مقالات الرأي

“الكورنة”.. سابع السيناريوهات في سورية

يبدو أن قدَر سورية أن تحمل ملامح من سيناريوهات تاريخية عديدة عرفتها بلدان حول العالم، وتحولت إلى نماذج يُستشهد بها في المقاربات والدراسات المتخصصة؛ فـ “سورية” كانت أكبر من سيناريو بعينه. وتلك ليست قيمة إيجابية للأسف، لكنها تعبير عن خصوصية موقع سورية الجيوستراتيجي، وتعقيدات بنيتها الديموغرافية.

ففي مرحلة مبكرة من الصراع المسلح الذي أعقب العام 2011، حذّر خبراء من خطر الانزلاق نحو “الصوملة”. وقد حملت سورية بالفعل بعض ملامح السيناريو الذي تميزت به “الصومال” لمدة طويلة، بوصفها بلدًا فيه “دولة فاشلة”، تنازعها فصائل مسلحة السيطرة على مساحات مهمة من التراب الصومالي. ومنذ خريف العام 2015، مع الدخول الروسي النوعي على خط الصراع في سورية، تقلصت ملامح “الصوملة” بصورة كبيرة، حتى أصبحت محدودة. لكنها ما تزال موجودة، حتى الساعة.

كانت من أشهر المقاربات التاريخية للمشهد السوري، التحذيرات من “لبننة” سورية، أو “عرقنتها”، باتجاه إقامة كيان سياسي، تقوده محاصصة طائفية، في مؤسسات حُكم هشّة. وكان هذا السيناريو يلوح في الأفق بشدة، في منعطفات عديدة للأزمة السورية، قبل أن تتراجع احتمالات تحققه تراجعًا كبيرًا، في الوقت الراهن.

أما سيناريو “يوغسلافيا”، فبقي راسخًا في أذهان كثير من المراقبين، بوصفه منعطفًا محتملًا بشدة للصراع السوري، باتجاه تقسيم البلاد كنتيجة لصراع يحمل طابعًا طائفيًا. وإن كانت سورية لم تنزلق بصورة نوعية نحو صراع طائفي خالص، فإن الصراع فيها حمل ملامح طائفية شديدة الوضوح، الأمر الذي أتاح استذكار السيناريو اليوغسلافي، كلما كان هناك تجمع بشري مُعارض، يتهدده خطر مذبحة نوعية على غرار “سربرنيتشا”.

في الوقت الراهن، تتنازع ثلاثة سيناريوهات المشهد السوري، وتكاد تصبح شبه مستقرة، في الوقت نفسه. وقد تكون تلك مفارقة لم تحدث في بلدان عديدة حول العالم. ففي سورية نجد اليوم ملامح للـ “الشيشنة” و”الأيلولة القبرصية” ولتجربة “الألمانيتين” في الحرب الباردة. ملامح تظهر بوضوح في بقع متجاورة من سورية، في الوقت نفسه.

ففي مناطق سيطرة النظام، يعتقد متخصصون أن روسيا تطبق سيناريو عزيزًا على قلبها، ذلك الذي أحال “الشيشان” إلى بلدٍ خاضعٍ لسيطرتها، حتى الآن. ومن تلك التجربة، نُحت تعبير “الشيشنة” حيث تسيطر روسيا على البلد، من خلال أمراء حرب متحالفين معها، يدير التوازنات بينهم أميرُ حرب بارز. في حالة سورية، يبدو بشار الأسد أقوى “أمير حرب”. وهناك أمراء حرب أقل قوة منه. وبشار الأسد يقود التوازنات بينهم. بينما تعزز روسيا شراكتها مع هؤلاء الأمراء، وتبادل المصالح معهم، بما يخدم ديمومة نفوذها على الجغرافيا التي تمكنت من السيطرة عليها في سورية.

أما في إدلب وشمال حلب، فيبدو أن تجربة شمال قبرص، التركية، التي تعيش في حالة مستقرة منذ العام 1974، ماثلة للعيان. وهي تجربة يطلق عليها المتخصصون تعبير “الأيلولة القبرصية”. إذ يقرّ العالم بأكمله، فعليًا، بسيطرة تركيا على شمال قبرص، لكنه لا يقر بذلك رسميًا. وتبقى جزيرة قبرص، بأكملها، وحدة واحدة، في الأعراف الدولية الرسمية. لكنها، عمليًا، دولتان. ولا أحد يقوم بإجراء جدّي لتغيير ذلك. أي أن هناك اعترافًا ضمنيًا، دوليًا، بهذه الحقيقة القائمة على الأرض.

وما بين شرق الفرات، وباقي سورية، تلوح تجربة “الألمانيتين”. ويعتقد خبراء أن هذا السيناريو وارد في أذهان مسؤولين أميركيين. أي أن يعملوا على تطوير دولة في شرق الفرات، تنافس “سورية” الخاضعة لنظام الأسد، الذي يحظى برعاية روسية. التنافس بين دولتين سوريتين قد يكون في المستقبل تعبيرًا عن حرب باردة بين الروس والأميركيين. وقد يحمل أبعادًا اقتصادية، وثقافية، على غرار ما عاشته الألمانيتان خلال حقبة الحرب الباردة.

ربما هناك سيناريو سابع، لم يتحدث أحد عنه. حتى إنه لم يُنحت مصطلح مشتق منه. قد يجرؤ كاتب هذه السطور على فعل ذلك. لأن ملامح هذا السيناريو تظهر للعيان بوضوح، هذه الأيام. وقد تتوضح أكثر في القادم منها. إنه سيناريو “كوريا الشمالية”، الذي يمكن تسميته بـ “الكورنة”. دولة السلالة الوراثية، المعزولة والمتهالكة اقتصاديًا، التي تعتمد استراتيجيات لاستفزاز الغرب، على أمل التصالح معه، والحصول على ضمانات رسمية باستقرار الحكم فيها للسلالة الحاكمة.

وقد يُفاجأ المرء، بقدر التشابه بين تجربة المؤسس في كوريا الشمالية كيم إيل سونغ، وبين تجربة حافظ الأسد. بل يمكن أن نقول بكل أريحية إن حافظ الأسد استفاد من بعض دروس المؤسس في كوريا الشمالية، خاصة على صعيد تعزيز قبضة الحكم لصالح الفرد بدايةً. ولصالح السلالة الحاكمة لاحقًا. وقد تكون أبرز هذه الدروس التي اعتمدها حافظ الأسد، تقديس الحاكم، وتحويل أفكاره إلى أيديولوجية رسمية للدولة، تُردد ليل نهار على مسامع أفراد الشعب الذين يضطرون إلى إجلالها خشية غضب الأجهزة الأمنية. ومن الدروس الكورية التي أفاد منها الأسد الأب، تصفية المنافسين، وصولًا إلى دائرة العائلة ذاتها. فمؤسس كوريا الشمالية تخلص من شقيقه الأصغر لصالح توريث ابنه. وهي تجربة استنسخها حافظ الأسد لاحقًا، وطبقها مع شقيقه رفعت، وإن بتكتيكات تخلو من الدموية.

ملامح “الكورنة” تظهر بشدة في “سوريا الأسد” اليوم؛ حيث إن بشار، يكرر تجربة خليفة مؤسس كوريا الشمالية وابنه، كيم جونغ إيل، في التأسيس لاستراتيجيات تقوم على الخلط بين مغازلة الغرب واستفزازه في الوقت نفسه. وتلك الاستراتيجيات هي نتاج رفض الغرب، حتى الآن، لحالة تطبيع كاملة، تقرّ بحكم سلالة آل الأسد لسورية. وهي نفس الإشكالية التي تواجهها سلالة “كيم” في كوريا الشمالية، التي دفعت ثاني حكامها، كيم جونغ إيل، إلى تفعيل برنامج نووي سرّي، استهدف من خلاله تحدي الولايات المتحدة الأميركية، على أمل التفاوض معها، للوصول إلى حالة تطبيع، تؤمن استقرارًا كاملًا لسلالة الحكم في البلاد.

ونتيجة لاستراتيجيات ثاني حكام كوريا الشمالية؛ عاشت البلاد مجاعة غير مسبوقة، راح ضحيتها مئات الآلاف، في نهاية القرن العشرين، ودخلت في عزلة اقتصادية وسياسية مؤلمة، خلال العقد الماضي. لكن، ربما يرى بشار الأسد أن تلك الاستراتيجية تؤتي ثمارها، اليوم، في عهد الحفيد، الذي اقترب من تحقيق حلم أثير لوالده، وهو التطبيع الكامل مع الأميركيين، لمصلحة استقرار حكم سلالته.

في “سوريا الأسد”، يبدو أن بشار، الذي يراهن يومًا ما على توريث الحكم لابنه حافظ، حسب ما تُوحي البروباغندا الإعلامية الموالية، يبحث عن سبل استعادة الإقرار الغربي بحكم سلالته للبلاد، بصورة نهائية. وهو أمر لا يبدو أن الغرب مستعد للإقرار به رسميًا، حتى اللحظة، بسبب ثقل وطأة الجرائم التي ارتكبها الأسد خلال الصراع في سورية. وهكذا، قد تدخل سورية في حقبة من استفزاز الغرب، ومغازلته، في الوقت نفسه. حقبة قد تصل بالسوريين، إلى ما وصل إليه نظراؤهم من الكوريين الشماليين، من مجاعة وعزلة، بانتظار تحقيق حلم بشار في استعادة الاعتراف الغربي به، تمهيدًا لتوريث الحكم إلى الحفيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق