تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

خطوة على الطريق لمحاسبة المجرمين

مجني: مذكرة الاعتقال الفرنسية إعلان لكل السوريين أن العدالة لا بدّ أن تأخذ مجراها

تبع القضاء الفرنسي نظيرَه الألماني، في ملاحقة مجرمين بارزين في نظام الأسد، بعد أن صدرت -لأول مرة- مذكرات توقيف دولية فرنسية، طالت ثلاثة من كبار ضباط النظام، بتهم التورط في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وتورطهم في عمليات الإخفاء القسري وتعذيب المعتقلين بطريقة وحشية. واعتمدت المذكرات على صور “قيصر”، وعلى دعاوى قضائية لأقارب ضحايا قضوا في سجون النظام.

جاء القرار القضائي، بعد تحريك الدعوى من قبل عبيدة الدباغ (شقيق وعم ضحيتين قتلهما نظام الأسد، في أقبية أجهزته الأمنية)؛ الأمر الذي يُعدّ سابقة في القضاء الفرنسي، لكونه قد يتسبب في تقييد حركة كبار ضباط مخابرات النظام، على النطاق الأوروبي على الأقل. والسؤال المطروح، على إثر صدور هذه المذكرات، هو هل ستؤدي هذه المذكرات إلى تشكيل محكمة دولية لمحاكمة القتلة من النظام السوري؟

القاضي المنشق محمد أنور مجني رجّح، في تصريح لـ (جيرون) “تأخّر تشكيل محكمة جنايات دولية، في ما يخص الانتهاكات التي يُمارسها النظام السوري، لسببين: الأول أن الدولة السورية لم تُصادق على نظام روما، والسبب الثاني هو الفيتو الروسي الذي يمنع مجلس الأمن من إحالة الملف السوري، من المجلس إلى محكمة جنايات دولية”.

وُجّهت مذكرات التوقيف الصادرة عن القضاء الفرنسي، بحق ثلاثة ضباط في القيادة الأمنية للنظام السوري هم: علي مملوك، مدير مكتب الأمن الوطني وأحد مستشاري بشار الأسد، وجميل الحسن، رئيس جهاز المخابرات الجوية السوري، وعبد السلام محمود، مدير فرع التحقيق في مركز اعتقال المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري بدمشق.

في هذا السياق، أكد مجني أن “السوريين اضطروا إلى اللجوء إلى المحاكم الوطنية حيث يقيمون، بسبب هذه الصعوبات”، معتبرًا أن القضاء الفرنسي تصرّف كقضاء وطني لا كقضاء دولي”، وأضاف: “يختلف تحريك مثل هذه الدعاوى من دولة إلى أخرى؛ فبعض الدول تسمح بتحريك الدعاوى دون أن يحمل المدعي جنسية البلد، وقد قُدّمت بالفعل دعاوى في عدة دول، وكانت إحداها تحريك دعوى ضد تجاوزات رجال من نظام الأسد في ألمانيا، فيما تشترط بعض الدول أن يحمل المدعي جنسية الدولة التي يرفع الدعوى فيها”.

وكانت ألمانيا قد اتخذت خطوات مماثلة، وأصدرت مذكرة توقيف، في حزيران/ يونيو الماضي، بحق مدير المخابرات الجوية جميل الحسن، حيث يتيح القانون في ألمانيا محاكمة مرتكبي هذه الجرائم في الخارج.

ورأى القاضي المنشق أن ما سهّل تحريك االدعوى العامة في فرنسا هو “أن الشخصين المتوفيين تحت التعذيب يحملان الجنسية الفرنسية، إضافة إلى الجنسية السورية، كما اعتمد القضاء الفرنسي على صور (قيصر) كوثائق، للكشف عن انتهاكات النظام المنهجية في التعذيب والقتل”.

وكان ضابط منشق في مخابرات النظام السوري قد سرّب صورًا عام 2013، أطلق على نفسه اسم “قيصر”، وهي عبارة عن 50 ألف صورة لمعتقلين في سجون النظام، تعرضوا للتعذيب والتجويع ثم القتل والتنكيل بجثثهم.

أشار مجني إلى أن “لتحريك مثل هذه الدعوى دورًا معنويًا؛ إذ يُعدّ إعلانًا لكل السوريين أن العدالة لا بدّ أن تأخذ مجراها، مهما طال الزمن، وأن مجرمي النظام السوري لن يفلتوا من العقاب، إضافة إلى أن له أثرًا سياسيًا، فقد بات رجال النظام السوري -بنظر المجتمع الدولي- ملاحقين بجرائم في محاكم وطنية؛ ما يساعد في منع إعادة تعويم النظام. وبمعنى أوضح: لا يمكن إعادة ثقة المجتمع الدولي به”، على حد تعبيره.

ونفى الحقوقي أن يكون للمعارضة الرسمية دورٌ في تحريك الدعوى أمام القضاء الفرنسي، وأرجع تحريك هذه الدعوى إلى منظمات المجتمع المدني الحقوقية، مشددًا على دور الحقوقين الكبير بالمساهمة في الكشف عن جرائم النظام، وفي مساعدة السوريين، في دول اللجوء الأوروبية، في تقديم شكاوى ودعاوى، ومناصرة هذه القضايا التي تُسهم في حشد الرأي العام، معتبرًا أن “مناصرة هذه القضية سيكون له أثر على المسار السياسي، وهو محاسبة النظام وكل المنتهكين على جرائمهم”، وعدّ أن “حلّ القضية السورية لا يمكن أن يتم إلا من خلال المساءلة والمحاسبة”.

من جهة ثانية، أكد نبيل الحلبي، الناشط الحقوقي والمحامي اللبناني، أن مذكرة التوقيف التي أصدرها قاضي التحقيق الفرنسي “هي مذكرة توقيف دولية، يتم تحويلها الى الإنتربول لمحاسبة ركيزة النظام الأمني في سورية”، لكنه عاد وأكد أن “مثل هذه الدعاوى لا تؤدي إلى عقد محكمة دولية”.

وقال الحلبي، في حديث إلى (جيرون): إن “لجنة التحقيق الخاصة إلى سورية هي وحدها التي ستؤدي إلى محكمة دولية”، مشيرًا إلى أن “هناك إعاقة لعمل هذه اللجنة التي تترأسها القاضية كارلا ديل بورنتي، بسبب عدم إصدار قرار مُلزم، من قِبل مجلس الأمن، لدخولها الأراضي السورية، إضافة إلى رفض النظام السوري دخولها إلى سورية”.

ورأى الحلبي أنه “لا يمكن للدول أن تتحرك ضد النظام السوري، بالنسبة إلى المقاضاة، إلا إذا أقيمت دعوى من ذوي الشأن، أي من قبل الضحية أو ذوي الضحية الذين يحملون جنسية هذه الدولة، أو إذا كان أحد مرتكبي الجرائم حاملًا لجنسيتها”.

وشدد الناشط الحقوقي على “ضرورة إصدار مجلس الأمن، وخاصة الدول الدائمة العضوية فيه، مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، قرارًا تحت الفصل السابع لمجلس الأمن، يُلزم النظام السوري بعدم إعاقة عمل لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسورية، وإتاحة دخولها إلى جميع الأراضي السورية، من دون أي عائق، للقيام بتحقيقات ميدانية مع الضحايا أو ذويهم أو الشهود أو المشتبه فيهم بارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية”، لافتًا النظر إلى أن “هذه هي الحالة الوحيدة للوصول إلى تشكيل محاكم دولية خاصة بسورية؛ لأن عمل القضاء الفرنسي مستقل عن عمل اللجنة”.

نبه الحلبي إلى أن “لا وصاية روسية على القضاء الفرنسي، ويقتصر الفيتو الروسي على إعاقة عمل لجنة التحقيق الدولية، لأنها تتمتع بامتيازات ضمن مجلس الأمن”، وتابع: “للأسف، أي ضغط يمكن أن تمارسه الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، من أجل مسار العدالة الجنائية الدولية في سورية، سيصطدم بفيتو من قبل روسيا أو الصين”.

وأكد “ضرورة فصل المسار السياسي في سورية عن مسار العدالة الجنائية الدولية، وأن لا يُبنى الحل السياسي في سورية على حساب العدالة، مشيرًا إلى أن المسؤولين عن هذا الفصل هم الدول المعنية بالملف السوري، إضافة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فهم من يقررون آلية إدارة الملف السياسي والجنائي”.

يُذكر أن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي وافقت على “قانون قيصر”، في 26 أيلول/ سبتمبر الماضي، وهو ينص على معاقبة كل من يُقدّم الدعم لنظام الأسد، ويُلزم رئيس الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الدول الحليفة للأسد، عبر مجلس النواب (الكونغرس) ثم موافقة مجلس الشيوخ بغرفتيه، ثم يتم تحويل القانون إلى المكتب الرئاسي، حيث يوقع عليه الرئيس الأميركي ليصبح ساري المفعول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق