تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اليسار حين يرى بمنظار ضبابي

بعد ثورات الربيع العربي؛ لم تظهر عورات اليسار العربي فحسب، بل ظهرت كذلك تناقضاته وتباينات اتجاهاته وعدم وضوح مواقفه، حيث يمكن أن نرى يسار اليسار ويمين اليسار. والمدقق المتأمل سيرى أنّ الجذر الثقافي اليساري المتأصل، عند نخب اليسار العربي عمومًا والسوري خصوصًا، يُظهر لنا كثيرًا من نقاط الالتقاء وقواسم الاشتراك بين كل نخب اليسار، على الرغم من انقسامه الظاهر بشأن قضايا الثورات والتغيير في العالم العربي.

في المسألة الإسرائيلية العربية؛ يصعب أن تُفرّق بين أي يساري سوري، نكص إلى طائفته وعشيرته مخالفًا أولى أبجديات اليسار، وأيّ يساري سوري، وجد في الثورة السورية روحه وحياته ومماته. اليساري الطائفي يرى في الغارات الإسرائيلية على مطارات النظام الإجرامية جريمةً عدوانيةً على السيادة السورية، ولا يرى في غارات الطائرات السورية، على كفر نبل ومعرة النعمان وخان شيخون وغوطة دمشق وجسر الشغور.. عدوانًا أثيمًا وحقيرًا على الشعب السوري. أما اليساري الثوري فلا يمكن -بأي حال- أن تراه مرحبًا بالغارات الإسرائيلية على مطارات النظام، وهو يعتبر تلك الغارات عدوانًا على أموال الشعب السوري ومطاراته، وهو إذ يقف مع ثورة الشعب السوري لآخر نفَس، فإنّه يندد بالهجمات الإسرائيلية حتى آخر نفس، ويعتبر أنّ فلسطين كانت وما تزال بوصلة النضال العربي، وتراه في الوقت نفسه يسخر من احتفاظ النظام بـ “حق الرد”، لاستبطانه شعورًا رغبويًا بوجوب الرد!

في المسألة الإسرائيلية و”مقاومة إسرائيل”، يصعب التفريق بين يساري عربي وقف ضد ثورات الربيع العربي، ويساري وقف إلى جانب هذه الثورات.

فلو أننا قمنا بأخذ عيّنات يسارية الأصل، شكّل اليسار المبدأ والمبتدأ الثقافي لها وجعلها تشترك في معارضتها للنظام ومقاومتها لـ “إسرائيل”؛ لوجدنا أنّ هذه العيّنات افترقت في الرؤية للثورة السورية، وبقيت وفية للقضية الفلسطينية، فالمثقف الكبير ياسين حاج صالح يُعدّ من أفضل الكتاب السوريين المناصرين للثورة السورية، وبقي كذلك وفيًا للقضية الفلسطينية، حيث إنه لا يجد أي فارق بين النظام السوري والنظام الإسرائيلي، فكلاهما “نظام إبادة” على حد تعبيره (مجلة الدراسات الفلسطينية عدد 116). والمثقف والمترجم السوري الكبير ثائر علي ديب نجده يأخذ موقفًا خاصًا، ويقدّم قراءة نقدية للثورة السورية وما آلت إليه، ولكنه بقي وفيًا للقضية الفلسطينية كذلك معاديًا للهيمنة الإمبريالية والصهيونية (راجع مقالات الكاتب في السفير).

في التحليل الطبقي وصراع الطبقات؛ يصعب على المثقف اليساري قراءة أي حدث أو ظاهرة، دون استحضار التحليل الطبقي وصراع الطبقات في تحليلاته ومقالاته؛ ما يجعله أسيرًا لمقولات ربما ليست الفاعل الرئيس في أحداث اليوم، ولا يمكن لنا نكران دور الفقر والحاجات في تحليل الظاهرة الاجتماعية، ولكن من الخطأ إرجاع كل الاحتجاجات والثورات إلى العامل المادي فقط، أو أن تكون الثورات صراعًا بين طبقات فحسب.

يقول الكاتب السوري اليساري عمار ديوب، في مقالته المعنونة (في الدينامية الثورية وضرورة إسقاط الأنظمة) في (العربي الجديد): “انطلقت الثورات العربية، بسبب السياسات الاقتصادية الليبرالية؛ فهذا الجديد الذي أوجد أزماتٍ اجتماعية كبيرة، وأجبر الناس على الثورات، وحتى في غياب أحزابٍ فاعلة، أو أية أشكال تنظيمية توحّدُ البشر. القمع قديم، لكنه أخضع البشر وأذلّهم ولم يُثوِّرهم، أمّا الأزمة الاقتصادية فهي المسبب الفعلي، القمع، في أتون الثورات وقبله، يُعدّ سببًا أيضًا للثورات، ولكن بالدرجة الثانية”.

ينطلق الكاتب من مقدمة حتمية -كما هي عادة الماركسيين مع حتمياتهم- من أنّ سياسات الأسد الليبرالية الاقتصادية هي السبب الأول للثورة السورية، ويأتي القمع ثانيًا، فهل كان الأمر كذلك؛ إذا ما بحثنا بموضوعية، وقرأنا المشهد السوري بعلمية وحيادية؟

يمكن لكل باحث سوري مُنصف أن يلحظ أنّ بداية انتكاسة المجتمع السوري ماديًا بدأت مع قمع الانتفاضة الإسلامية في الثمانينيات وصولًا إلى ذروة الفقر والحاجة وكارثة البطالة لغاية التسعينيات، استطاع الأسد الأب بعد المرسوم رقم 10 المتعلق بالاستثمار فتح المجال أمام القطاع الخاص؛ ما شكّل إنعاشًا إلى حد ما للمجتمع السوري، وصار السوري الذي يسافر على ظهر باصات (الهوب هوب) أو واقفًا على قدميه في الميكرو باص من مدينة إلى أخرى، يركب حافلات حديثة ومكيفة ما بين المدن السورية، فهل هذا الانفتاح الليبرالي المعادي للاشتراكية الثورية يعتبر خطرًا على المواطن السوري يومذاك!

مع قانون الاستثمار رقم 10 وتعديلاته، كسر النظام السوري أولى حلقات الستالينية الحديدية المتعلقة بالاقتصاد والمال، محافظًا على الحلقات الحديدية المتعلقة بالأمن والمخابرات، بما يمكن تسميته: افتح فمك لتأكل، لا لتتمرد وتصرخ وتنتقد!

كمثال بارز على كسر هذه الحلقة، بما يتعلق بالصناعات الثقيلة: قبل عام 1991 كان معمل ألمنيوم اللاذقية التابع للحكومة السورية يحتكر صناعة منجور الألمنيوم في سورية، ومع النهب والسلب والفساد في هذا المعمل، وإعطاء تراخيص لبناء معامل خاصة، جرى بناء مشاريع ضخمة لصناعة منجور الألمنيوم في دمشق عام 1994 (شركة مدار لسحب الألمنيوم جنوب دمشق، وشركة عوض عمورة شرقي دمشق)، وقامت هذه الشركات بتأمين آلاف فرص العمل للعاطلين من أبناء الريف السوري أو حملة الشهادات الفنية، الذين لم يكن لهم أي مورد من وظيفة حكومية، فهل يمكن اعتبار دعم رجال الأعمال وفتح الاستثمارات لتشغيل أموالهم مخالفًا لفلسفة الـ (أولديسارية) في مقابل مصطلح الـ (نيوليبرالية)؟

هناك عشرات المعامل في ريف دمشق وريف حلب التي تهيمن عليها طبقة رجال الأعمال الدمشقيين والحلبيين، الذين لا يرون بدًا من عقد تحالفات مع طبقة من رجال السلطة والأمن، كي تستمر أعمالهم، ولكن تبقى هذه المعامل الكبرى في سورية مفخرة للسوريين في الشرق، لكونها أثبتت قدرتها على تقديم منتج بمواصفات عالمية، سواء معامل الورق الهاشمية أو الطرابيشي أو مواد التنظيف أو المشروبات الغازية والأجهزة الكهربائية، كما في شركة (جود)، ومئات المعامل التي أنقذت مئات الآلاف من السوريين من جحيم الفقر والحاجة.

إنّ عبارات من قبيل (مستورين والحمد لله)، وبـ (100 ليرة سورية تستطيع تجهيز فطور جيد في سورية)، و(في سورية لا أحد يموت من الجوع)، المتداولة بين السوريين، تجعلنا، إذا ما تجردنا عن الحالة الانفعالية المحقة والكارهة لهذا النظام خصوصًا، نستطيع القول: إنّ سورية لم تكن بهذا السوء المعاشي والمادي الذي يتحدث به معارضو النظام اليوم، وإنّ السوء المركزي والمؤسس لكل هذا الخراب هو جور السلطة الأمنية، وكبح حرية السوريين ومصادرة حقهم في التعبير والسياسة والاجتماع.

العجيب أنّ التحليل اليساري يصرّ على أنّ الفقر والحاجة هما الدافع الوحيد والأول على ثورة السوريين، فإذا ما جرى الحديث عن العلويين؛ كان جوابهم هم أكثر السوريين فقرًا وحاجة! فمتى تحين ثورة العلويين المنتظرة، بحسب الفلسفة الماركسية؟!

مع وصول الأسد الابن إلى السلطة؛ لم يُضيّق على رجال الأعمال والمستثمرين، بل فتح لهم كل دعم، وكان لآل مخلوف حصة الأسد من هذا الانفتاح، وكثرت معاهد التعليم الخاصة، ولا يدل ذلك على فساد التعليم كما نظن حيث إنها لم تتغير بشكل جذري، بل يدلّ على أن المجتمع السوري انتعش إلى الحد الذي يرغب فيه الأب في تعليم أولاده ساعات إضافية، ليحظى بمقعد تعليمي في الجامعة، وكثرت مع سياسة الاقتصاد المفتوح شركات استيراد السيارات، وأصبحت القرية التي كان يُشار إلى عائلةٍ ما فيها باسم السيارة التي يملكونها (كناية عن ندرة السيارات)، تحوي عشرات السيارات ما بين زراعية أو خصوصية، وكانت على سبيل المثال سيارة (كيا ريو) متوسطة السعر السيارةَ الأكثر مبيعًا في سورية، كونها مقبولة السعر وجيدة الأداء، لا يمكن لأيّ باحث منصف إلاّ أن يقول إن أحوال السوريين الاقتصادية في عهد الأسد الصغير كانت أفضل من ذي قبل، على الرغم من تكدّس الثروة في طبقة معينة، ولكن هذا لا يُلغي إطلاقًا تأمين ملايين فرص العمل جراء هذا الانفتاح، ويبدو أن اليسار السوري لا يجعل من الفقر أيديولوجيا يعتاش عليها، بل يبدو ضعيفًا في الحساب والمعلومات، فهو يؤدلج العلاقة مع تركيا وانفتاح العلاقات بين الأسد وأنقرة، ويرى أنها كانت شؤمًا على الاقتصاد السوري!

من يتابع العلاقات المفتوحة بين دمشق وأنقرة؛ يُدرك أنّ السوريين استفادوا اقتصاديًا من هذه العلاقات، وليس كما يُسوّق اليسار الذي دومًا ما يُكرر في مثاله الأبرز: لقد توقفت مشاغل صناعة الموبيليا والخشب والأثاث المنزلي، بعد استيراد الموبيليا والأثاث التركي.

ينسى الكتّاب اليساريون المناصرون للطبقة الكادحة والفقيرة دومًا، أنّ ثمن تفصيل غرفة النوم السورية اليدوية كان يكلف الفرد المقبل على الزواج ما بين 200 ألف إلى 500 ألف ليرة سورية، بينما استطاع تجهيز أثاثه المنزلي المستورد من تركيا بسعر يراوح بين 30 ألف و100 ألف ليرة، وصار الشباب المقبل على الزواج يقصدون التجار السوريين الذين يستوردون الأثاث التركي، أو يجمعونه في ورشهم السابقة التي كانوا يفصلون فيها أغلى الأثاث.

أصبحت القطع الكهربائية التركية بديلة عن القطع الأوروبية الأغلى ثمنًا، أي أن العلاقات الاقتصادية السورية التركية لم تكن -بحال من الأحوال- عائقًا أمام مصلحة المواطن السوري، بل كانت عونًا له وأقل كلفة، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 2 مليار دولار لعام 2010، بعد أن كان متوقعًا وصوله إلى سبعة مليارات دولار في السنوات التالية.

لم يُحرّك السوريون فساد هذا النظام وطبقته الحاكمة مثلما حرّكهم شعورهم اليومي بالإذلال وتحكم المخابرات وأجهزتها، ولم يكن لدى أحد من السوريين مشكلة شخصية مع الأسد الوريث قبل 2011، بقدر ما هي مشكلتهم مع الأمن الخسيس، مع رجل المخابرات، مع الرقيب والحسيب.

لقد ترك شاب سوري وحيد لأهله عملَه الكبير في دبي، في آذار/ مارس 2011، ورجع إلى سورية، وهو يقول: “لقد جئت من دبي إلى ساحات الصليبة في اللاذقية؛ لأنني كنت أحلم بأن أصرخ بالحرية بلا خوف”، ليكون شهيدًا في يوم صراخه! وعشرات آلاف السوريين من أصحاب الدخل الجيد والممتاز أصبحوا في عداد القتلى تحت التعذيب، وما رمزية حمص وأهلها إلا جوهرانية الانفجار السوري وليست ماديته المحركة. لقد فجّر السوريون ثورتهم في 2011، لأنهم لم يكونوا يرون أنفسهم سوى عبيدٍ حانت ساعة تحررهم من فرعون وشيعته، ثورة قدّم السوريون فيها كل ما يملكون، من أجل استعادة حقهم بالحرية والحياة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق