تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أنظمة على القائمة السوداء… كي لا يفلت القتلة من العقاب

نسبة الإفلات من العقاب في المنطقة العربية بلغت 99 بالمئة

قُتلت الصحافية الأميركية ماري كولفين، في الثاني والعشرين من شباط/ فبراير 2011، على يد قوات النظام السوري، في أثناء تغطيتها معارك حي (بابا عمرو) بمدينة حمص، لشبكة CNN الأميركية. وقُتل الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 2018، على يد فريق إعدام حكومي، داخل قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول، تؤكد مصادر أمنية تركية وجود علاقة بين أفراده وولي عهد السعودية.

خلال العقد الأخير، ازدادت الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، وحالات الإفلات من العقاب بشكل عام. إذ لقيت “كولفين” حتفها، وغيرها المئات من الصحافيين المحليين، في بلدٍ يتعرض شعبه لإبادة منهجية على يد دكتاتور أرعن. فيما قُتل خاشقجي، وقبله العشرات داخل وخارج بلد مستقر آمن، لا يشهد أيّ نزاع داخلي مسلح، أو صراع محموم على السلطة.

ما لَحِظَته (يونسكو) هذا العام هو وجود تفاوت، لأول مرة في التاريخ، في حصيلة عمليات القتل المنظمة ضد الصحافيين. حيث رصدت ارتفاع عدد الصحافيين القتلى، في بلدان لا تشهد صراعات مسلحة، إلى نسبة 55 بالمئة، مقابل الصحافيين الذين قُتلوا في بلاد تعمّها الاضطرابات والنزاعات.

تُصنف سورية، وليبيا، وتونس، ولبنان، والبحرين، والعراق، والسودان، والسعودية، وغيرها، ضمن منطقة جغرافية واحدة. بلغت حصتها من الدم الصحافي، بحسب مؤشر (يونسكو) للفترة 2017/2006، نحو 33.5 بالمئة من المجموع العالمي، تلتها آسيا ومنطقة المحيط الهادئ 26 بالمئة، ثم أميركا اللاتينية 22.9 بالمئة، وإفريقيا 11.6 بالمئة، وأوروبا الوسطى والشرقية 4 بالمئة، وأوروبا الغربية 2.5 بالمئة.

إن عداء أنظمة هذه الدول للحريات أشاع جوًا من الخوف والانكماش، ليس فقط بالنسبة إلى المجتمعات التي وجدت نفسها معزولة بسبب غياب الأصوات الحرة، بل بالنسبة إلى الصحافيين ووسائل الإعلام أيضًا. فقد تحولت سورية -على سبيل المثال- خلال العقد الأخير من حكم الأسد، إلى أكثر البلدان خطورة على حياة الصحافيين، في العالم.

يشكك المراقبون في قدرة النظام الرسمي العربي، الذي يحتكر السلطة، ويُكِنّ كراهية مطلقة ومعلنة للحريات والديمقراطية، على أن يكون شريكًا عالميًا صالحًا، يعمل على توفير الظروف التي تتيح للصحافيين أداء عملهم في بيئة آمنة، تضع حدًا لإفلات الجناة -على اختلاف سُلطاتهم ومراكزهم- من العقاب. فإلى الآن، ما تزال (القائمة السوداء) التي نظمتها (مراسلون بلا حدود) لرؤساء دول وسياسيين وزعماء دين وميليشيات، تألقوا أكثر من غيرهم في قتل الصحافيين، تضمّ خمسة زعماء عرب، يتقدمهم الأسد، الذي برهن -كما تقول المنظمة- بشكل لا غبار عليه، أنه يستحق لقب “عدو وصياد حرية الإعلام”. يليه على التوالي: الجنرال عبد الفتاح السيسي، والملك حمد بن عيسى آل خليفة. والرئيس عمر البشير. والملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود.

إن الأيديولوجيات المختلفة التي كان يتبعها هؤلاء، وتنوع أساليبهم وتقنياتهم، ما بين التعذيب والقتل عبر أجنحة مسلحة، أو الاستعانة بطرق ملتوية ووسائل أكثر مكرًا، كاستدراج الصحافيين إلى القنصليات وتقطيع أوصالهم، لم يمنعهم من أن يناصبوا جميعًا حرية الكلمة العداء ذاته، ويتشجعوا، في ظل الإفلات من العقاب، على ممارسة السلطات الممنوحة إليهم، بتوحش وصفته الأمم المتحدة بالشنيع (ذلك أنه عندما يُستهدف الصحافيون؛ فإن المجتمعات تدفع الثمن ككل. وإنه ليساورني القلق البالغ من ازدياد عدد الاعتداءات، ومن سيادة ثقافة الإفلات من العقاب).

بالنسبة إلى الأخيرة، التي تبنت في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر2017 مبدأ (حماية الصحافيين)، وحثت حكومات الدول الأعضاء على أن تبذل قصارى جهدها لوقف التهديدات الموجهة إليهم، أو استخدام العنف ضدهم، وأن تقدم مرتكبي هذه الجرائم إلى العدالة، يشكل مقتل الإعلاميين تحديًا لها. وتخشى (يونسكو) في هذا السياق من أن يؤدي الإفلات من العقاب، إلى زعزعة مجتمعات بكاملها، جرّاء إخفاء الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان، والفساد الحكومي، وإرهاب الدولة.

في 2 – 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، نظمت (يونسكو) ندوة رسمية حول “تعزیز التعاون الإقلیمي، وإنھاء الإفلات من العقاب للجرائم والاعتداءات الموجهة ضد الصحافیین العرب”، في العاصمة اللبنانية بيروت، على أن تُدرج القضية في إطار الجهد العالمي المبذول لحماية حقوق الإنسان الأساسية.

لكن في ردة فعل مبرمجة، قاطع السفراء العرب الندوةَ، وعوضًا من أن يشاركوا في تحديد الخطوات والتدابير الملموسة التي ينبغي اتخاذها؛ فضلوا عدم الحضور. لقد عزز غيابهم الشكوك بفقدان الأمل في التغيير، وأضاف قلقًا، لم يستطع المدير العام المساعد لقطاع الاتصالات والمعلومات في (يونسكو) معز شكشوك أن يتجاوزه، حين استهل كلمته بالقول: “أشعر بالخجل، كعربي، من أن تستأثر المنطقة العربية بأكبر عدد من قتلى الصحافيين، ثلث العدد العالمي، وهي المنطقة نفسها التي سجلت أعلى نسبة إفلات من العقاب، وصلت إلى 99 بالمئة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق