف من أسفل قدميه إلى أعلى نافوخ رأسه بالشاش الأبيض. بينما كانت العروس تلبس ثوب زفافها الأبيض، من الشاش المعقم الناصع النظيف كندف الثلج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق