هموم ثقافية

الحضارة كظاهرة نرجسية

هزمتك يا موت الفنون جميعها

هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين

مسلة المصري

مقبرة الفراعنة

النقوش على حجارة معبد

هزمتك وانتصرت

وأفلت من كمائنك الخلود

“محمود درويش”

 إذا كانت الحضارة، ككل، نتاج المرض النفسي، أو لنقل: خروج البشر عن الخط المألوف (كما أشرت في مقالة سابقة في موقع جيرون) فإن النرجسية، هي الحالة الأكثر تميزًا بين طيف (الاضطرابات) النفسية التي ساهمت في إنتاج ما يسمى بـ الحضارة.

النرجسية تعني التعظيم المرضي للذات، والقناعة الراسخة بأن النفس هي أهمّ ما في الوجود، هي الأجمل، هي الأذكى، هي الأكثر صلاحًا، فالدكتاتور هو شخص نرجسي، نرجسي حد الجنون والبعد عن الواقع (نتذكر بشكل تلقائي، القذافي والسيسي وصدام في عالمنا العربي)، لكن الدكتاتور، بنسخته الغرائبية، ليس سوى الحالة المتطرفة للإنسان، كل إنسان، فبدءًا من التأريخ الذي أجمعت البشرية على اعتماد مولد المسيح كبداية له، نرى أكثر فصول النرجسية درامية، فالمسيح، حسب اعتقاد من وضعوا هذا التقويم (أي الأوروبيين، كمجتمع مسيحي)، هو ابن الله الذي عذبه الإنسان، وصلبه، وأدماه. ابن الله الذي جاء ليفدي الإنسان بدمه، لكن الإنسان أرسله إلى الله مرة أخرى مكللًا بالشوك؟ فهل من تعظيم أكبر للذات، حين نقرأ عن عظمة الله، بكل جبروته وقدرته، لكنه أرسل ابنه الوحيد فداء للإنسان؟

هذه النرجسية الجماعية، نراها في كل الأديان والأفكار والفلسفات، من الأكثر تعصبًا وانغلاقًا، حتى الأكثر تسامحًا ورأفة، فشعب الله المختار، الذي طوّب له الله أقدس أراضيه باسمه، إلى خير أمة أُخرجت للناس، والذي يختتم بها رسالة السماوات، ويفرض بلغتها كتابه وكلمته، وصلواته وطقوس عبادته كلها. حتى فكر غاندي المضاد للعنف، فيه نرجسية وتعظيم الذات القومية حد الهذيان، فغاندي رفض العنف، لا لمبدأ رفض العنف ذاته، بل لأن الهند أرض طاهرة، لا يجوز أن تراق فيها الدماء، والهنود أرقى الأمم، هم من طلبوا من بريطانيا المجيء، وسيجعلونها ترحل بلا دماء، ليس عجزًا عن العنف، بل تكبرًا وتطهرًا! وفي كتابه (هند سواراج)، ما فيه من نرجسية قومية شاطحة ومحلقة في الخيال.

اقرؤوا عن الأمة الناجية في الفكر الإسلامي التقليدي، هذه الأمة التي خصها الله وحدها للعيش في جناته، وبنى لشعبها قصورًا، وشق لهم أنهارًا، وخلق ملايين العذارى، بانتظار مجيء شبانها، اقرؤوا عن المهدي المنتظر الذي سيأتي ليقود أمته، عن قائد دولة هو النائب عن ذاك المهدي المنتظر، وبينه وبين السماء خط ساخن، اقرؤوا عن الحروب الصليبية، بنسختها الأولى الفاتيكانية، والثانية الأميركية، فلكل شعب دور قيادي على هذا الكوكب، فان غزا أرض الغير، فهو فاتح ومبشر، وإن تعرض للغزو، فهو مقاوم ومناضل.

حتى الشعوب الضعيفة، التي ينهكها الفقر، والمرض، والدكتاتورية، حتى الشعوب التي تهيم على وجهها في بقاع العالم كلها، لن تعترف إلا أنها أمة عظيمة، ذات رسالة خالدة.

على المستوى الفردي، أليست الأهرامات ظاهرة نرجسية، المسلة، برج خليفة، جيوش نابليون، وبرج إيفل، أليست ظاهرة نرجسية؟

كل قصيدة، وكل رواية، وكل بطولة، مرتبطة برغبة، واعية أو لا واعية، بفكرة الخلود، حتى كلماتي هذه، دافعها بعض من رغبة في الخلود، لأننا نرفض فكرة أننا ذاتنا، بكل عظمتها وخصوصيتها، بكل فرادتها و (ندرتها)، سترحل ذات يوم، وستستمر الأرض في الدوران.

تعظيم الذات، فكرة راسخة في قناعاتنا، حتى لو عاكستها كل الأدلة (الواقعية) فلا بأس من بعض الالتفاف حول الواقع، لنرضي بها ذاتنا.

الموت، عدو الإنسان الأعظم، والأكثر جبروتًا، لم نهزمه واقعيًا، فصنعنا آلاف القناعات التي تصنع لنا نصرًا رمزيًا، من خلال مفهوم (الخلود)، فالشهيد خالد، والحب خالد، والوطن خالد، والفنون خالدة.

لنستيقظ ونقلها صراحة: الإنسان كائن غير سوي، يعيش حلمه في واقعه، يغطي الحلم بكلمات المنطق، وحين يفقد قدراته العقلية، كما في حالات الهوس والفصام، تظهر حقيقته بلا أغطية، فيكلم السماء، ويستدعي الجن والملائكة.

لنقلها بكل صراحة: نحن مرضى عقليين طالما أننا أسوياء، ونظهر كما نحن تمامًا، حين نصاب بالفصام.. وما الحضارة بعظمتها، سوى نرجسية وفصام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق