تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الأسد والرئيس المقعد

أعلن الحزب الجزائري الحاكم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لولاية خامسة لانتخابات الرئاسة الجزائرية، وهو الذي أصيبَ بجلطة دماغية في ولايته الرابعة أقعدته على كرسي العجزة، وقد تجاوز الثمانين من عمره.

ولكن لماذا يصرّ بوتفليقة على الترشح بالرغم من فقدان الأهلية الصحية؟!

عرفت الجزائر في عهد بوتفليقة استقرارًا سياسيًا، بعد موجة اضطرابات عنيفة، واستطاع الرجل في سنوات حكمه عقد كثير من المصالحات الوطنية ومشاريع السلم الأهلي، وفتح الباب أمام الإسلاميين الراديكاليين للعودة إلى رشدهم والتخلي عن السلاح، مع تحسن طفيف في دخل المعيشة الجزائري. وقد استطاع الرئيس الجزائري الترشح لأكثر من ولاية، بعد التعديل الدستور الذي ألغى المادة التي كانت تحصر الترشح الرئاسي بولايتين رئاسيتين فقط.

من الإنصاف القول أنّ الرئيس بوتفليقة أنجز للجزائر إنجازات عدة، وخطا بها خطوات للأمام، في ما يتعلق بالسلم الأهلي والحد من أعمال العنف والإرهاب؛ ما جعله يتمتع بحضور قوي عند الجزائريين في جانبه الإيجابي، ويُمتّن حكمه عن طريق ضبطه لإيقاع التوازنات، بين كبار المؤسسة العسكرية من جهة، وضبط التناقضات بين هذه المؤسسة وبين جهاز الأمن والمخابرات.

استطاع الرئيس بوتفليقة صناعة هذه التوازنات، عبر تحسين شروط معيشة العسكر، على حساب التحسن في دخل الفرد الجزائري، حيث ما تزال هناك قطاعات كبيرة من المحتاجين والمهمشين والعاطلين عن العمل، فضلًا عن أزمات السكن والعيش والعنوسة. كل هذا -بلا ريب- يمثل أسبابًا تدفع إلى الاحتجاج، ولكن المرحلة العنفية التي مرت بها الجزائر، إضافة إلى كون الخوف من الاحتجاج أصبح مزاجًا يحكم الجزائريين، لا بسبب جبنهم، بل خوفًا من تطورات هذه الاحتجاجات، بما يعني خرقًا لكل منجزات السلم الأهلي التي أنجزها بوتفليقة والمجتمع الجزائري، ولذلك يشكل أي غياب أو تغيير في الجزائر فرصةً قد تدفع إلى الاحتجاجات، ومن هنا؛ كان إصرار الطبقة الحاكمة على بقاء الرئيس بوتفليقة رئيسًا، رغم مرضه.

النظم العسكرية والشمولية تحتاج إلى رمزية من أجل تماسكها، وغالبًا ما يكون هذا الرمز هو الدكتاتور الحاكم الذي نجح في جذب الأتباع والأشياع ولصوص السلطة والمستفيدين منها، حيث تكون الدولة هو وهو الدولة. هذه الطبقة السلطوية التي تتكون مع الدولة السلطوية يصبح من الصعب عليها أن تضحي بمصالحها، وهكذا تصبح العلاقة تلازمية بين وجود الدكتاتور ووجود هذه الطبقة التي يُشكّل غياب الدكتاتور تهديدًا لها، أي أن العلاقة التي تربط بين الدكتاتور والطبقة السلطوية الحاكمة معه هي علاقة ما يلزم من وجوده الوجود، وما يلزم من عدمه العدم.

في الحالة السورية، استطاعت هذه الطبقة السلطوية الاستمرار في الوجود، رغم غياب الدكتاتور المرتبطة به وجودًا وعدمًا، عبر التوريث الدموي للسلطة الدموية من الأب إلى الابن، وتحققت مقولة الطبقة الحاكمة عندما أطلقت على الأسد الأب لقب “القائد الخالد”، فخلود مصالحها وميزات سلطتها يكون عبر تخليد هذه الأسرة، حتى لو حكم البلدَ مجنون من آل الأسد، وكل تعثرات الحل السوري هي لاستماتة هذه الطبقة الأسدية في الدفاع عن امتيازاتها ومصالحها. واستطاع الأسد الصغير دعم الأطراف الأكثر ولاء وإخلاصًا له ولآل الأسد، واستبعاد كل من شكك في قدرات الأسد الصغير على قيادة البلاد، وتقاسَم آل الأسد ومخلوف الحكم السياسي والاقتصادي لسورية؛ فكان في سورية أسوأ طبقة سلطوية يمكن أن تشكلها الدكتاتوريات، حيث صار لكل رجل أعمال رجل أمن، وعند كل رجل أعمال قطيع من الجياع والمحرومين، وعند كل رجل أمن قطيع من الشبيحة واللصوص، وانفجرت سورية عام 2011، أمام هذه الطبقة الأسدية المافيوية، قبل أن تنفجر على الأسد (الشعب يريد إسقاط النظام).

هذه المقارنة بين الدكتاتورية الجزائرية والدكتاتورية السورية تجعلنا ننظر بعمق أكثر إلى فهم السلطة الدكتاتورية في سورية، من دون تركيز فقط على الدكتاتور، أي أنّ تفكيك الطبقة التي ترتبط بالدكتاتور يعني استبعاد الدكتاتور من المشهد السياسي. فبعد الثورة السورية، طالب المحتجون والمعارضون برحيل الأسد، وكيف يرحل الأسد وهناك طبقة قوية يشكل الأسد رمزية لوجودها! ذلك أن رحيله يعني رحيل سلطتها ومصالحها، وما يؤكد هذا الأمر هو أنّ رحيل الرئيس المصري المبكر، بعد ثورة كانون الثاني/ يناير، لم يفعل فعله، طالما بقيت الطبقة الحاكمة من جنرالات العسكر والمخابرات قوية ومتدخلة في الشأن السياسي، وهي التي استطاعت العودة للحكم، عندما رأت الظرف مناسبًا.

إنّ حُكم الجزائر لا يقف على رجل عاجز ومريض، بقدر ما يعني أن وضع الجزائر ومستقبلها متوقف على الطبقة التي يمثلها بوتفليقة، رغم عجزه، ولكن كيف ستتعامل هذه الطبقة، بعد أن يغيب الموت قسرًا الرئيس بوتفليقة؟! هل يمكن أن يبقى كبار الجنرالات على الحياد، ويتركوا مصير الجزائر للأحزاب المدنية؟ وما الموقف المتوقع خارجيًا وأوروبيًا عمومًا، والفرنسي خصوصًا، تجاه الجزائر في صناعة مستقبلها السياسي القريب؟

إنّ عدم رغبة الاتحاد الأوروبي في استقبال مزيد من اللاجئين، والضغط على مالطا وإيطاليا بهدف منع تهريب اللاجئين إلى الضفة الثانية من المتوسط، قد يكونان عاملا ضغط أوروبي لتجنب إي اضطرابات أو حوادث عنف في الجزائر، بل ربما يكون هناك تدخل مباشر على العسكر والمخابرات، لكي تبقى الجزائر بعيدة عن الاحتجاجات والتظاهرات التي يمكن أن تخرج عن طور السلمية إلى العسكرة، ولكن يجب أن نضع في الحسبان أنّ لدى الجزائر مشكلات تاريخية مع شرقها وغربها، أي مع دولة غير مستقرة على حدود طويلة مع الجزائر، ووجود الجماعات الإسلامية الراديكالية والخبرة الميليشاوية في ليبيا، وربما تظهر الخلافات الليبية الجزائرية (القديمة الجديدة) على السطح، وتكون مدخلًا لاستغلال أي موجة احتجاجات في الجزائر، إضافة إلى الخلاف الاستراتيجي القديم والاتهامات المتبادلة دومًا بين الجزائر والمغرب، وكل هذا يمكن أن يُكرّس هيمنة العسكر على البلاد، في ذريعة للحد من الانتقال الديمقراطي أو أن الشعب يخرج عن طوره ويغامر، كغيره من بلدان الربيع العربي.

يُؤمل أن تكون الفترة الرمزية التي يحكم بها بوتفليقة الجزائر فرصةً لتوليد خيارات سلمية بين الجزائريين والسلطة الحاكمة، خيارات يعلو فيها صوت العقل والحوار وترتيب البيت الداخلي، وعدم المراهنة على الخيارات الخارجية، فطريق الديمقراطية طويل وليست الثورات بالضرورة الخيار المثالي للانتقال نحو الديمقراطية، وتحسين حياة الناس وظروف معاشهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق