سلايدرقضايا المجتمع

بعد نضال حقوقي؛ المحكمة الأوروبية: “الإساءة للرسول ليست حرية تعبير”

سجّل القضاء الاتحادي الأوروبي يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2018 خطوة جريئة وغير متوقعة، بالمصادقة على حكم القضاء النمساوي الذي اعتبر تحقير الرسول الكريم عملًا جنائيًا لا يمكن تبريره بحرية التعبير.

كان بإمكان هذا القرار بالفعل -لو أنه صدر قبل سنوات- أن يوقف رياح الكراهية التي انبعثت في المنطقة وأزهقت أرواحًا كثيرة؛ على إثر رسومات مهينة قام بها رسام طائش، هدمت من جسور المودة والحوار ما استغرق بناؤه عقودًا طويلة.

ولكن كيف أمكن الوصول إلى هذه الغاية النبيلة؟

في الحقيقة، نحن نمارس الصراخ والصياح أكثر من العمل العاقل المسؤول، وحين ظهرت الإساءات إلى النبي الكريم، اشتعل العالم الإسلامي غضبًا، وأحرقت سفارات ودمرت مبان كثيرة، وظهرت أفلام صاخبة تهدد وتتوعد، وفي يوم واحد سقط في أفغانستان عشرات القتلى في تظاهرة صاخبة تحت عنوان (إلا رسول الله).

ولكن ذلك كله لم يغيّر شيئًا في العقل الأوروبي وظل الأوروبيون يقولون ما بال المسلمين لا يفهمون حرية الرأي؟ وازدادت التساؤلات حدة ومباشرة، مع قيام أعمال إرهابية عنيفة في شارلي إيبدو وغيرها ثأرًا من الرسوم المسيئة.

وقدّم التطرف ألف ذريعة جديدة لاعتبار الإساءة إلى اللأنبياء عملًا مشروعًا مبررًا، وأن هؤلاء القتلة لا يستحقون أي رعاية لمشاعرهم ومقدساتهم، بل أسهم ذلك في ظهور تيار عنصري أوروبي، يرى أن المقدس نفسه الذي يدافعون عنه ضالع في العمل المتوحش.

في السياق نفسه، ظهرت أصوات أخرى تنفخ في رياح الكراهية، وتحض الأوروبيين على مزيد من الإساءات، وفاء سلطان، نموذجًا، ظهرت على منبر الجزيرة تطالب الدنمركيين بمزيد من الرسوم المسيئة والمهينة للإسلام، على أساس أن هذه هي الطريقة الضرورية لنشر الوعي في المجتمع العربي، وتحذير أوروبا من خطورة الإسلام.

في غمار الغضب اللاهب الذي لف العالم الإسلامي العقد الماضي، على إثر الرسوم الدنمركية المسيئة للرسول؛ ظهرت مطالبات واعية حينذاك بممارسة النضال الحقوقي، بدلًا من الهياح والانفعال، والذهاب إلى منصات القضاء المعتبرة في أوروبا للوصول إلى الإنصاف.

بدا الأمر في غاية الوضوح، حقوقيًا وتشريعيًا، ولم أشكّ لحظة في أن العدالة في الدول المتحضرة قد تخلصت من ربقة التسلط السياسي، وتحررت إلى حد بعيد من الفساد، واستقرت عند جوهر القَسم الذي يحلفه القضاة لإحقاق العدل والوصول إلى الإنصاف، وهي في الوقت عينه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو إيماني الذي لم يتغير بالإنسان يومًا.

لقد ذاق المجتمع الأوروبي مرارة الاستبداد، وحين تحرر من ربقة الطغاة، اختار الحرية معبودًا نهائيًا، وفي سبيل ذلك، صدرت آلاف المقالات عن حرية التعبير أنه هو المقدس دون سواه، وأن أي مساس بحرية التعبير هو عدوان على الإنسان، ومستحيل أن تقر المؤسسة الحقوقية في أوروبا أي تراجع عن هذه البدهيات، وبدا الذين يترافعون لضبط حرية التعبير يعاندون حركة التاريخ، ويخطئون في فهم الواقع، ولكن الواقع قال غير ذلك، فالحرية المطلقة من دون قيد لا وجود لها إلا في مشفى المجانين، وبعد جهود حقوقية قام بها قانونيون منصفون، نجح هؤلاء في إقناع محكمة نمساوية، بأن الإساءة المهينة إلى نبي الإسلام هي بالضرورة إساءة مباشرة إلى معتنقي هذا الدين الذي يعتبر دينًا رسميًا في النمسا منذ عام 1923، وأن على القضاء أن يدافع عن كرامة هؤلاء المواطنين الذين يواجهون ازدراء مقدساتهم، وأن العدالة وحدها هي التي تحول مشاعر الرغبة في الثأر إلى مشاعر الرغبة في الإنصاف.

كانت النتيجة الحقوقية أن يتقبل القضاء النمساوي مرافعة المسلمين في النمسا، استجابة لمبادئ الحق التي نص عليها الدستور النمساوي ولشرعة حقوق الإنسان التي تكفل حق الإنسان في حفظ سمعته وكرامته.

ومع أن الهيئات الحقوقية التقليدية في النمسا صُدمت بهذا الموقف، وكتبت مئات المقالات عن حرية الرأي التي تتناقض مع هذه التوجهات، ورفع الأمر برمته إلى القضاء الأوروبي، ليقول كلمته بعيدًا عن التدافع السياسي في النمسا، ملتزمًا أرقى أدبيات أوروبا وقيمها في حرية التعبير وحقوق الإنسان، وبعد مرافعات استمرت ست سنوات متتالية؛ انتهى القضاء الأوروبي إلى تصديق الحكم النمساوي، واختار بالفعل تقييد حرية الأفراد بمنع الاعتداء على الآخرين.

في الواقع، لقد تفهّم القضاء الأوروبي بوضوح الفارق بين حرية التعبير وبين احترام المقدس، ومال إلى احترام المقدس، وحكم بصراحة أن تحقير المقدس الديني لا يعدّ حرية تعبير بل اعتداء على الآخرين. كان الأمر، في الواقع، نضالًا حقوقيًا بامتياز، صاحَبته بالتأكيد ضغوط سياسية مختلفة، وهذا أمرٌ طبيعي في مسائل الشأن العام، ولكنه يحتاج إلى إصرار ومتابعة وموضوعية.

قبل عقود قليلة، كان الكلام عن المحرقة اليهودية شأنًا عاديًا يتصل بحرية التعبير، ولم يكن أحد يحاسب على التشكيك في المحرقة، حيث القوانين الأوروبية محصنة بمناعة لحماية حرية التعبير، ولكن الحركات اليهودية خاضت في الواقع نضالًا حقوقيًا ضاريًا، لإقناع عدد من صناع القرار في الغرب، من برلمانيين وحقوقيين، بأن التشكيك في المحارق نوع من العدوان على مشاعر ذوي الضحايا وعذاباتهم، وأن من العقل أن تفرض عقوبات صارمة على من يستهين بعذابات الناس، وبعد سنوات طويلة من الجهد الحقوقي المستمر؛ نجحت هذه الحركات في الحصول على صكوك تشريعية في عدد من الدول الأوروبية، وبات الكلام على المحرقة اليوم يعدّ انتهاكًا لحقوق الإنسان وعذاباته ومعاناته، يجرمه القانون ويفرض إزاءه المؤيدات الجزائية المخلفة.

قناعتي أن الاستمرار في الجهد الحقوقي لا بدّ أن يأتي بالنتائج المأمولة، وعلينا خوض هذا النضال الحقوقي، وهذا العالم المتحضر عالم يتجه نحو العدالة والإنسانية، على الأقل في الأفق الحقوقي والقضائي.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق