مقالات الرأي

الفشل والتفشيل في سورية

يُقال إن “الفشل لا يورّث إلا الفشل”، ولكن المشاريع الفاشلة في سورية أورثت نظامًا قمعيًا، حاول طوال سني حكمه تدميرَ تاريخ سورية وحاضرها، ويحاول بكل جهده مصادرة مستقبلها لمصلحة محتليها الجدد.

عرف التاريخ الحديث لسورية العديد من المشاريع الفاشلة والمُفشّلة التي ابتُليت فيها، وأدّت إلى تراكم الوحشية التي رأيناها ونراها تتفجر بأبشع صورها، في حرب نظام بشار الأسد على الشعب السوري وثورته.

بدأت المشاريع المُفشّلة في سورية، منذ ولادة الجمهورية السورية المستقلة عام 1946، مع الرئيس السوري الأول شكري القوتلي، وهو من الشخصيات السورية التي نالت عن استحقاق إجماعًا وطنيًا سوريًا، وقد منع حزب البعث إقامة جنازة رسمية للرئيس القوتلي في دمشق، حين توفي في بيروت 30 حزيران/ يونيو 1967، بسبب شعبيته الكبيرة.

كانت الجمهورية الوليدة تحمل وعودًا وآمالًا عريضة، تستند بحق إلى عوامل مشروعة لبناء دولة قوية ومزدهرة، وظهر ذلك من خلال التوجه الحثيث للحكومة والمجتمع نحو الإصلاح الاقتصادي والسياسي، والولاء الوطني للسوريين تجاه دولتهم الوليدة.

وبالرغم من إعلان قيام “دولة إسرائيل” في فلسطين، وما مثّله ذلك من تحد كبير لسورية بعد أقل من عامين على الاستقلال، فإن السوريين خاضوا حرب 1948 التي انتهت بهزيمة مرّة للجيوش العربية، ولم يتأثر الوضع السياسي الداخلي في سورية كثيرًا بذلك، ولم تظهر دعوات تخوين أو محاولات لإلقاء اللوم على القوتلي وحكومته، في دليل آخر على طبيعة العلاقة التي كانت بين السوريين وحكومتهم. لكن كل ذلك سينتهي مع انقلاب حسني الزعيم.

انقلاب الزعيم، وما تلاه، مهّد لإضعاف الحياة السياسية في سورية، حيث توجهت الأحزاب التي ظهرت في تلك المرحلة إلى البحث عن تحالفات لها مع العسكر، وبطبيعة الحال كان “حزب البعث العربي الاشتراكي” من السباقين لإقامة هذه التحالفات، وتنسيب الضباط والجنود في صفوفه، إضافة إلى توجيه أعضائه للانتساب إلى الجيش، وهذا ما يفسّر وصوله إلى الحكم في سورية، عن طريق انقلاب عسكري في 8 آذار/ مارس 1963، ومن ثم تم حلّ الصراع بين أجنحته على السلطة بقوة الجيش أيضًا، وأصبح منظر الدبابات في شوارع دمشق عاديًا، وتعرّف السوريون مع هذا الحزب إلى مناظر وروايات القتل والدماء، فالبعث افتتح الاغتيال السياسي والقتل العشوائي منذ وصوله إلى السلطة، بينما كانت الفترة التي سبقت انقلابه في آذار، ومن ضمنها الانقلابات العسكرية، بيضاء بمعظمها، وتكاد تكون خالية من القتل.

تفشيل مشروع الجمهورية الأولى قاد سورية إلى دوامة الانقلابات، وقاد أحزابها السياسية إلى جو المؤامرات والتحالفات مع الدول الخارجية، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى وصول حزب فاشي كالبعث إلى السلطة.

العسكر الذين حكموا سورية قبل البعث فشلوا حتى في إقامة مشروع حكم عسكري حقيقي، مثل بعض الدول التي تشابهت ظروفها مع سورية، ولعل مردّ ذلك إلى التردد الواضح بين الحكم العسكري والبرلماني. ذلك التردد، الذي لو استمر لأدى بالنهاية إلى إقامة نوع من الحكم الديمقراطي في سورية، كالتجربة التركية والإسبانية وكثير من دول أميركا الجنوبية.

ولكن، من جديد، غيّر وصول البعث المسارَ نحو الدكتاتورية بأسوأ أوجهها، مع وصول حافظ الأسد إلى كرسي السلطة، حيث لا يمكن بأي حال منحها أي صفة لها علاقة بالانتماء الوطني أو بمشروع بناء دولة، ويعتبر لقب المافيوية هو الأكثر تعبيرًا عن فترة حكم الأسد الأب والابن لسورية.

انقلاب البعث في 1963 لم ينهِ فقط مشروع الجمهورية، بل أدى أيضًا إلى ضرب كل المكتسبات السياسية والاقتصادية والعسكرية، حيث إنه حارب الأحزاب وطارد المعارضين، ومنع الصحف والمجلات، ومارس رقابته على السينما والتلفزيون، وتسبب في هزيمة حزيران/ يونيو المرّة، حيث قام حافظ الأسد (وزير الدفاع وقتذاك) بإقالة ضباط الجيش من غير البعثيين، واستهدفت حملة الإقالات والاعتقال حينذاك القوميين بشكل أساسي، وكل من يُشك في ولائه للبعث، ليتم إفراغ الجيش بشكل مفزع، وهو ما ذكره أيضًا باتريك سيل في كتابه (الأسد والصراع على الشرق الأوسط)، من دون أن يشير بشكل واضح إلى أن هذه التسريحات وإلقاء مئات الضباط في السجون، وحملة الترفيعات لترقيع الفراغات الكبيرة في بنية الجيش السوري، كانت أحد أسباب هزيمة حزيران 1967، إضافة طبعًا إلى دور البعث ووزير دفاعه، وتسليم الجولان مقابل الحفاظ على حكمهم، وهو ما اعترف به البعث نفسه، بكل وضوح، عبر إطلاق شعارات فوزه عبر بقائه على سدة الحكم، وتفوقه على “المخطط الإمبريالي والاستعماري” بالقضاء على حكمه.

ومن المشاريع الفاشلة التي أدت إلى وصول الأسد للسلطة كانت الوحدة مع مصر، الوحدة التي بدلًا من أن تكون تجربة رائدة تجتذب الحالمين بالوحدة العربية، تحوّلت إلى مشروع فاشل بامتياز، كان من أبرز ما خلفه الخرابُ الاقتصادي بسبب خرافة التأميم، والوجه الجديد المرعب للاستخبارات العسكرية، التي ستكون ذراع البعث والأسد لاحقًا في أشد فترات سورية سوادًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق