مقالات الرأي

المشكلة بالسياسات وليست بالهويات

حدثت الثورات العربية في بلدانٍ مختلفةٍ بأنظمتها السياسية. حيث إن السبب المحدّد للثورات هو السياسات الليبرالية التي تبنتها الأنظمة العربية كسياسة عامة لها، فتمّ تبني الخصخصة لتشمل كافة قطاعات الحياة، والتخلي عن المكتسبات الاجتماعية، وفُتحت الأسواق من دون اشتراطات تراعي الفارق بين بلدٍ متخلف وبلدٍ متقدم، وهذا أدى بدوره إلى إفقار واسع وانهيار كبير للطبقة المتوسطة. إن سبب تبني هذا السياسات هو طبيعة الطبقة المسيطرة، التي تضخمت ثرواتها بسبب الفساد والنهب المنظم؛ وأصبحت تسعى لتتعولم على قاعدة أن تصبح هي أداة ووسيطًا للتجارة العالمية واستقدام الشركات الاستثمارية، ولتخلق بذلك أشكالًا جديدة من النهب للثروة “الوطنية”، وبالتالي لا بدّ من تخريب كل البنية الاقتصادية والاجتماعية لمصلحة هذه الطبقة. تكرّر الأمر ذاته في كل من مصر وتونس وسورية وليبيا واليمن، وكذلك العراق والمغرب والأردن.

الأنظمة السياسية العربية كانت دائمًا شمولية، ولا يغيّر في الأمر شيئًا وجودُ ديمقراطيات منخفضة أو هامشية، كما هي الحال في الأردن والمغرب، وأيضًا اندلعت حركات احتجاج واسعة فيها، وهي تتجدّد باستمرار. إن وجود هوية دينية غالبة، في الأردن والمغرب وتونس، يدفعنا إلى القول إن الاحتجاجات فيها لم تكن لسببٍ ديني، أو طائفي، أو مذهبي؛ إذًا سبب الثورات هو السياسات الاقتصادية أولًا، وثانيًا الشمولية والقمع الشديد. إن كل صراع ديني أو طائفي أو مذهبي، مُورس في هذه الدولة أو تلك، لا يدخل كسببٍ لقيام الثورات، بل ظهر، لأسبابٍ تتعلق بتشويه الأنظمة والحركات المعارضة للثورات، وكمحاولة للسيطرة عليها، ومنعها من أن تطرح بديلها الشعبي للتغيير، الذي سيكون بالضرورة برنامجًا اقتصاديًا وسياسيًا يشمل كافة قطاعات المجتمع. هذا الكلام يخص المرحلة الأولى للثورات، قبل أن تتسلط عليها المعارضات “التاريخية”، وتدفع بها نحو برنامجها السياسي، الذي لا يختلف في شقه الاقتصادي عن برنامج الأنظمة “السياسات الاقتصادية”، ولا في شقه الاجتماعي “المجتمع أديان وطوائف ومذاهب” بل حتى في الشق السياسي، كان هناك رفض للأنظمة يصل إلى حدودٍ مطلقة، أي الاجتثاث؛ طبعًا أتناول بمقالي المعارضة المكرّسة؛ ففي سورية -مثلًا- لدينا المجلس الوطني، ولاحقًا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

قضية الهويات ما قبل الحداثية كانت مسألة مطروحةً في إطار ضعف التكوين المجتمعي والهوية الوطنية الحديثة النشوء، ولم يتم التخلص الكامل منها، ولدينا ممارسات متعدّدة وفقًا لها؛ عكس ذلك، فقد ارتبط تسييسها، بإخفاق مشاريع التنمية، بدءًا بإيران وثورتها 1979، وإخفاق المشروع القومي في مواجهة “إسرائيل” 1967، أو الوحدة أو البنية الصناعية المتينة، واعتماد السلفية كمرجعية للحكم في الخليج العربي، وبسبب ذلك اعتُمدت سياسات تسييس الهويات القديمة، والتخلي التدريجي عن مفاهيم التقدم والاشتراكية والحريات والتعاون وإنصاف الفقراء، واقتصاديًا تمّ تجميد كل سياسات التأميم والإصلاح الزراعي وتوسيع التعليم العام وتعزيز دوره، وفُتح المجال واسعًا لاقتصاد السوق، وسياسيًا أصبحت الأنظمة السياسية القائمة تعتمد اعتمادًا كاملًا على الأجهزة الأمنية، فظهر مصطلح الدولة الأمنية والشمولية.

المجتمع العربي لم يشكل هويةً ناجزة في تاريخنا الحديث، نعم. ولكن متى شكّل المجتمع هوية ناجزة بمفرده، وكأنّ هذه القضية خاصة بالمجتمع؟ تتشكل الهوية الناجزة وفقًا لسياسات الطبقات الحاكمة، فهي التي تطوّر أو تمنع أو تَسقط بتجاهلها ذلك. الطبقات البرجوازية العربية لم تمتلك مشروعًا للتطور العام، وبالتالي تشكلت طبقة تابعة وعميلة لصالح الإمبرياليات العالمية. وعلى الرغم من مرور نصف قرنٍ من الزمن، فإن الدولة القطرية لم تواجه الإمبرياليات بل هي تلتحق بها عبر سياسات الليبرالية الجديدة، وبالتالي الدول القطرية الممثلة للطبقات المسيطرة، قبل الاستقلال وبعده، عملت من أجل خلق علاقات جديدة من التبعية مع هذه الإمبرياليات.

إن تطوّر سورية ومصر وتونس وسواها لم يؤد إلى نشوء بنية صناعية مستقلة، وسيطرت عكس ذلك الزراعة والتجارة والصناعة التحويلية والخدمات على طبيعة طبقاتنا المسطرة. المشكلة هنا تكمن في التزايد السكاني الكبير من ناحية، وغياب البنية الصناعية التي تستوعب هذا التزايد، وبقاء أساليب الزراعة تقليدية، وبالتالي يصبح القمع هو العلاقة الوحيدة مع الشعب. إذًا لا إمكانية للتحويل الديمقراطي وللحريات، طالما أن الطبقة البرجوازية العربية تابعة ولم تنجز ثورتها الصناعية.

جاءت الثورات لإيقاف النهب، ولتحسين أوضاع الطبقات المفقرة، ولتحقيق الحريات والديمقراطية؛ هذا الجديد كان مفاجئًا للأنظمة وللمعارضات، وبالتالي كانت أعوام 2010-2011، تستدعي برنامجًا وطنيًا بديلًا ينهض بكلية المجتمع، ويُنهي الخيار الليبرالي الجديد ويطالب مع الديمقراطية، ويشكل هوية مجتمعية وطنية. كل هذه القضايا طُرحت دفعة واحدة، وإن كان انهيار الوضع الاقتصادي يعدُّ السبب المركزي لمساواة الحياة والموت وضرورة الثورة.

تظاهر التونسيون من أجل العمل والخبز والحريات، وكذلك المصريون، واليمنيون، والسوريون. ولم يرفعوا شعارات طائفية، أو دينية. كان إصلاح النظام أو إسقاطه يعني إيقافًا للفساد وللنهب وتغييرًا للنظام الحاكم، وتوسيعًا للحريات وتبني الديمقراطية. القضية شعبيًا هنا بالتحديد، وهذا القضية رُفضت من قبل المعارضات والأنظمة معًا، ولهذا دُفعت الأمور نحو تسييس الهويات.

إذًا الشعوب ثارت من أجل تغيير السياسات، وليس من أجل تسييس الهويات، والدين والمذاهب، وبناء دولة الطوائف، كما هي حال لبنان والعراق، التي شكلتها الاحتلالات الأجنبية، فرنسا وأميركا.

أليس ذا دلالةٍ كبرى، أن تشكل الاحتلالات “دولنا” العربية دستوريًا، وفق الهويات الطائفية. الأنظمة كما قلت أعلاه، مع إخفاق مشاريع التنمية، تبنت سياسة “نفخ الروح” بالهويات ما قبل الحداثية، بالمعنى الاجتماعي والثقافي، ولكنها لم تسيّس هذه الهويات إلّا مع قيام الثورات أو حينما تتعمق أزماتها، وأما التيارات الطائفية والاحتلالات، فهي تعتمد تسييس الهويات كسياسة عامة في بلداننا. إذًا هي ليست قضية مجتمعية، ولا علاقة لها بالتدين العام، وهو شكل الوعي العام بدوره، ولو كان الأمر كذلك لكان الوعي هذا طائفيًا بشكل مستمر، وهذا غير صحيح بالمطلق؛ ولنأخذ مثالًا أن مدينة حماة المدمرة في الثمانينيات باسم “الصراع الطائفي”، ثارت “2011” بتظاهرات ضخمة، ولم ترفع شعارات طائفية البتة.

إن من أكبر الأخطاء التي تقع فيها المعارضة، ومثقفوها، تسييسَ الأديان وتبني الطائفية حين تحلّل الثورات وأسبابها ونتائجها. الشعب أراد التغيير من أجل واقعٍ أفضل، وهذا ما يجب العمل عليه مجدّدًا، والوصول إلى مشروع وطني، يتضمن رؤية استراتيجية لكيفية النهوض بهذا الواقع، وتحقيق مصلحة الطبقات المفقرة والمجتمع بعامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق