تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ملامح الانفراج والتقارب التركي – الأميركي وتداعياته على الملف السوري

يلاحظ المتتبع للعلاقات الأميركية – التركية تفاوتًا وتأرجحًا كبيرين في هذه العلاقات، خاصة في المرحلة الأخيرة، وسط ترقب لما ستسفر عنه مواقف البلدين حول أهم ملف بينهما، وهو ملف القوات الكردية الموجودة في سورية، الذي أصبح ملفًا محوريًا بالنسبة إلى الطرفين.

سبّبَ الدعم الأميركي للمقاتلين الأكراد في سورية توترًا شديدًا في العلاقات بين البلدين الشريكين في حلف شمال الأطلسي، حيث عارضت أنقرة مرارًا الدعم الأميركي لتشكيلات كردية، باعتبارها تشكل تهديدًا لأمنها القومي، وخاضت عمليات عسكرية ضدها في سورية والعراق.

مؤشرات كثيرة أوحت بأن هناك تحسنًا سيلحق بالعلاقات الأميركية – التركية، على خلفية إفراج أنقرة في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن القس الأميركي أندرو برانسون، الذي احتجزته أنقرة على خلفية الانقلاب الفاشل عام 2016، إضافة إلى بدء تنفيذ الدوريات الأميركية – التركية المشتركة في منبج، مطلع الشهر الحالي، بعد نحو أربعة أشهر من الاتفاق الفعلي على تسييرها، في ما عُرِف آنذاك بـ “اتفاق منبج”، في حزيران/ يونيو الماضي.

يرى بعض المراقبين أن إعلان السفارة الأميركية في أنقرة في 6 من الشهر الجاري، عن مكافأة بملايين الدولارات، مقابل الإدلاء بمعلومات تساعد في القبض على 3 من قيادات حزب العمال الكردستاني (صنفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية) هو نوع من الغزل أبدته واشنطن تجاه أنقرة.

من جانب آخر، أكد وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو ، بحسب وكالة (رويترز)، أن دعم الولايات المتحدة لـ (وحدات حماية الشعب) الكردية السورية “خطأ كبير”، وأشار إلى أن القضية تسببت في توتر في العلاقات بين البلدين الحليفين في حلف شمال الأطلسي، ونفى أوغلو أن تكون قضية القس برانسون هي السبب في توتر العلاقات مع واشنطن، مشيرًا إلى أن السبب يتعلق بملف الدعم الأميركي لحزب العمال الكردستاني، وكذلك بقضية تسليم “غولن”.

يرى الكاتب والباحث في الشؤون التركية باسل الحاج جاسم أن نقطة الخلاف الرئيسة بين أنقرة وواشنطن اليوم “تتمثل في أن واشنطن لا ترى أن المجموعات المسلحة المنتشرة في مناطق داخل الأراضي السورية، المكونة من (وحدات حماية الشعب) و(حزب العمال الكردستاني) هي كيان واحد، على عكس ما تراه أنقرة”، وأكّد الحاج جاسم لـ (جيرون) أن واشنطن “اعتبرت التنظيم الانفصالي ورقة رابحة، وقوة يمكن التعويل عليها، وقادرة على احتلال المنطقة العربية، وستمنع إيران من الوصول الى سورية عبر العراق، وعاملته على أنه العنصر المحلي وصاحب الأرض، وفي الوقت نفسه تُدرك واشنطن جيدًا مخاوف أنقرة، لذلك قدمت تطمينات بأن نسبة القوات الكردية لا تزيد عن خُمْس (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد)، ولكن الأتراك ومعظم السوريين يعلمون جيدًا أن التركيبة الفعلية لهذه المجموعة المسلحة مغايرة لما يقدّمه الأميركيون من معلومات، خصوصًا أنه لا يخفى على أحد أن تنظيم (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي يُشكّل غالبية هذه القوات، لا بل إنه هو الآمر الناهي فيها”.

وأضاف: “ما ينتظره الأتراك اليوم من واشنطن هو إثبات حسن النيّات، وذلك بخطوات عملية على أرض الواقع، بداية من ملف مدينة منبج العربية، فمعروف أن هناك مماطلات أميركية حتى اليوم، بعد مرور أشهر على توقيع اتفاق يقضي بانسحاب مسلحي الامتداد السوري للعمال الكردستاني من هذه المنطقة، بعد ذلك يمكن الحديث عن باقي مناطق العربية السورية التي انتشر فيها التنظيم الانفصالي شرق الفرات”. وختم بالقول: “من الصعب الاعتقاد أنه يمكن حصول توافق كامل بين واشنطن وأنقرة على كامل الملف السوري، إلا أنه أيضًا من الصعب على واشنطن تنفيذ كامل أجندتها داخل سورية من دون مراعاة المخاوف التركية”.

في الموضوع ذاته، يرى الخبير السياسي والمعارض السوري حسام نجار، المقيم من النرويج، أن أميركا “سعت من خلال الأحزاب الكردية للضغط على تركيا، وقامت بدعم هذه الأحزاب، واستقبلت مسؤوليها في واشنطن وفتحت لهم ممثلية، وهذا ما أغضب تركيا بشكل كبير، إذ اعتبرت ذلك تهديدًا مباشرًا لحدودها الجنوبية”.

وأوضح النجار لـ (جيرون) أن حصول تركيا على منظومة (إس 400) من روسيا كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير،  وبالتالي خافت أميركا أن تفقد حليفًا استراتيجيًا مهمًا وقديمًا في المنطقة. ومع إصرار تركيا على قتال الحركات الكردية الانفصالية في منبج، وصلوا إلى تسوية فيما بينهما، على أن يتم الإفراج عن القس الأميركي الذي ظهر أنه جاسوس، مقابل خروج العمال الكردستاني من منبج، واعتماد آلية عمل مشتركة بين الطرفين، ومن أجل هذا قام الأميركان بطرح مكافآت مالية عالية لمن يزودها بمعلومات عن قادة عسكريين أكراد”.

يرى النجار أن هناك “نقاطًا خلافية بين الطرفين لمّا تُحلّ بعد، لكن هذه النقاط لم تطفُ على السطح، بحجم الملف الكردي، الذي يسير الآن كما يشتهيه الأتراك، إذ يبقى موضوع بقاء الأسد من عدمه هو نقطة الالتقاء بين الطرفين، على الرغم من تغير الأقوال الأميركية عدة مرات، لكنه لا يُشكّل هاجسًا لها، بينما التركي يصرّ على رحيل الأسد”.

وختم بالقول: إن موضوع شرق الفرات “يبقى هو الورقة الأخيرة بين الطرفين؛ فالأتراك يُصرّحون بأن هناك عملية عسكرية قادمة، والأميركيون يلتزمون الصمت حيالها، ومن خلال المتابعة، أرى أن العملية التركية لن تتعدى منطقة (تل أبيض)، وإن تعدّتها فسيكون ذلك بضمانات تركية بشريط حدودي لعدة كيلومترات كمنطقة آمنة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق