هموم ثقافية

الكتابة ولعنة مانوليتي

تصف مارغريت آتوود الكتابة بأنها “تلك المهمة المشؤومة، يُستدعى إليها الكثيرون، ولكن قلة هم المصطفون، ومن بينِ تلك القلة يستشهدُ البعض”.

في هذه العبارة للكاتبة الكندية مارجريت آتوود، تتمثل رحلة الكتابة محفوفة بالمخاطر، فهي تتطلب ممّن يُمارسها الصلابة والاستمرار؛ والتغلبَ على الشكوك وعلى العقبات الداخلية والخارجية. وفي هذه الرحلة، لنيل الاعتراف والنجاح، يفقد الكاتب الكثير من روحه.

لقد كانت الحضارات القديمة على وعي بأهمية وخطورة مهنة الكتابة، حيث كان الشاعر يجهر بقصيدته واقفًا، بينما باقي الناس يستلقون على الأرض؛ حتى إذا أعجبتهم القصيدة انسحبوا برهبة مقدسة، دون أن يجرؤوا على النظر في وجهه. وابتداءً من هذه اللحظة يحق لأي شخص أن يقتله.

إنّ رمزيّة هذه الحكاية على بساطتها تشير إلى “القداسة والرهبة والدماء” التي تترتب على قوله للحقيقة، وعليه أن يستعد ليكون محارِبًا، ومُحارَبًا (مصارع ثيران على حد تعبير ميشال ليريس).

بعد حصوله على نوبل؛ اعتقد الروائي الروسي أرنست همنغواي أن كل من يفوز بهذه الجائزة يصبح عاجزًا عن كتابة شيء ذي قيمة، ووقع رهينة لاكتئاب شديد جعله يعتقد أنه ملاحق من (الأف- بي- آي)، إلى أن غافل طبيبَه وانتحر. ولم يغفر لنفسه مبدع (الشيخ والبحر) الذي قال يومًا أنه لن يستسلم، ووضع حدًا لحياته برصاصة من بندقية صيد.

الشاعر المجري أتيلا يوجف 1905-1937 ألقى بنفسه تحت عجلات القطار، منهيًا حياته بطريقة مؤثِّرة مُخلِصًا لعبارته: “لا مكان لي بين الأحياء”.

الشاعر الروماني غيرا سيم لوكا انتحر في نهر السين بباريس، في شباط 1994، أما الشاعر الإسباني غويتسولو، فقد قفز من شرفة منزله، بعدما وصف نفسه “بنثرة رماد حزينة“.

كما كانت العلاقة بين الروائي الإيرلندي أوسكار وايلد والورقة، صراعًا مستمرًا، فتوفي فقيرًا معدمًا بمنفاه الفرنسي، في فندق رخيص؛ وقد تناول في روايته لوحة الفتى دوريان التي ضَمّنها فلسفتهُ الجمالية والأخلاقية بعضًا من معاناة الكاتب والمبدع. فالرسام لا يهرم بينما تهرم لوحته، وتزداد قباحةً مع كل ذنب يرتكبه، إلى أن يشعر أنها مسؤولة عما آلَ إليه من يأس ورذيلة، عندها يوجه لها عدة طعنات، لكن طعناته للأسف كانت موجهة إلى نفسه؛ حيث يُعثرُ عليه في اليوم التالي ميتًا بجانبها.

التحدي الحقيقي للكاتب يبدأ بنجاح أحد أعماله، لكن النجاح ليس حليفًا يمكن الوثوق به، بل إنه -بحسب سيريل كونولي- أحد أكثر أعداء الأدب خداعًا وغدرًا. فالجمهور يطالبه بالمزيد من التضحية، ولا يرضيه إلاّ استشهاده؛ وهذا قد يبرر الاهتمام الممزوج بالذنب لدى سيلفيا بلاث بعد انتحارها، رغم أنها لم تحظ بالانتباه في حياتها، وهي التي وصفت الشعر بأنه “نافورة تتدفق بالدماء، لا سبيل لإيقافها”.

كما تتعرض العلاقة بين الكاتب وجمهوره لرضٍ عنيف، فقد يتلاشى الانبهار، ويستحيل إلى غضب وعداء؛ إذا لم يحقق توقعاتهم؛ كما يحدث لنجوم الكرة الذين يخفقون في تسديد رميةٍ أو يعتذرون عن مواصلة اللعب.

قد يستشعر الكاتب في ذاته ميلًا للتوقف عن الكتابة، أو يعتقد بأنه قد قال كل ما لديه، فلا يرغب بكتابة أي جديد، وقد يكتب أعمالًا أقلّ جودة من عمل سابق كُتِبَ في لحظة استنارة، كما حدث للروائي يوسف زيدان بعد رواية (عزازيل)، وللروائي الجزائري واسيني الأعرج الذي وصفت أعماله الأخيرة بأنها “أحلام مراهقين” ولم تسلم مواطنته أحلام مستغانمي من سهام النقّاد، وانقلب عليها جمهورها الذي شغف بأعمالها الأولى.

الأمر ذاته حدث مع الكاتب والمسرحي الفرنسي، رائد مسرح اللامعقول يوجين يونسكو، 1909-1994، الذي كتب عمله الأخير تحت سطوة جمهوره وإلحاحهم الشديد، لكن هذا الجهد قوبل بالرفض من النقّاد! فقد وصفت سونتاغ كتاباته الأخيرة بأنها “غثاثة الغث”! أما سالنجر، بعد روايته (الحارس في حقل الشوفان)، فقد اعتزل الكتابة، وكذلك أمبرتو أيكو، فقد تحدث في أحد حواراته عن الضغط الشديد الذي تعرض له بعد روايته (اسم الوردة).

هذا عدا ما يتعرض له الكتّاب من صنوف الملاحقة من السلطات السياسية؛ كما حدث لـ سلمان رشدي وقصته الشهيرة. ونجيب محفوظ الذي تعرض لـ (طعنة في العنق) وهي أسوأ مراجعة لروايته (أولاد حارتنا).

فالكاتب الذي دخل الحلبة ملعون مرتين، مرةً لأنه عرّضة لعدم التصديق. وفي الوقت نفسه عليه أن يضحي كي يصدقه الجمهور، إنه أعزل ومن دون أي ضمانات، سيفعل ما يشاء ولكنه وحده من يتحمل العواقب. إنه أشبه “بالمصارع مانوليتي (مانويل رودريغيث)، وهو مصارع ثيران إسباني، أبدع في مصارعة نظيفة وجدية؛ وتلقى عدة طعنات غير قاتلة أمتعت الجمهور الذي يرقب بتحفز الحلبة الملوثة بالدماء، وحين حاول مساعدوه إخراجه، استشاط الجمهور غضبًا، مما اضطره إلى العودة إلى الحلبة؛ حيث مات بطعنة قاتلة.

حين صدرت رائعة خوان رولفو (بيدرو بارامو) 1955، بدأ الجمهور محاصرته، حتى انتزع منه وعدًا؛ بأنه سيصدر عملًا لاحقًا سيطلق عليه (سلسلة الجبال) لكن السنوات مرت، ورولفو صامت يرد في وجه من يسأله: أكتب حين تأتيني الموهبة؛ ما جعله عرضة لسخطهم ومقتهم، لكن فيليب روث بعد 50 عامًا من الكتابة، وبعد روايته (نيميسيز) التي كتبها 2010، ليقطع على جمهوره الطريق؛ حسم الأمر بكلمتين: لقد انتهيت. ربما أفضل ما توصف به مهنة الكتابة أنها مهنة الأشقياء، الذين اختاروا أكثر الدروب وعورة؛ وفي هذه الطريق يحسد الناجون منهم الموتى؛ فمن يرجع سالمًا، عليه أن يستعد لمصارعة حتى آخر رمق. تروي سونتاغ: في القصص الرومانسية حول الفنانين “أي شخص يتهور بقضاء فصل في الجحيم، فإنه يجازف بعدم عودته حيًا أو يرجع معطوبًا نفسيًا“.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق