أدب وفنون

حيث لا تسمع للجاذبية أيّ صوت

الريح التي أنقذت الخلود من نومه، فغيّر عطره وسلكَ طريقًا أخرى، الضباب الغضّ الذي قصّ شعره وأعطاه لأطفاله، ثم لحق قطاع الطرق الحمقى، الشوك الذي ينقش كل ربيع ذاكرته بدمٍ مذهبٍ فوق حبّات الطلع المهاجرة، كان لا بدّ للغجر أن يبدؤوا الغناء قرب هذا اللحن الهائم في البراري، دون غاية في الأبد.

سمِعوا جيّدًا ماذا تقول العشبة للخطوة، وشربوا حفيف الشجر بين خصلات الشمس، وعندما هاجروا غطت آثارهم حباحب الليل، لم تستطع طوابع الحضارة وحروبها ومجاعاتها، أن تقتل ذئاب الغناء الحمراء التي تتبع الغجر منذ الخليقة.

رقصة تصير في المغيب سيّالةً بنفسجية، وعند الليل يلمع نشيجها كسوس قمح؛ حيث لا تسمع للجاذبية أي صوت.

كانوا هنا، أعرفهم من ألوان خطواتهم المتعرجة، يخطر لي أن أخلع ثيابي على الضفة وأغرق بذراعين مفتوحين، أن أسممّ قطط طفولتي وألهو مع أفكار لم تكن يومًا لي.

يا غجر بلادي الطاعنين في المجهول، الحناجر المأهولة بالنيران، يا تلك الهبة الملعونة المبجلة التي زرعها إلهٌ مارق، وأرضعها الموتُ حليب ضحكتِه مقطّرةً كحبّات الندى.

في سفوح حماه المجعدة يسير الغرباء على حدس الأغاني، حيث التواء الأكتاف يمشي بمحاذاة الجبال، تجلسُ عجوزٌ مع دجاجتها، وتؤلف أغنية عن وجع التراب عندما يسقط المطر، وتترك لسكة القطار المهجورة مهمّة تلحينها.

رأيتُ الفطر يلمع في البرق والطبول تتبعه كالطعنات، وبين سفوح حماه جالستُ العتبات وشمّرتُ عن ساعدي وزغردتُ ومشيتُ في موكب أرجوانيّ إلى العرس، العرس الذي دُعيت إليه القبور وأشجار الزيزفون وكلاب القرية.

***********

حلمتُ أن أحدهم مدّ يده وسرق عينيّ، وكان يحبس في يده الأخرى فمًا وأنفًا وعينين.

مدّ يده بخفّة ساحر وداعب جفنيّ ثم نزع عينيّ، بدا لي كشبح لا يظهر من جسده سوى اليدين، تتكئان على حافة الفاترينا وتنقران الزجاج ببرود.

استيقظتُ وكتبتُ حلمي الغريب مخافة أن أنساه، لكن الكتابة أنانية ولا ترضى بالخطوط الجاهزة سلفًا، أحرقت الحلم وكبّرت ملامحه الحقيقية، وكذّبت نصفه، ولم أستطع أن أتحكم في شهوة ما أحبّ، لا في الحلم ولا في الكتابة، كنتُ مجرد قارئة لا تعلم عن تلك الرؤى، أيّ صدفة قادتها إلى هنا.!

أحببتُ نهاية القصة في الحلم بشاعريتها وغرابتها، أما نهايتها بعد أن كتبت فوق الورق، فكانت بائسة رديئة، تدّعي بأن اليد التي سرقت عينيّ كانت يدَ رجل أحببته فيما مضى، وبأن المزهرية الزجاجية التي سجنت عينيّ، لم تكن سوى أصيص الغاردينيا على شرفته، أما ما أغمضتْ عليه يدهُ الأخرى فلم تأتِ الكتابة على ذكر ملامحهم، بل تجاهلت حضورهم الغامض في الحلم.

القراءة أنانية أيضًا، وأنا قارئة عاديّة، ولذلك لما جاء في الحلم واستيقظ بثوره فوق الورق، لم يسعني إلا أن أتخيلَ امرأةً أخرى، دخلت هذه المتاهة على رؤوس أصابعها وغادرتنا جميعًا مقهقهةً.

*********

كانت جدتي تحبُّ فكرة المخابئ، ولو استطاعت أن تقضي بقية حياتها في مخبأ، بعيدًا عن الأنظار؛ لما أوقفها شيء عن ذلك، كل ما تحبه تجد له بيتًا يليق به في غمضة عين، وكانت تلك الأشياء التي تهوى جدتي أن تخفيها عن الأنظار، ليست بالثمينة ولا بالجالبة للحسد أو نية سارق بالظفر بها، ومباغتتها ليلًا، حتى إنها تعرضت للسرقة مرارًا في حياتها، ولم تتعلم أعراف وتقاليد المخبأ، وأن وجوده قائم على قيمةٍ ما، اختلفت عليها الحضارات والشعوب والأساطير حتى استقرت فلسفته على ما نحيا عليه الآن.

أعرف عن تعلق العجائز المستميت بأشيائهن، لكن مخبأ جدتي ليس له علاقة بالعمر وتراكماته التي تصنع منا ظلالًا لأشيائنا، بل بالشغف الحار السائر في صوته منفردًا وسط جوقة، كأن تخبئ ملقط ملابس رأتهُ مرميًا في جيب سترة بالية مطويّة أعلى الرف، أو أن تفتح باب ساعة الحائط وتضع مسمارًا صدئًا يلفّه خيطٌ أزرق.

في ليلة قديمة جئتها، أحمل بين يدي دمية صغيرة، كانت هديّة ابن جيراننا في عيد الحب، فقد كنت احتفظ بالهدايا، حتى لو كانت وردةً حمراء، عند جدتي، مخافة أن أعود بها إلى بيت أهلي. نظرتْ إليّ وهي تجلس على سريرها وطلبتْ مني أن أعطيها المقصّ، كانت تريد أن تقص لحافها وتضع الدمية في قلبه، ما أتذكره جيّدًا أنها كانت تضحك، وما عرفته عندما كبرت أن لكلّ شيء في قلب جدتي مخبأ يناسبه بصورة شاعريّة لا تحتمل:

خرز سُبحةٍ بيضاء في جوف فخارة مكسورة.

صورة للأولياء الصالحين في قاع إبريق نحاسي مهجور.

طقم أسنان منخورة وسط حوض الأسماك الفارغ إلا من بعض الحجارة.

أعواد ثقاب محترقة في قلب زجاجة عطر فارغة.

**********

ثلاثة أشياء أودّ أن تحملها معك أيها الغراب، لا تقلق، ليست ثقيلةً بشكوكي أو مبللةً بدمعي، بل صارت تعرف كيف تأكل وتشرب وتنام لوحدها، صار لها صفاءُ عينيك، فلا تغادر قبل أن تأخذها معك، أريد أن أراها في بيوت أخرى، وأشمَّ رائحتها في أجساد غريبة، أريد ألا يتعرف أحدنا إلى الآخر، بدءًا من هذا اليوم، تمهّل يا صديق ليلي، وأخلعها عن قلبي قبل أن ترحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق