ترجماتسلايدر

بالإهمال؛ بشار الأسد يشنّ حربًا بيولوجية

من خلال التدمير المتعمد وتلويث البنية التحتية للصحة العامة؛ يقوم نظام الأسد بإعادة أمراض تم استئصالها منذ فترة طويلة، فضلًا عن أنه يتعمد قتل المدنيين

الصورة: مرضى سوريون يتلقون العلاج في قبوٍ، حُوّل إلى عيادة في بلدة دوما المحاصرة التي تسيطر عليها قوات المعارضة، في ضواحي دمشق، 16 آذار/ مارس 2017 (سمير الدومي/ الوكالة الفرنسية/ صور جيتي)

تُفهم الحرب البيولوجية عمومًا بأنها تمهيد متعمد في زمن الحرب، لفيروس مميت بقصد القتل أو إحداث تشويه. تنتهج سورية في عهد الرئيس بشار الأسد تغييرًا شريرًا، له سوابق تاريخية خطيرة ومديدة، إذ سمحت حكومة الأسد للفيروسات التي يُتحكّم في انتشارها -عادةً- عن طريق تدابير الصحة العامة، مثل نظافة المياه، تطهير مياه الصرف الصحي، التخلص من النفايات الصحية، اللقاحات، والسيطرة على العدوى؛ الأمر الذي سمح لهذه الفيروسات بأن تظهر كأسلحة بيولوجية، من خلال التدمير المتعمد ومنع هذه التدابير الصحية. لقد تسببت الأزمة في إلغاء التقدم [الذي كان في سورية] الحاصل في مجال الصحة العامة، لتظهر معدلات من الأمراض، لم تظهر منذ حقبة نابليون.

كانت الحرب مرادفة للظروف التي تفضلها الجراثيم؛ حيث ينحشر الجنود في الخنادق، من دون نظام صحي أو مياه نظيفة، ويظلون في بيئة مكشوفة، تحيط بهم الحشرات، فضلًا عن سوء التغذية. لم يكن البنسلين خيارًا متاحًا حتى عام 1940، خلال حروب نابليون، كانت نسبة موت الجنود البريطانيين، نتيجة الالتهاب الرئوي والتيفوئيد والزحار، أكثر بثمانية أضعاف من موتهم بالقتال. في الحرب الأهلية الأميركية، ثلثا الموتى قضوا نتيجة الالتهاب الرئوي، الأمراض الإسهالية، والملاريا.

كانت الحرب العالمية الأولى هي الحرب الأولى التي تسببت فيها المعارك في الوفيات أكثر من الأمراض. (ظهر وباء الأنفلونزا الإسبانية مع نهاية الحرب، ولم يتم إحصاء الأرقام). لقد أحدثت فلورنس نايتنجيل ثورة في ممارسة النظافة في المستشفى، خلال حرب القرم في خمسينيات القرن التاسع عشر؛ ما أدى إلى خفض معدلات الوفيات من العدوى المكتسبة في المستشفيات، من 40 بالمئة إلى 2 بالمئة. ولكن في الحرب العالمية الأولى، تلوثت الجروح الحادة التي سببتها المدافع الرشاشة بسرعة، وكانت الطريقة الوحيدة للسيطرة على الغرغرينا الغازية هي البتر. قاد ذلك إلى تطوير مطهرات الجراح الحادة.

بعد عام 1941، خفض البنسلين معدلاتِ الوفيات بالالتهاب الرئوي بعد العمليات الجراحية، من أكثر من 30 بالمئة إلى أقل من 10 بالمئة، وانخفضت العدوى الجراحية إلى حوالي 5 بالمئة. خلال حرب العراق، مات العدد الأكبر من الجنود الأميركيين بسبب الانتحار، وليس عن طريق مرض معدٍ. وفي هذه الأيام، النزوح الجماعي الذي ينتج عنه مخيمات مزدحمة للاجئين، يعني أن معظم المدنيين يتأثرون بالعواقب المعدية للصراع.

الحروب البيولوجية تعود إلى قبل ألفي عام. الأشوريون سمموا مياه العدو في القرن السادس قبل الميلاد. وفي عام 1346، قذف التتار جثث ضحايا الطاعون على أسوار مدينة كافا في شبه جزيرة القرم لكسر الحصار، ومن المحتمل أن يكون ذلك مقدمة لبدء وباء طاعون ثان. وفي عام 1650، أطلقت القوات البولندية قذائف ممزوجة بلعاب الكلاب المسعورة على أعدائهم. وفي إيطاليا، غمر نابليون سهولَ (مانتوا)، في محاولة منه لنشر الملاريا. في الولايات المتحدة، قام المتعاطفون مع الكونفدراليين ببيع ملابس مرضى الحمى الصفراء والجدري إلى قوات الاتحاديين. في بعض الأحيان، من دون قصد أو عن عمد، نشر المستوطنون الأوروبيون الجدري، بتأثيره التدميري، بين سكان أميركا الأصليين.

خلال الحرب العالمية الأولى، فشلت ألمانيا في تجربة الجمرة الخبيثة. وخلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت اليابان أسرى الحرب مثل خنازير غينيا، وأجريت عليهم تجارب، الغرغرينا الغازية، الجمرة الخبيثة، الكوليرا، الدوستناريا، الطاعون، ما أسفر عن مقتل 3000 شخص على الأقل. وعلى الأرض، نشر الجنود اليابانيون براغيث تنشر الطاعون في القرى الصينية؛ ما أسفر عن مقتل 100 ألف شخص، ولكن مات نحو 1700 من جنودها أيضًا. وفي سبعينيات القرن الماضي، جرب السوفييت الجمرة الخبيثة، والجدري، وماربورغ (فيروس شبيه بفيروس الإيبولا يتسبب في انحلال الأوعية الدموية) وقاموا بتصنيع طاعون مقاوم للأدوية المتعددة. كان برنامج الأسلحة البيولوجية الذي وضعه الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، حيث تُحمل الرؤوس الحربية لصواريخ سكود بالبوتيولينوم، الجمرة الخبيثة ومسرطنات الكبد.

لكنّ للأسلحة البيولوجية كثيرًا من العيوب. إلى جانب أنه لا يمكن التنبّؤ بآثارها أو يصعب السيطرة عليها، فإن الهجمات بالجمرة الخبيثة أو غاز السارين ظاهرة للعيان، ويمكن أن يؤدي إلى انتشار على مستوى العالم. وفي الحرب، تتسبب في مقتل عدد أقلّ بكثير من ضحايا الأمراض الشائعة والتهابات الجروح. كذلك، كان سلوك مسببات الأمراض التي يفضلها الأسد يمكن التنبؤ بها. وهنا يكمن السر في اتباعه استراتيجية أكثر غموضًا: من خلال التدمير التدريجي المتعمد للوضع الصحي المترنح أصلًا، حيث يمكن للسلاح البيولوجي التحرك من دون أن تلتقطها الرادارات.

تشتمل الفظائع الجماعية الواضحة التي ارتكبها الأسد في الهجمات العشوائية على المدنيين، حيث ينتج عن ذلك التشريد القسري لهم، الحصار المدمر، والاعتداء على المستشفيات. لكن الجانب غير المتوقع في استراتيجية الأسد في حربه الشاملة، كان الهجمات على البنية التحتية للصحة العامة وخططه في تسريع انتشار الأمراض الوبائية التي تزدهر في الظروف المعيشية، كالتي يعيشها النازحون في مخيمات مكتظة، مع حجزه [الأسد] للأدوات الصحية والأدوية.

الهدف هو إضعاف جميع السكان في هذه المناطق، وزيادة العبء على المرافق الطبية الأولية التي تمكنت من البقاء، في محاولة لمعاقبة السكان الذين يعارضون الأسد. على الرغم من المنطق الوحشي لساحة المعارك في الهجوم على البنية التحتية للرعاية الصحية، فقد منعت اتفاقيات جنيف هذه الهجمات، بغرض تجنيب المدنيين والمرافق التي يعتمدونها، مخاطر الحرب؛ ما يدل على تورط الأسد في جرائم حرب.

يتبع الأسد استراتيجية معقدة، ولكن تأثيرها مدمر بكل بساطة. على سبيل المثال، توقفت صيانة محطات معالجة المياه والصرف الصحي، بعد أن قام نظام الأسد باعتقال المهندسين وموظفي الصيانة، أو توقف عن دفع رواتبهم. تعمّد الجيش السوري تدمير محطات المياه والطاقة بالقنابل؛ فتوقفت خدمات النظافة؛ ما شجع على تكاثر ناقلات الأمراض المعدية مثل الجرذان والذباب. كما بُنيت أحواض لمياه الصرف غير المعالجة، وحجزت الحكومة الكلور، المادة الأساسية في معالجة المياه النظيفة.

العنوان الأصلي للمادة

Bashar al-Assad Is Waging Biological War—By Neglect

الكاتب

Annie Sparrow

المصدر

فورين بوليسي 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2018

الرابط

https://foreignpolicy.com/2018/10/24/bashar-al-assad-is-waging-biological-war-by-neglect/

المترجم

وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق