تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أبعاد التوسع التركي في شرق الفرات وتداعياته على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن

لم تكن أنظار تركيا تتجه نحو شرق الفرات؛ لولا حدوث انفراج بسير العلاقات الاستراتيجية مع نظيرتها واشطن، فقبل وقت مضى كانت تركيا تتحسّس لإيجاد مخرجٍ لها من أزمتها الاقتصادية بطابعها السياسي، على ضوء خط التصعيد الذي اتخذه ترامب في قضية القس الأميركي برونسون، وفرضه عقوبات لأول مرة على حليف بازر في عضو الناتو، الأمر الذي أدى إلى فقدان العملة التركية 25 بالمئة من قيمتها أمام الدولار الأميركي، ودفع تركيا إلى احتواء الأزمة من البوابة الاقتصادية، لتحقيق جملة من المكاسب السياسة في ملفاتها الإقليمية، بالتفاهم والتنسيق مع إدارة ترامب، مع استبعاد أي قطيعة للعلاقات الثنائية.

تعتبر طبيعة الخلافات العالقة بين الجانبين، في العديد من قضايا الشرق الأوسط، محض اهتمام دائم تُحتم على كلا الجانبين الحفاظ على خط التوازن الجيوسياسي وعدم الخوض في صراعات جانبية، لا سيما أن الملفات الخلافية تأخذ منحًى تصاعديًا، ولا نبالغ في القول إنها وصلت إلى ذروتها مع مجيء ترامب، ولعل أبرزها التباعد في وجهات النظر، في الانقلاب على الرئيس الشرعي محمد مرسي المعروف بتقاربه مع حزب العدالة والتنمية التركي، وقضية تحالف أميركا مع الأكراد، منذ عهد إدارة الرئيس أوباما، التي أدت إلى عودة أميركية إلى الشرق الأوسط تحت ذريعة القضاء على التنظيمات الإرهابية؛ وأثار ذلك حفيظة أنقرة التي ترى في الذراع الأميركي الوحيد في شمال شرق سورية تهديدًا لأمنها القومي، وتخشى من إقامة كيان كردي على كامل شريطها الحدودي مع سورية، كما أن تركيا تعتبر أن واشطن لها يد في حادثة الانقلاب التركي الفاشل عام 2016، إذ لم يسبق لأقوى دولة عظمى في العالم أن تتريث في دعم الديمقراطية في تركيا إلا بعد ثبوتها من فشل الانقلاب، يُضاف إلى السجل الخلافي اعتبار تركيا فتح الله غولن المدبّر الأول للانقلاب، وطالبت مرارًا إدارة ترامب تسليميه إياها بحسب اتفاقيات موقعة بين الجانبين تنص على تبادل المجرمين، إلا أن واشطن لم تُلبي رغبة أنقرة حتى الآن، وعلاوةً على ذلك فالتقارب التركي – الروسي – الإيراني يُعتبر من الملفات الخلافية مع أميركا، ما يُعزز هذا الطرح عدم مشاركة أميركا في مسار أستانا أو الحضور بشكل رسمي، ورفضها لأي مسار سياسي بديلاُ عن جنيف.

على الرغم من كل الخلافات المذكورة، فإن الطرفين يسعيان لعدم قطع شعرة معاوية بحكم حاجة كل منها إلى الأخر، فأميركا تنظر إلى تركيا كبوابة عبور نحو الشرق الأوسط، بحكم موقعها الحيوي المهم وتوسطها لقارات العالم الثلاث، في المقابل، ترى تركيا في واشطن حليفًا استراتيجيًا مهمًا لحماية أمنها القومي، من خلال الاعتماد على استيراد الأسلحة، إضافة إلى ملفات التبادل التجاري والاقتصاد، وعليه اتبع الجانبان مؤخرًا سياسية الاحتواء، وتم القفز على كل الملفات العالقة، وظهرت بوادر ملامح تقارب جديد دفع تركيا إلى جانب شراكتها مع روسيا في اتفاق تثبيت اتقاق إدلب، من خلال وثيقة سوتشي ونتائج القمة الرباعية في إسطنبول، إلى توجيه أنظارها نحو شرق الفرات.

مع إصرار تركيا عى تطهير كامل حدودها الجنوبية من تنظيمي PYD وPKK لاعتبارها (قوات سوريا الديمقراطية) ذراعًا لحزب العمال الكردستاني المصنف على قائمة الإرهاب، لجأت إلى استثمار تقاربها الجديد من واشطن من طرف، وعلى صعيد آخر تريد أنقرة اختبار نيّات الإدارة الأميركية تجاهها في أكثر الملفات حساسية، التي تُعد أولوية أولى لديها.

سياسيًا، صعّدت تركيا من خلال تصريحات الرئيس أردوغان، في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، أوضح خلاله نيّة بلاده إطلاق عمليات واسعة وأكثر فاعلية في شرق الفرات، أعقبها استهداف تركي لمواقع (قوات سوريا الديمقراطية) لمناطق مدنية في تل أبيض شرق سورية، وعين العرب (كوباني) إضافة إلى إعلان تركيا نيّتها نقل أسلحتها الثقيلة إلى المناطق المتاخمة لحدودها الجنوبية في تل أبيض واستقدامها لعناصر من الجيش السوري الحر (فصائل درع الفرات) وإعلانها الجاهزية التامة للبدء في معركة شرق الفرات، وجاء الرد الأميركي بلعب دور الوسيط، حيث إن واشنطن لا تريد إزعاج تركيا حرصًا على سير العلاقات الاستراتيجية، ولا تريد في الوقت ذاته التخلّي عن قواتها البرية كليًا التي تحمي قواعدها العشرين من جهة، وتحارب ما تبقى من جيوب (تنظيم الدولة السلامية/ داعش) في شرق دير الزور من جهة أخرى.

على إثر ذلك؛ أبدت (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) انزعاجها من التحركات التركية، وأعلنت إيقاف حملتها (عاصفة الجزيرة) قبل استئنافها مؤخرًا، محاولة إيصال رسالة إلى واشنطن مفادها في حال عدم قيام الأخيرة بإيقاف تركيا عن حملاتها العسكرية؛ فمن الممكن أن تنسحب (قسد) من المناطق، وتسمح للتنظيم بالعودة؛ ما يرشح عودة خلط الأوراق من جديد وإحياء معارك كانت قد ماتت. وقد تدفع إيران بقوات (الحشد الشعبي) كورقة ضغط على أميركا انتقامًا من سياسية ترامب التي فرضت عليها الحزمة الثانية من العقوبات الاقتصادية، في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، ووفقًا للاستراتيجية الأميركية الجديدة (بمحدداتها الثلاثة) التي جاءت على لسان الخبير بقضايا الشرق الأوسط جيمس جيفري وقضت بوجود دائم لأميركا في سورية حتى تحقيق أهداف التحالف في إنهاء كامل لـ (داعش) وطرد إيران من المنطقة، ومنع روسيا من تحقيق انتصار كامل في سورية، وعلى ذلك؛ فإن الإدارة الأميركية تتجه إلى تحقيق استقرار دائم في شرق الفرات، كما تسعى لإنشاء إقليم لا مركزي بإدارة المناطق العربية، من خلال دعم المجالس المحلية، على حساب عدم تقديم أي مساهمة لمناطق النظام السوري، وفي نهاية المطاف لن تجد أميركا أفضل من تركيا، لتطبيق هذه الاستراتيجية التي ستصب في مصلحة البلدين، لكن هذا لا يعني أن أميركا ستُعطي ضوءًا أخضر لتركيا لشن عمليات على كامل مناطق شرق الفرات. غير أن تركيا لا ترمي إلى تطبيق سيناريو عفرين و(درع الفرات) في شرق الفرات، حرصًا على حساسية العلاقة مع شريكتها واشطن التي تتخذ من شرق الفرات منطقة نفوذ تام لها، وتبسط سيطرتها على كامل ثروات النفط والغاز السوريين.

وعلى ذلك؛، فإن التوسع التركي في شرق الفرات قد يكون محدودًا وجزئيًا، ومن خلال المعطيات المتوفرة فمن المستبعد أن تشن تركيا عمليات كلية، وقد تقتصر على بسط السيطرة على تل أبيض لما تُشكّل أهمية لها، لكون السيطرة عليها تُكسبها تقسّم مناطق الفرات، وعزل مدينة عين العرب عن مدينة القامشلي، كما أن تركيا تعتبر تل أبيض مدينة حيوية وجزءًا لا يتجزأ لمدينة (أقشا قلعة) نظرًا إلى طبيعتها المتداخلة والتداخل السكاني ذي الطابع العشائري والتركماني، في حين تبقى مدينة منبج مفتاح العمليات في شرق الفرات، وتعمل تركيا بالضغط على واشطن لتنفيذ كامل بنود الاتفاق، وفي حال إتمام كامل بنوده؛ تكون تركيا قد وصلت إلى مناطق (درع الفرات) في مدينة الباب وصولًا إلى الرقة.

إن نجاح هذه التحركات يستدعي تفهم واشطن للتطلعات التركية والتنسيق معها، وقد تسمح الأخيرة لتركيا ببسط السيطرة على المناطق المذكورة بما يُعطي ضمانًا لها في إزالة الخطر الكردي، أما بقية المناطق في شرق الفرات فقد تلجأ واشنطن إلى عدة شراكات مع تركيا والأكراد والنظام السوري، لتطبيق نموذج الإدارة المحلية، لكن هذا يحتاج إلى خضوع النظام بشكل جدّي لمفاوضات جدية في مسار جنيف، وإلى ذلك الحين، سيبقى مصير شرق الفرات رهن التجاذبات والتفاهمات الأميركية – التركية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق