تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

(أستانا 11) وسراب الإنجازات

سواء كان المفاوض الروسي أو التركي والإيراني في أستانا، أم أي مسؤول غربي وأممي ينضم إلى المباحثات، ودي ميستورا كمراقب، والأمم المتحدة مع فرنسا وألمانيا اللتين كان لهما حضور في النسخة الجديدة من المباحثات، فإنهم جميعًا ملتزمون بقاعدتهم الذهبية في معاملة النظام السوري بشكل مختلف عن تلك المعاملة التي تُوجَّه إلى ما تبقى من جسم المعارضة المنضوي تحت سقف أستانا، بمواصلة الضرب على رأسها دون منحها فرصة لالتقاط الأنفاس.

منذ انطلاق مفاوضات العاصمة الكازاخية، في نسخها الإحدى عشرة وتوقيع اتفاق خفض التصعيد، سباقُ التتابع للنظام وموسكو متواصل، وصولًا إلى نسف هذه الاتفاقات والسيطرة على ثلاث مناطق من المناطق الأربعة المشمولة بخفض التصعيد، حيث اختفت -كما هو ملاحظ- أي عملية نقاش عنها وكأنها لم تكن، ليجري التركيز على ما تبقى في الشمال السوري وتحديدًا إدلب وريفها، خصوصًا مع التسخين المستمر الذي تلعب فيه موسكو، و”الفصائل الإسلامية” من (النصرة) إلى (داعش)، والمحسوبة على النظام، الدور المهم في عمليات الاغتيال، أو تلك التي يقوم بها النظام برفع منسوب الحديث عن قرب وقوع هجوم كيمياوي ونسبه إلى المعارضة.

(أستانا 11) ليس لعبة أو مسرحية، وإنما عملية تصفية في غاية من الخطورة والجدية، حيث تستدعي دون مواربة أو مناورة وتراخ، أن تقف قوى وفصائل المعارضة تجاه ذاتها وممارساتها تبعثرها وتباطؤها، لترتقي إلى مستوى دينامية الفعل الشعبي السوري والتركيز عليه، الذي لم يعد بحاجة إلى من يقنعه بخطورة المؤامرات التي أحاطت وتحيط بثورته، وإنما بحاجة إلى من يعيد تأطير فاعليته ومقاومته السلمية والشعبية والمحافظة على بعض مؤسساته المدنية. وما جرى من استهداف مؤخرًا للناشطَين رائد الفارس وحمود جنيد، يؤكد أهمية الدور الذي قاما به، وخطورة فاعليته وانتشاره يُدركها النظام وعملاؤه في المنطقة، لذلك تنبه إليها أكثر من التقاط المعارضة لهذه الفاعلية، لنسف قاعدة الاشتباك المستمر مع النظام.

الجميع يعرف ماذا جرى ويجري في أستانا بتغطية إقليمية ودولية، لم يلتزم بها لا النظام السوري ولا موسكو ولا حتى طهران، الضامن الثالث لهذه الاتفاقات، ولم يتم إعادة النظر بهذه المهزلة المستمرة بالبحث عن صيغة للجنة الدستورية التي أدخلهم فيها النظام وموسكو في نفق الجدال، مع استمرار مسلسل الرضوخ للألاعيب الروسية والإيرانية، والتسليم بوحشية النظام وقدرته التدميرية دون التطرق إلى جوهر هذه الوحشية والملفات المتفرعة عنها في الاعتقال والدمار والتهجير.

يجتمع الروس والإيرانيون والأتراك كل مرة في أستانا، مع ما تبقى من ممثلي المعارضة السورية، أو مع تلك المعارضة التي يتم تفصيلها حسب مقياس الأطراف المجتمعة، وينجح النظام في انتزاع مناطق جديدة بمساعدة المجتمعين، وبدعم إقليمي ودولي مغلّف كل مرة بكلام زائف ومستمر عن اللجنة الدستورية وأعضائها ومهامها، من دون التطرق إلى جوهر ما قام به السوريون، وإسقاط مطلبهم الأساس بالحرية والمواطنة، وإسقاط الطاغية ومحاسبته عن كل جرائم الحرب التي ارتكبها بحق الشعب السوري.

تعددت التقييمات لميزان أستانا، فهناك من اعتبرها في حالة تعادل مع النظام وفق الجلوس على طاولة مفاوضات واحدة ومع أطراف إقليمية لتقديم الأجندة والمطالب، وأن مكاسبها تفوق خسائرها، وهذه الفئة تعمل حتى اليوم للترويج في البحث عن مخرج للجنة الدستورية لترى النور كمنجز مهم تخرج به جولة أستانا. وهناك فئة ارتأت -وهي الأوسع والأشمل- أن أستانا لم تنجح في رفع قبضة النظام الوحشية بل زادت من وتيرتها بفعل السيطرة بالوحشية والدمار، ومن ينظر إلى مسار المواجهة؛ يضطر إلى الوصول إلى استنتاج مفاده أن الميزان بمصطلحات القوة يشير دائمًا إلى عدم الحسم، ولا يمكن الادعاء من طرف موسكو أو النظام “بالنصر”.

في مجمل الخلاصة التي يعرفها السوريون، أن إنجاز السراب هو الذي تحقق من وراء أستانا من دون مرجعية دولية تُقرّ بحق السوريين بالعدالة والحرية، وتلك مسؤوليات ما زالت منوطة بمن يمثل المعارضة أو الشعب السوري ليكون قادرًا على الاستمرار في الكفاح والنضال لانتزاع حرية السوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق