تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“الميليشيات الرديفة”.. منظومة عسكرية هجينة تهدد جسد النظام العسكري

ظهر مصطلح “الميليشيات الرديفة” للنظام، بعد مدة وجيزة من انطلاق الثورة السورية، نتيجة استراتيجية البقاء التي انتهجها النظام، وذهبت أبعد من إلحاق الهزيمة العسكرية بالمعارضة، لتشتمل أيضًا على إنشاء شبكة من الأشخاص التابعين للنظام، من أجل تعطيل الخصوم الداخليين، والتعويض عن الشوائب لدى حكومة النظام، ومنع انهيار قواته العسكرية.

ذكر بحث أصدره (مركز كارنيغي للشرق الأوسط) بعنوان (الميليشيات المسببة للمتاعب في سورية) أن “النظام وحلفاءه الإيرانيين والروس اعتمدوا بقوّة على إنشاء شبكات غير رسمية، من الميليشيات المحلية والأجنبية، لتعزيز مواقعهم في مختلف أنحاء البلاد”. ووصف البحث أسلوب النظام في دمج هذه الميليشيات المحلية في هيكلياته الرسمية، بالبدائي؛ وأنه أسفر عن هيكلية عسكرية هجينة تداخلت فيها القوات النظامية وغير النظامية، في أحيان كثيرة.

واستعرض البحث نموذجين لميليشيات هجينة صنعها النظام، هما (درع القلمون) و (درع الساحل)، حيث تأسّست هاتان المجموعتان في العامَين 2014 و2015 على التوالي، وأُخضِعتا لسلطة (الحرس الجمهوري)، مع الإشارة إلى أن (درع الساحل) حصل في البداية على تمويل إيراني.

قام (الحرس الجمهوري) الذي تأسس في سبعينيات القرن الماضي، ومهمته حماية النظام، بنشر عناصر من (درع الساحل) و (درع القلمون) في دير الزور شرقًا وحلب شمالًا، لمساعدة النظام في محاربة فصائل المعارضة التي كانت تتقدم في هاتين المنطقتين. وفي نهاية المطاف، تمّ دمجهم في اللواء 104 التابع للحرس الجمهوري، الذي كان يتضمن أيضًا عناصر من القبائل المحلية التي كانت متحالفة مع النظام في دير الزور.

وفي حلب، بعد أن بسط النظام سيطرته على المدينة، في كانون الأول/ ديسمبر 2016، وأجبر المدنيين على النزوح من بيوتهم؛ أنشأ النظام (الفرقة 30) التابعة للحرس الجمهوري التي انضوت في صفوفها جميع الميليشيات المحلية في المنطقة. وعلى الرغم من أن هذه المجموعات استمرت في العمل بطريقة مستقلة إلى حد ما، فقد تم استيعابها في إطار مؤسسات الدولة الرسمية.

وبحسب البحث المذكور، لن يقتصر دور القادة شبه العسكريين في “الميليشيات الرديفة” على مرحلة النزاع فقط، بل سيكون لهم دور أساس بعد انتهائه، بسبب اكتساب هؤلاء القادة نفوذًا واسعًا؛ ما يعني أن النظام لن يتمكّن من تسريحهم، إذا أراد ذلك، من دون أن يُقحم نفسه في موقعٍ هش؛ إذ لن يؤدّي تسريح الميليشيات إلى ظهور أعداء نافذين وحسب، إنما يمكن أن يتسبب أيضًا في اندلاع نزاع، بين هذه الميليشيات وقوات النظام.

في سياق النزاع الداخلي، أكدت مواقع إعلامية موالية للنظام، في الخامس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نشوب نزاعٍ بين “ميليشيا آل بري”، وبين عناصر من ميليشيا “كتائب البعث” الذين يقيمون في أحياء الصاخور ومساكن هنانو والشيخ خضر والحيدرية، التي سيطرت عليها ميليشيات النظام نهاية العام 2016، بعد إخراج المعارضة المسلحة منها، وقد أدى النزاع إلى وقوع جرحى من الطرفين.

وقبل هذه الحادثة بأقل من شهر، تسبب اشتباك وقع بين عناصر الأمن الجنائي التابع للنظام، وعناصر من ميليشيا “الدفاع الوطني” في حي باب الفرج بحلب، في مقتل رائد في فرع الأمن، على خلفية منع عناصر الميليشيا اعتقال أحدهم.

يرى الكاتب الصحفي السوري عبد الناصر العايد أن دمج النظام لهذه الميليشيات في جسده العسكري، هو مراكمة لمشكلاته المتفاقمة في هذا القطاع، وأضاف في حديث إلى (جيرون) أن “هذه الميليشيات الرديفة تتسم بثلاث سمات خطيرة: أولها الفوضوية، فهي جماعات نشأت خلال الحرب، لذا هي غير منضبطة وغير مدربة، وليس لها تراتبية ولا هيكلية، وتعتمد على زعامات محلية”.

يتابع العايد: “السمة الثانية هي الانتهازية، حيث إن تشكيلها اعتمد على المكاسب التي تحققها، من جراء الأعمال العسكرية العنيفة التي تقوم بها، وبالتالي هي جماعات لها كثير من المشكلات، وسوف تدخل في صراعات مستقبلية مع النظام، لأن ولاءها يرتبط بالمكاسب”.

أما السمة الثالثة لهذه الميليشيات -وهي الأخطر من وجهة نظر العايد- فهي أن “هذه الميليشيات عبارة عن قوة محلية، وهي الأعرف والأقدر على السيطرة العسكرية في أماكن تواجدها، وإذا قرر النظام التخلي عنها؛ فسوف تقوم بخلق كمّ كبير من المشكلات التي سيعجز النظام عن مواجهتها، وبالتالي ستجعله في حالة عدم استقرار دائمة”.

يشير البحث الصادر عن (كارنيغي) إلى أنه من أجل أن يكون مجهود نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج فاعلًا، بما يؤدّي إلى الحيلولة دون استمرار النزاع، يجب أن يستند إلى إدراكٍ جيد للحدود القابلة للاختراق التي تفصل بين القوات النظامية وغير النظامية في سورية.

ونظرًا إلى الطريقة التي بدأ بها النظام السوري دمج الميليشيات في قواته النظامية، فإن من غير المرجّح أن يكون للأمم المتحدة، أو لدول أخرى، رأيٌ وازن، أو أي رأي على الإطلاق، في تنفيذ عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وفقًا لشروطها الخاصة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق