تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“نووي إيران” وتغيّر فسيفساء المصالح

على الرغم من ثبات النهج العام للسياسة الأميركية، في ما يتعلق بتعاطيها مع عموم الملفات السياسية والاقتصادية في العالم، وتدخلاتها في بؤر التوتر على امتداد المعمورة، فإن شخصية الرئيس وطريقته في الإدارة تفرض نفسها وتتباين من زعيم لآخر. هذا، مع الأخذ بالحسبان أن مؤسسات الدولة ذات الصلة لها كلمتها وحضورها في مختلف الملفات. يبدو هذا جليًا مع تولي دونالد ترامب زمام الأمور في البيت الأبيض، وإدارته دفة الحكم بأسلوب مغاير لسلفه أوباما؛ إذ أعلن الأول انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، بالحماس ذاته الذي أبداه الثاني لإبرام الاتفاق معها بالشراكة مع الأوروبيين.

ترامب ذو العقلية الاقتصادية، الذي أبرم صفقات كبرى مع دول المنطقة المناهضة لإيران وسياساتها التوسعية، ينوي تقليم أظفار ملالي طهران التي ازدادت حدة، وقد استشرى نفوذهم وتمددت أذرعهم إبان فترتي حكم أوباما على وجه الخصوص؛ فانسلخ من الاتفاق النووي، وشرع بفرض عقوبات صارمة على نظام طهران بلغت حد طائرة الرئاسة. يأتي ذلك في الوقت الذي كثفت فيه “إسرائيل” ضرباتها الموجعة لأماكن تواجد القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها في سورية، إلى درجة استخدام قنابل نووية تكتيكية، وتود الإدارة الأميركية أن تقول لإيران: “كفى”. بعد أن تحقق الهدف المنشود المتمثل بتدمير العراق وسورية وإعادة البلاد إلى الوراء عشرات السنين، وتحققت المصلحة من تمدد إيران خلال الفترة المنصرمة.

من منظار المصالح نفسه، وإن من زاوية مختلفة، تميل دول الاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على هذا الاتفاق وإطالة عمره، وأبدت تمسكها به، وإن بدرجات متفاوتة، وعيونها ترنو إلى الفوائد التي ستجنيها من الاستثمارات والعقود مع إيران، فهي لن تُفرّط بكل هذه المصالح، بعد إنجاز الاتفاق الذي طال الوقت حتى تمّ.

هنا ستكشف الأيام القادمة مدى قوة التحالف الأوروبي – الأميركي، تبعًا لحسابات المنفعة واعتبارات الربح والخسارة، خصوصًا بعد تشاؤم وزير الخارجية الإيراني، بعد ما أحس بهشاشة الموقف الأوروبي الذي لم يبدِ صلابة كافية تبعث الطمأنينة في نفوس الإيرانيين، بأن الاتفاق ستكتب له الحياة بالعمر الذي تم الاتفاق عليه، وأنه ليس مجرد “عقد استمتاع”!

من جهة ثانية، فإن روسيا والصين تُعارضان نقض الاتفاق لمصالح اقتصادية، تعززها مصالح سياسية عضوية لا يمكن تجاهلها، فهل سيعمل الملف النووي على تقريب روسيا خطوة نحو أوروبا، ويزيد هامش القواسم المشتركة في هذا الشأن؟ ربما جاءت زيارة بوتين إلى فرنسا مؤخرًا في هذا السياق.

وبالنظر إلى فسيفساء المصالح المتداخلة في المنطقة، وتحديدًا في ضوء الأزمة السورية ومساهمة إيران فيها؛ لا يمكن فهم التقاء المصالح وتضاربها بين الفرقاء إلا من خلال تفكيك عناصرها إلى بنى صغيرة، يزيد اجتماعها وتفرقها تبعًا لمبدأ القواسم المشتركة. يأتي كل هذا في إطار الحديث عن مصالح القوى العالمية الكبرى، أما على مستوى الإقليم، فإن دول المنطقة منقسمة بدورها تبعًا لمصلحة كل دولة على حدة، على نحو نسبي.

فتركيا، مثلًا، لا تريد افتعال مزيد من الأزمات في الشرق الأوسط، حيث إن حدودها الجنوبية تغلي، ووضعها الداخلي يواجه استحقاقات مهمة لا تقلّ تحديًا عما يجري حولها، وتعمل جاهدة لتحصين جبهتها الداخلية التي لا تفتأ تتعرض لهزات تكاد تطيح أساساتها، وعلى ذلك؛ فإنها تؤثر استمرار الاتفاق على ما هو عليه، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. هذا في الوقت الذي لا تخفي فيه تركيا رغبتها في تراجع النفوذ الإيراني في دول المنطقة وانكفائها إلى داخل حدودها.

فيما تظهر المملكة العربية السعودية كأقوى ند للتغلغل الإيراني، والأشد رغبة في تقهقر السطوة الإيرانية وعودتها إلى حجمها الطبيعي، وقطع أذرعها الأخطبوطية التي عاثت فسادًا في المجتمعات العربية في العراق وسورية ولبنان واليمن، وباتت تتحكم في قرار هذه الدول، وأما باقي الدول فتحاول إمساك العصا من المنتصف، وإن كانت في النهاية تبدو ميالة إلى الموقف الأميركي، طوعًا أو كرهًا.

ما يظهر هو أن إيران سوف تستمر في انتهاجها سياسة الصبر والنفس الطويل، ولن تتنازل، من أول صفعة تتلقاها، عن مصالح أمضت عقودًا تعمل على تحقيقها، فعدة صفعات سيتم تحملها على سبيل “اللطم”، في ظل حقيقة مؤسفة هي أن الغرب لن يعمل على القضاء على نظام الملالي هذا، طالما أنه يساعد في نهاية المطاف في تحقيق مصالحه، بشكل مباشر أو غير مباشر، ولن يكفي إجبار إيران على تغيير سلوكها لتغيير وجه المنطقة حتى يتم اقتلاعه من جذوره، ولن يتحقق ذلك إلا بانهيار النظام وتآكله من الداخل، وما ذلك بأمر مستبعد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق