تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

المنتدى الدولي للصحافة: مقتل الإعلاميين العرب لم يعد مجرد حكاية

الصحافة تكون ذات معنى فقط عندما تخدم المواطن

بعد رحلة طويلة، بدأت من مدينة ليل، ثم بواتية، وميتز، وتور الفرنسية، استقر المنتدى الدولي للصحافة، بنسخته الخريفية، في مدينة الثقافة بتونس العاصمة. البلد العربي الأول الذي أسس لموجة تغيير في المنطقة، وانتقل نظامه السياسي من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، بطريقة سلمية ناجحة.

ناقش المنتدى في جلسات مفتوحة (انتهت قبل يومين) شارك فيها أكثر من 500 إعلامي من جنسيات مختلفة، ثنائية الصحافة والمواطن (الصحافة تكون ذات معنى فقط عندما تخدم المواطن)، في عالم تواجه الصحافة فيه تحديات مقلقة، تؤثر تأثيرًا عميقًا في وصول المعلومة، وفي الحريات الأساسية، واستقلالية وسائل الإعلام، وسلامة الصحافيين.

تُمثل الشعبوية السياسية التي انتقدها المشاركون، سياسات تسلطية، فرَضت على أنقاض الربيع العربي واقعًا جديدًا، سجلت الحريات الصحافية فيه تراجعًا، بسبب قيود سياسية (كما في سورية) وقانونية (كما في مصر)، كبّلت الإعلام، وحظرت الحق في نشر المعلومات والأفكار. وعلى الرغم من أن الصحافة في المنطقة ككل تحكمها بشكل عام، ضمانات دستورية للحريات الأساسية، فإن الممارسة الإعلامية غالبًا ما كانت مقيدة تقييدًا تامًا، على نحو غير مبرر، يتناقض مع المعايير الدولية لحرية الفكر والتعبير.

عربيًا، بحسب هذه الرؤى، ما تزال الصحافة مهنة خطرة. فمصارحة السلطات بالحقيقة، وكتابة تحقيقات عن الفساد والجريمة، ومساءلة الحكومات، وإنتاج تقارير حول مسائل ذات حساسية لدى الأنظمة، غالبًا ما تحمل مخاطر الانتقام العنيف، والمضايقات، أو الاحتجاز التعسفي، أو القتل بشكل متعمد. ما يجري إذًا (ليس مجرد حكاية، تنتهي بمقتل صحافي، بل هو بيئة متعاظمة من الترهيب المنظم، وإن لم يُعاقب القتلة، فإنهم سيزدادون جرأة، وسيتكرر عنفهم).

حاول المنتدى، على وقع جريمة اغتيال الكاتب السعودي جمال خاشقجي، وغيره ممن سقط غدرًا بين عامي 2012/ 2018، وآخرين ما زالوا خلف قضبان السجون، تقريب وجهات النظر حول قضايا أساسية مهمة، تشغلهم جميعًا، مثل سلامتهم أثناء تنفيذ مهام في مناطق تهيمن عليها النزاعات، والحد من الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضدهم.

كان ثمة قلق عميق لدى أناس وجدوا أنفسهم في مرمى النار، وكان من الطبيعي أن يزداد الخوف ويهيمن على النفوس، في ظل تفكك منظومة الأمن الإنساني التي ينص مفهومها على حماية حق الفرد في نشر وتلقي الأنباء والأفكار، من أي نوع كانت، حتى تلك التي تحوي انتقادات للسلطات الحاكمة، ضمن إقليم شهد معدلات عالية من العنف ضد الصحافيين، تتضمن القتل والخطف والاحتجاز التعسفي والتعذيب.

شبّه المشاركون اغتيال خاشقجي، بجرائم القتل المتعمدة التي تتم على يد أنظمة مارقة، أو على يد إرهابيين، أو عصابات مافيا (يجب ألا تبقى من دون عقاب، كما يجب وقف الاعتقالات  التعسفية والتهديدات، التي لا تزال تزداد ضدهم، واستئناف التحقيقات في اختفائهم).

في الفترة بين عامي 2012/ 2017، وفق (يونسكو)، كانت هناك زيادة في المضايقات والعنف الموجهين نحو الصحافيين، مقارنة بالسنوات السابقة؛ إذ سجلت المنطقة العربية عمليات قتل مرتفعة جدًا، وأثبتت أنها الأفظع على المستوى العالمي. في الغالب، كان الصحافيون المحليون يلقون حتفهم، أثناء تغطيتهم للحرب، أو إعداد تقارير عن الفساد، وقد استهدفتهم القوات الحكومية والجماعات السياسية والميليشيات المسلحة، بشكل مباشر، لإسكات صوتهم.

عطّلَ تقييد الحريات ونشر المعلومات والانتفاع منها، في بلدان مثل سورية، مشاركةَ الإعلام المحلي في وضع المواطن أمام حقيقة المشهد السياسي، وخلفية الاحتجاجات السلمية ضد سلطة الأسد عام 2011. كما مُنع نشطاء حقوق الإنسان من توثيق الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن. وجرى تحليل الوضع وتقديمه للرأي العام الداخلي برواية أحادية كتبها النظام. فجميع وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، إما مملوكة للدولة، أو تنضوي تحت جناح النظام. أما الأجنبية، فقد أغلقت السلطات الحكومية مكاتبها، ولم تمنح غيرها تصاريح لنقل صورة الصراع السلمي -حينئذ- بحيادية واستقلال.

تُصنّف سورية بانتظام، على لائحة أكثر الدول فتكًا بالصحافيين. وقد حلت في المرتبة الأولى، من حيث عدد الإعلاميين الذين قُتلوا فيها خلال العقد الأخير من حكم الأسد. وقد امتنعت السلطات السورية، بحسب (يونسكو)، عن الإدلاء عام  2017بمعلومات قضائية تتعلق بسلامة الصحافيين، أو بالتحقيقات (إن كانت موجودة) بهذا الخصوص.

دعَم المشاركون في المنتدى مبادرةَ منظمة (مراسلون بلا حدود) التي تحث المجتمع الدولي على إقرار حرية التعبير كمصلحة عامة إنسانية. وطالبوا في بيانهم الختامي القادة السياسيين والمسؤولين وممثلي النقابات والجمعيات، بالدفاع عن حرية التعبير وحرية الصحافة في بلدانهم واعتبارها مصلحة عليا ومُهددة في الوقت نفسه.

بالنسبة إلى (يونسكو)، فإن حرية الصحافة، والحق في الانتفاع بالمعلومات، نتيجتان طبيعيتان للحق العام في حرية التعبير وحرية الرأي. وتشكل حرية الصحافة مقياسًا للحق الأشمل في حرية التعبير. وترى المنظمة أن لا حرية لوسائل الإعلام من غير أمان، ولا استقلال أو تعددية فيها، إذا عمل الصحافيون في خوف. وتشير مسائل السلامة بوجه خاص إلى مسؤولية الدولة في حماية حرية وسائل الإعلام، وكفالة عدم إفلات مرتكبي جرائم ضد العاملين فيها من العقاب.

على مدى ثلاثة أيام، كان ثمة إشارات مقلقة، لورشات المنتدى الـ 45، لعل أهمها ما يتعلق بهذه الظاهرة. وكان من الملاحظ أن الذين اجتمعوا -على اختلاف جنسياتهم- من أجل شراكة ثقافية وإعلامية، بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط، والتعاون مع منظماتها غير الحكومية، غلب على طروحاتهم الواقع وتحدياته، وقد أضافوا، إلى سجلات الفاجعة، أسماء زوجات وأطفال زملائهم القتلى، وأسماء أصدقاء لم تعد حیاتھم كما كانت في السابق، وأسماء زملاء في وسائل الإعلام، كان عليهم أن یقرروا في كل یوم: هل تستحق مھمتھم المخاطرة بحیاتھم، وحیاة الذین یحبونھم!

_____________________

  • تم تأسيس المنتدى الدولي للصحافة ومقره فرنسا من قبل (جيروم بوفييه) وفريق من جمعية الصحافة والمواطنة، في محاولة لتحديد شروط إنتاج معلومات إخبارية في القرن  21ذات جودة عالية. وقد نظم المنتدى دورته الأخيرة في تونس برعاية اتحاد الصحافة الفرانكفونية، منظمة مراسلون بلا حدود، الوكالة الفرنسية لتطوير الإعلام، الاتحاد الأوروبي، يونسكو، وكالة الصحافة الفرنسية، وغيرها.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق