تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تبلور جديد للاستراتيجية الأميركية ضد التوسع الروسي في الشرق الأوسط

يبدو أن التنافس على النفوذ بين روسيا وأميركا، على منطقة الشرق الأوسط، قد بدأ يأخذ منحًى تصعيديًا نوعيًا، وذلك بإطلاق تصريحات نارية، تُعد الأولى من نوعها، من قبل الإدارة الأميركية، ضد التوسع الروسي في الشرق الأوسط، ولا سيما في سورية.

أكدت الولايات المتحدة، على لسان وزير دفاعها جيمس ماتيس، أنها لن تسمح لروسيا بتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، وأن وجود موسكو الدائم في المنطقة لا يمكن أن يحل الالتزام الطويل لأميركا حيال الشرق الأوسط.

وقال ماتيس: إن “روسيا التي تعزز نفوذها في سورية، بفضل انتصاراتها العسكرية لمصلحة رئيس النظام السوري بشار الأسد، لا يمكن أن تحلّ محل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، وأضاف خلال مؤتمر الأمن الذي يُعقد سنويًا في البحرين أن “انتهازية روسيا وسعيها لتجاهل النشاطات الإجرامية للأسد ضد شعبه، تثبت افتقارها إلى الالتزام الصادق بالمبادئ الأخلاقية الأساسية”، كما أشار الوزير الأميركي إلى أن السبب الرئيس وراء احتفاظ رأس النظام بالسلطة في بلاده هو “دعم إيران، واستخدام روسيا حق الفيتو مرات عديدة في مجلس الأمن الدولي”.

تعليقًا على الموضوع، يرى عضو هيئة التفاوض العليا يحيى العريضي أن هناك تبلورًا جديدًا للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وفي الملف السوري خاصة، وجاء هذا التبلور للموقف الأميركي على ضوء فشل الطرف الروسي في معالجة الملف السوري الموكل إليه من قبل الهيئة الدولية.

أوضح العريضي في حديث إلى (جيرون)، أن “فشل روسيا يعود إلى أنها مصرة على تفصيل الحلول على مقاسها ومصالحها فقط، من دون الأخذ بأي اعتبار آخر، وتريد أن تجبر العالم على القبول بهذه الحلول التي وضعتها، ومن هنا تأتي حالة التوتر من قبل الجهات الأخرى والتصعيد”.

وأضاف: “كنا نسمع تصريحات تصعيدية من قبل الإدارة الأميركية ضد روسيا أو النظام، إلا أن تصريحات وزير الدفاع الأميركي الأخيرة، ضد النفوذ الروسي في المنطقة، مختلفة عن سابقاتها”؛ بعدما تمّت تجربة السياسية الروسية في سورية، وثبت أنها وصلت إلى طرق مسدودة.

من جانب آخر، قال المفكر السوري المعارض برهان غليون: إن موسكو “تحاول بجميع الوسائل أن تحل محل الولايات المتحدة في المشرق، سواء من خلال تعزيز تحالفاتها الإقليمية خاصة مع تركيا، وتصدير السلاح المتطور لبعض دوله كمنظومتي (إس 300) و(إس 400)، أو من خلال المناورة المستمرة منذ سنوات، للاحتفاظ بالسيطرة الكلية على سورية، من خلال تمسكها بالتحالف مع الإيرانيين، وطلبها من الولايات المتحدة الانسحاب من شرق وشمال سورية، لأنها لم تأت بدعوة من النظام في دمشق”.

وأوضح غليون أن سياسة سحب القوات الأميركية المنتشرة في العالم، التي بدأها الرئيس السابق باراك اوباما في إطار إصلاح ما قادت إليه سياسات التدخل في كل الجهات، على عهد سلفه جورج بوش الابن، واستمرت حتى بدايات عهد الرئيس دونالد ترمب “قد غذّت أوهام موسكو بالحلول محلّ واشنطن في الهيمنة على المنطقة، ولعب دور في تأمين الدول التي كانت تحميها الولايات المتحدة في الخليج، والاستفراد في السيطرة على صيغة الحل النهائي في سورية”.

وتابع في تصريح خاص لـ (جيرون): “لو نجحت موسكو في ذلك واحتفظت لنفسها بالسيطرة المنفردة على سورية؛ لاستفردت أيضًا بالسيطرة على الشرق الأوسط كله، بالتعاون مع طهران وغيرها.. ومن هنا جاء تصريح ماتيس ضمن محاولة واشنطن تصحيح مسار سياستها الشرق أوسطية، وكتأكيد على أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن دورها فيها، وأن على الروس أن يغيروا من أهدافهم فيها، ويقبلوا التعاون مع واشنطن في حل النزاعات التي تدور فيها، وبشكل خاص في إيجاد حل متوازن للمسألة السورية، يحقق جزءًا من مصالح السيطرة الأميركية ولا يصبّ فقط في مصلحة روسيا وحلفائها، أي إنه يعني ببساطة أو يريد أن يقول: واشنطن لن تتخلى عن مواقعها الهيمنية التقليدية في الشرق الأوسط، وعلى روسيا أن تأخذ ذلك بالاعتبار”.

ووفق السياسي السوري المعارض ميشيل كيلو، فإن “الحضور الأميركي موجود بعلاقاته في منطقة الشرق الأوسط، قبل نشوء الاتحاد السوفيتي بمئة سنة، ولدى الأميركيين نفوذ دولي في كل مكان من العالم، ولا ننسى أن لديهم أكبر حاملات للطائرات في العالم، كما قال الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وهي إسرائيل”.

وأكد كيلو لـ (جيرون) أن التواجد الأميركي في المنطقة “راسخ ومتجذر، ولن تسمح لروسيا بأي توسع على حساب النفوذ الأميركي، وإذا أخذنا سورية مثالًا في المنطقة؛ فإن أميركا تسيطر على 32 بالمئة من مساحة سورية، ناشرة فيها 25 قاعدة أميركية، منها قاعدتان أكثر تقدمًا من قاعدة حميميم الروسية.. ولديهم (إسرائيل) وأيضًا الأردن، إضافة إلى تركيا الحليف الاستراتيجي في الناتو”.

وتابع: “الروس شبه مطوقين في سورية، وليسوا مطلقي الصلاحية نهائيًا في سورية، وخاصة إذا قررت أميركا تزويد المعارضة بصواريخ مضادة للطيران، فهذا يعني أن روسيا ستواجه الفشل في سورية، وعلى ذلك؛ فإن روسيا لن تستطيع أن تحل محل واشنطن في الشرق الأوسط”.

وأشار السياسي السوري المعارض إلى أن روسيا، بشكل غير مباشر “قامت بتطبيق أفكار وخطط أميركا في سورية، بدءًا من القرار 2254 الذي هو بالأصل قدمته واشنطن لمجلس الأمن، إلى اتفاقات خفض التصعيد في سورية، إلى وثيقة ترامب التي أكدت أن الحل سياسي لا عسكري في سورية”.

من جهة ثانية، أكد المتحدث باسم هيئة التفاوض العليا في المعارضة السورية رياض نعسان آغا، لـ (جيرون)، أن الوعيد الأميركي فقد مصداقيته وجديته، عند معظم السوريين الذين يدركون أن روسيا أخذت الضوء الأخضر من الولايات المتحدة، في كل ما فعلته في سورية”.

وأشار الآغا إلى أننا “لن ننسى اتفاقية لافروف – كيري، ولن ننسى كيف تراجع الموقف الغربي عامة أمام 12 فيتو روسي، حتى بدا الأمر أشبه بلعبة سياسية هزلية، هدفها تجنب الموقف اللاأخلاقي أمام شعوب العالم التي أدركت أن نظام الأسد يلقى دعمًا خفيًا وعلنيًا من أصحاب القرار الدولي”.

وأضاف الآغا: “يجب ألا ننكر بالمقابل أن فريقًا دوليًا آخر ضاق بما يحدث، وهو يرفض هذه الوحشية التي يعامل بها الشعب السوري المطالب بحريته وكرامته، وهناك ضغط جاد على توجهات الولايات المتحدة من داخلها، لاستعادة مكانتها في العالم، بعد أن أوشكت روسيا أن تبدو سيدة القرار الدولي، أمام التخلي الأميركي والتهاون الأوروبي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق