هموم ثقافية

رِبْحُ الخسارةِ 

من بين اثني عشر تلميذًا من أتباع المسيح ظلَّ “توما” -على امتداد نحو ألفي عام- رمزًا للريبة والتشكّك والقلق. وقد وُسِم بهذا لأنّه باح بمكنونات نفسه، وبما يُراوده، ويهجس به، من غير أن يكذب على نفسه، أو يتهرَّب من تساؤلاتها، أو يخاف عليها مما يعتمل فيها.

ربّما يكون القلق قد داخَل التلاميذ الآخرين كما داخَل “توما”، وربَّما يكون الشكُّ قد راودهم -على غراره- في ما إذا كان معلّمهم هذا هو السيد المسيح نفسه أم لا؛ غير أنّهم لم يبوحوا ولم يُفصحوا كما فعل توما، فنجوا من اتّخاذهم أمثلةً تُضرب على ضعيفي الإيمان، ومواعظ تُكرر على مسامع المُصلّين، جيلًا تلو جيل.

“توما” -وحده- صار مضرب الأمثال.

فيوم التقى التلاميذُ مع مُعلّمهم يسوع، لم يكن توما معهم. وحين أخبروه بلقائهم، قال قولته الشهيرة: “إِنْ لم أرَ أثرَ المسامير في يديه، وأضع إصبعي في موضع المسامير، وأضع يدي في جنبه؛ فلن أُؤمن”.

ربّما كان يؤمن حينذاك، غير أنّه لم يُرد أنْ ينكر شكَّه، ولا أنْ يتنكَّر لقلقه، ولا هو استطاع أن يتجاهل ما يشوب قلبَه، وما يتسرَّب -كمياه النهر الباردة- إلى أعماقه الدافئة. لم يرضَ أن يُكابر، ولا أن يُداري أو يتكتّم، ولا أن يكون ذا وجهيْن: أحدهما يُعلن التصديقَ الكامل، وثانيهما يضمر القلق والشكَّ والارتياب؛ فأفصح عمّا في ضميره.

وأحسب أنّه -قبل أنْ يجهر بما صيَّره مضرب المثل- عاش صراعًا داخليًّا مريرًا بين أن يتظاهرَ بالإيمان المطلق، وهو يُخفي ما يعتمل فيه ويُشوّش روحَه؛ وبين أن يُظْهِر قلقَه، مُتحمّلًا تبعات بوحه، التي أقلُّها أن يُوصف بالشكَّاك المُرتاب.

لصدقه مع نفسه، ورغم الثمن الباهظ، اختار الإفصاح. اختاره لمعرفته أنّه بشريٌّ، وأنّ الشكّ     -أو القلق على الأصحّ- آية البشر. آيتهم، مهما عاندوا، وكابروا، وأتقنوا التظاهر، وأمَّنوا بألسنتهم.

إخفاء توما لقلقه لم يكن يعني له امّحاءه وتبدّده. كان يُدرك أن هذا القلق -لو ظلَّ كامنًا- سيُعذّبه، ويقضّ مضجعَه، وينال من صفاء قلبه، كما الحال لدى البشر أجمعين. ولذا أصرَّ على أن يبوح ويجهر ليكون مثالًا وعِظَة للصادق وليس للشكَّاك. للصادق مع نفسه، والصادق مع معلّمه، والصادق في إيمانه؛ حتى ولو كان الثمن باهظًا، وهنا تكمن محنته الكبرى.

أكان يستطيع أن يفعل غير هذا، فيُنجي نفسَه من المحنة؟ بالطبع يستطيع. ولكنْ، كيف سيتدبّر   -بعدئذٍ- دمار روحه وخراب عالمه جرّاء القلق الملازم له كظلّه؟ إذ من قلب تظاهره بالتصديق سينبلج الشكُّ، وفي درب تبشيره سيتعثَّر بالاحتمالات، ومثل كرة الثلج سيتضخَّم ارتيابُه كلما حاول كبته وتأجيل الإفصاح عنه. وحينها، من حيث أراد المضيَّ خلف دعوة مُعلّمه، سيجد نفسَه متخلّفًا، يبتعد عنها وعنه، وينأى.

أليس القلق بمتعبٍ لنا أيضًا؟ أما من جزءٍ فينا يقول: نعم، وجزءٍ آخر يقول: لا، فنجد أنفسنا منشطرين إلى نصفَيْن، نتوه عن الشاطئ وعن المستقرّ؛ وحتى لو وجدنا برًّا نلوذ به، فإنّ القلق سيُرافقنا، ويُشوّش علينا الرؤيا، كما فعل بتوما؟

والآن، أمِنَ المصادفة ذات الدلالة أنْ يكون اسم توما باللغة اليونانيّة “ذيذيمس”، وهو ما يعني بالعربيّة: التوءم؟ توءَم الشكّ واليقين، الاطمئنان والقلق، التسليم والتساؤل؛ فيُشبهنا كثيرًا ونُشبهه كثيرًا، مع فارقِ أنه باح بقلقه وأفصح عن شكوكه، ساعيًا إلى ربح نفسه ولو خسر العالم كلّه، في حين نتكتّم ونضمر، لألف حساب لدينا وحساب، ليس بينها الحرص على عدم خسارة أرواحنا ونفوسنا، قبل أيّ “ربحٍ” كان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق