مقالات الرأي

سورية من الجغرافيا إلى قلوب السوريين


لعلّها من المرات النادرة في التاريخ أن يتعرّض شعبٌ ما للأهوال التي تعرّض ويتعرَّض لها شعب سورية، الشعب الذي وجد نفسه بالصدفة مسجونًا ضمن حدود اتفاقية (سايكس – بيكو) قبل مئة عام، بعد أن كانت جغرافيته التاريخية أرضَ العبور بين قارات العالم القديم، يضيف كل قوم إليها نكهة حضورهم أو ذكرى غيابهم، لتتشكل تلك الفسيفساء السورية العظيمة التي لم ترُق لمن لم يصل إلى وعي أهمية الاختلاف، ولو أنّ سورية استطاعت ترويضه لاحقًا بدهاء ألوانها.

السوري، وللحق، مغتبط بفسيفسائه، كيف لا، وهو صانعها عبر التاريخ، وتزخر بها أوابد سوريته الأثرية المتناثرة في كل مكان، وقد اجتذبت المستكشفين لفهم تاريخٍ يختصر تاريخ الكثيرين ممن عبروها. السوري هو جامع الثقافات في أرضه، يعطي لكل منها نكهة سوريته الخاصة، ويُفرغ لها حيزًا لتستقر فيه ولا تنعزل، تتفاعل ولا تنصهر، وتكشف عن مكنوناتها غير آبهةٍ أو خائفة. الصحراء ذاتها وقفت على حدود بلاد الشام، استبدلت عباءتها بقميص الألوان، ودخلت متخفية إلى بساتينها.

كثيرون ممن أصابتهم الكوارث والأهوال، في غير موضع، وجدوا في سورية الملاذ، في سهولها وجبالها، في أريافها ومدنها، وفي قلوب قاطنيها ممن سبقوهم إلى الاستقرار في معبر قارات العالم القديم، حيث لا خيار سوى الاعتدال، من الذوق إلى المناخ، وحيث تتجاور الجبال والسهول والبوادي، وتنفتح على البحر الذي أحاطت به الحضارات القديمة، وتركت في قاعه بقايا سفنها المحطمة وجرار الزيت والنبيذ والنفائس التي لم تصل إلى وجهتها، في المدن المتربّعة على شواطئه المشمسة.

ثم ارتفعت على حدود سورية (سايكس – بيكو) أسوار المزرعة، مع الأسوار كانت الأبصار تجهد لتتواصل مع الخارج، إلى أن أُغلقت الكوّة الأخيرة في السقف، وخيّم الظلام الدامس، فيما تتالت الأيام بلا معنى أو أهمية، وتحوّلت كل الأصوات إلى صراخ مكتوم أو همهمات خجولة. خمسون عامًا من الاختمار البطيء والانتظار كانت أكثر من كافيةٍ لتتغيّر الطبائع والطباع، فالسوري الذي خرج بعد خمسة عقود من السجن لم يكن ذاك السوري قبل ارتفاع الأسوار من حوله؛ خرج باهت الحواس والمزاج، بعد أن فتح له أبناء شجعانٌ أبواب الحرية على حين فجأة، ومضى بلا هدًى حاملًا سجنه في عقله، إلى أن حاصره الموت من كل الجهات، فراح يبحث عن أي مأوى، ويستعين بأي عابر سبيلٍ ليحتمي به من رهبة الضياع، فزادوه ضياعًا وغربة. والسوري الذي بقي داخل الأسوار لم يتأخر عليه الموت أيضًا، وانكفأ حائرًا ومثخنًا بالجراح.

لطالما هاجر السوري وعاد إلى موطنه أو استوطن البلدان الأخرى، لكنّ السوريّ التائه الآن عبء على نفسه وعلى العالم، تلاحقه الكوابيس وتروّعه، لا خيار له في الهجرة أو البقاء في الحريق، إن عبر الأسوار فهو مهاجر، وإن بقي ضمنها فهو مهاجر، يحمل دماره معه أينما حلّ، أو يعيش فيه، لا فرق.

وليس بوسع السوري المُحاط بالأسى نسيان ما حصل من حوله، مهما عاند، إنه يلاحقه كظلّه ويطرق بابه بلا استئذان، يواجهه في نظرات ضحايا الحرب، وصلف تجارها الصاعدين على الجثث والآلام، في تواتر الخيبات والصدمات، على الحواجز المألوفة والغريبة، على حدود البلدان وفي المطارات والمرافئ، في ردهات الانتظار الضيقة وعلى شرفات الحنين في البلاد القاصية التي احتوته.

رخص دم السوري ليس وليد لحظة الانفجار، وهو ابن تلك الحقبة التي تقدّست فيها القضايا، وتمجّدت على حسابه، وفيها تحولت ابتهالاته المزمنة إلى شعارات ورموز قاتلة، تلاحقه في مسيرات تفرّق ولا تجمع، وتُغرقه في البؤس والضعف، محاطًا بجلادين يزدادون عددًا وعدّة.

الكوارث الكبرى تصنع الحضارات، فهل سيتعلّم السوري نعمة الانتظام من رحم الفوضى؟ إنّ في فرصة اغترابه تراكم خبرات غير مسبوقة، ومسافة سيضطرّ إلى أن يقطعها بوتيرة أسرع. وعلى هدى النور الشحيح في الداخل، يعيد السوري الآخر بناء علاقاته القديمة – الجديدة بمن حوله، علاقات لم يعد يفيد فيها التواري، وقد خرجت كل الأمور من مكامنها إلى حيّز العلن.

التغيير حاصل وسط الفوضى الصادمة، فلم يعد يكفي تغيير الحاضر، ويحتاج ولوج باب المستقبل إلى سبر تاريخنا المعلوم والمزعوم، القريب والبعيد، وقد أصابت شظاياه الحاضر، وتكاملت مع مساعي مدمّريه على أكمل وجه. قد لا يصلح السوريون لشيء مجدٍ في هذه المرحلة، وقد فعلت فيهم مفاعيل المستبدين وكرست فيهم ما ورثوه من استبداد، لكنهم سينهضون من جديد، كنباتات تنمو في أرض محروقة بعد تساقط المطر، لا تلبث أن تتحول إلى شجيرات وأشجار، وتعود الغابة نضرةً بحلّتها الجديدة. الخيارات ليست وحيدة والاحتمالات قائمة، ولكنها في الاتجاه الذي يضع كل الأمور في دائرة إعادة النظر.

حتى في خضمّ الموت والحرب لم يتوقف بناء العلاقات الاجتماعية وتطورها، وما نشاهده من انهيار وتراجع ليس سوى موت القديم في غمرة التحولات المخاتلة والغريبة لصنع الجديد المتقدّم بثبات نحو المستقبل، الجديد الذي يشذب نفسه ويمضي غير آبهٍ بالاعتراضات والتمنيات، إنه نهر الحياة الذي يترك رواسبه وراءه، ويمضي نقيًّا بعد أن خرج من ذاك المستنقع الآسن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق