تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

خريف بوتين

هل يتحول خريف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد أن فشل في تحويل التفوق العسكري الذي أحرزه نتيجة القوة الوحشية المستخدمة على الأرض السورية، حيث أزهق أرواح مئات الآلاف من السوريين، إلى نتائج سياسية تصبّ في مصلحته؟!

ما يجعل هذا التساؤل جديرًا بالطرح هو طريقة التعاطي الدولي مع الملف السوري، خاصة الدول التي باتت تؤرق بوتين، وعلى رأسها أميركا التي بدأت تمتلك ديناميكيات جديدة، وتتحرك وفق برغماتية فائقة، تدفع إلى عودة الدفء التدريجي بين الأميركيين والأتراك؛ ما يولّد انزعاجًا روسيًا عكسته خروقات إيرانية لاتفاق سوتشي، ما كانت لتتم، لولا ضوء أخضر روسي واضح.

اتفاق سوتشي ساحة المناورة

خروقات اتفاق إدلب أحد مظاهر مناورة بوتين، وقد تسارعت وتيرة هذه الخروقات التي يرتكبها النظام السوري حتى بلغت الذروة في عملية ريف حماة في الزلاقيات، التي راح ضحيتها 23 عنصرًا من عناصر (جيش العزة)، وقد دشنت هذه العملية رغبة موسكو في المناورة من جديد، إذ سبقها بيوم واحد تصريح لماريا زاخروفا تقول فيه “إن المنطقة العازلة متعثرة”.

ثمة ثلاثة تفسيرات لهذه العملية كلّها تصب في جعبة المناورة الروسية: الأول تنبيه خشن للأتراك، لأنهم يتجهون نحو أميركا، والثاني شعور إيران فعلًا بثقل الوقت والثمن الباهظ الذي دفعته في سورية ولم تستطيع المحافظة عليه نهائيًا، فأرادت التشويش والقول إنها قادرة على إزعاج الكبار، والثالث أن النظام الذي فقد -فعلًا لا قولًا- أيَّ تأثير، أراد الظهور بمظهر الفاعل، وهذا الاحتمال -على وجاهته- يظل بعيدًا من أن يكون أكثر من سبب افتراضي؛ ما يرجح الاحتمالين الأول والثاني معًا.

فريق الصقور الأميركي بدأ العمل

يشعر بوتين بأن هناك إيقاعًا جديدًا لا يتناغم مع ما تعوّد على سماعه من قبل، فالتصريحات الأميركية أصبحت متواترة من جميس جيفري، الذي يُقال إنه جاء ليُصلح علاقات أميركا مع تركيا، وقد أوضح خطة الولايات المتحدة، وعزف على نغمةٍ أربكت الروس، فهو لم يقل برحيل الأسد، لكنه وضع شروطًا منضبطة لشكل الحكومة والحكم القادمين في سورية، وبطبيعة الحال لا تتوافق تلك الشروط مع نهج النظام أو رغباته أو مخطط روسيا التي تطمح إلى الإمساك بسورية وجعلها شيشان ثانية.

من ناحية أخرى، هناك جون بولتون، الذي حلّ ضيفًا على روسيا، وعلى الرغم من أن العادة جرت أن لا يكون هناك لقاءات على مستوى عالٍ معه، إلا في حال بلوغ المباحثات مرحلة متقدمة، فإن الرجل الحديدي حلّ ضيفًا على بوتين شخصيًا، وسبق هذا القمة الرباعية التي انعقدت مؤخرًا في إسطنبول وضمّت زعماء ألمانيا وفرنسا مع تركيا وروسيا. ومن تصريح بوتين في نهاية القمة، يبدو أنه فشل في تسويق إيران كلاعب، كما فعل في فيينا وبعد ذلك أستانا، فبعد أن كانت إيران على الطاولة تُفاوض؛ أصبحت تتلقى التعليمات أو التقارير عن القمم والاجتماعات.

في السياق نفسه، هناك مايك بومبيو، الرجل الذي يمتلك عقلية الاستخبارات المركزية الأميركية ويُدير دفة الدبلوماسية هناك، يُصرح بأنه يريد عزل إيران نهائيًا، ويعمل على ذلك، وإذا جمعنا كل ما سبق إلى العقوبات الأقسى على إيران، والارتباك الحقيقي في المحيط الدولي بين تصريحات رافضة شكلًا للعقوبات ومستجيبة مضمونًا لها؛ فإننا نرى أن المشهد  بات أكثر تعقيدًا على بوتين من ذي قبل، ويتطلب منه تعاطيًا مختلفًا تمامًا ومقاربات جديدة، إذ إن المقاربات القديمة كانت تقول إن الروس هم من يوزع الأدوار في سورية، وهم بطبيعة الحال لم -ولن- يرضوا بتقديم تنازلات للغرب، لكن بوتين الآن، في ظل هذه المتغيرات، سيجد نفسه مضطرًا إلى تقديم مقاربة جديدة تعتمد وتلحظ المستجدات، وتأخذ بعين الاعتبار أن لا دعم لإعادة الإعمار دون انتقال سياسي حقيقي، ولا عودة للاجئين دون بيئة آمنة، والنظام لا يتمتع بهذه الصفة، وهو مأزق بوتين الذي يضيق عليه يومًا بعد يوم.

خريف بوتين بدأ، وبدأت موسكو معه المناورات الضيقة التي لن تتطور باتجاه سياسة شاملة تُعيد الخيوط إلى يديها، لأن سياستها اعتمدت استخدام فائض القوة فقط، ومن الصعب أن يستمر الروس في هذه السياسة وحدها، أو عليهم أن يغامروا بعملية عسكرية قد تفقدهم كل شيء.

طبول الحرب شرق الفرات

أعلنت أنقرة عزمها البدء في عملية عسكرية “تُطهّر” من خلالها شرق الفرات، من “الإرهاب”، والعملية المزمع البدء بها لن تكون عاملًا مُزعجًا لتوتير العلاقات الأميركية – التركية، بل ستكون -إن تمت- بمباركة أميركية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن تل أبيض وعين العرب تُداران من قبل قيادات (قنديلية) إيرانية – كردية، وبناء عليه فإن الأميركيين سيستكملون بالعملية التركية الطوق الحديدي ضد إيران، والتوصيف الذي استعمله بومبيو “خنق إيران” هو الأنسب للتعبير عن رؤية أميركا، وهذا بالطبع سيُزعج روسيا.

تُناور موسكو الآن على عدة ساحات، منها اتفاق سوتشي، علَّها تخرج بضغط يوقف اندفاع تركيا باتجاه الأميركيين، ولعله يفلح في خلط أوراق جديدة بالاختباء وراء ذريعة أن “المنطقة العازلة لا تسير بشكل جديد وهي متعثرة” (ماريا زاخروفا)، وأيضًا تُناور سياسيًا على ساحة “اللجنة الدستورية” التي يضغطون من أجل إنفاذها بشروطهم، بينا يشدد الأميركيون على ضرورة تنفيذها بشروط الأمم المتحدة، وليس كخطوة تجميلية لإعادة تعويم النظام، وبروز المبعوث الأممي الجديد غير بيدرسون أحد مهندسي اتفاق أوسلو، ثم التمديد لدي ميستورا شهرًا آخر، يُعطينا كم الضغط الذي تقع تحته موسكو ومساحات المناورة القليلة.

لم تعد تملك موسكو الكثير من خيوط اللعبة، بعد أن بدأت تتفرق الخيوط بعيدًا عن يديها، وتعثّر أخطر ملفات تدخّلها، ملف إعادة الإعمار واللاجئين، يمكن ترجمته إلى خريف لبوتين، الذي يبذل قصارى جهده لإمساك الماء الذي يتسرب من بين يديه رويدًا رويدًا، فهل سنشهد فعلًا “ربيع ترامب”؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق