تحقيقات وتقارير سياسية

الأجهزة الأمنية في الدستور السوري الجديد

تركز المفاوضات السورية، في هذه الآونة، على العمل على صياغة دستور جديد للبلاد، كما يتبين من خلال كثافة انعقاد الاجتماعات التشاورية وغيرها من اللقاءات، بهدف تشكيل اللجنة الدستورية التي أعلن عنها خلال مؤتمر سوتشي في روسيا، في 30 كانون الثاني/ يناير الماضي. ومن المتوقع أن يسفر المسار التفاوضي السوري عن مآلين مختلفين: أولهما يمهّد لتحقيق تغيير سياسي جذري يقضي على بنية الاستبداد في سورية، لصالح بناء دولة تحترم حقوق وحريات مواطنيها، بينما سيؤدي الآخر إلى إعادة إفراز النظام السوري بوجه مختلف، والحفاظ على أركانه، وتحقيق تأهيل وشرعية له على المستوى الدولي. هذا ما قد يفسّر الانقسامات في أوساط السوريين المعارضين، من حيث المشاركة أو عدمها في المفاوضات الحالية، ومخاوفهم من مصيرها.

تشكّل المنظومة الدستورية السورية أحد أهم أركان الانتقال الديمقراطي، والتأسيس لمستقبل سورية ولعقد اجتماعي ولسلام مستدام، كما أنها توضّح هيكلية الدولة ونظام الحكم فيها، وتكرّس لحقوق المواطنين وحرياتهم. ولهذا تبرز مسألة الدستور الجديد في بداية المرحلة الانتقالية، وإن لم يحلّ هذا الدستور كافة الإشكالات السياسية والحقوقية؛ فإنّ أحكامه ستشكّل حجر الأساس لذلك. ويجب من بين أمور أخرى، لا سيما تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية أو تغيير نظام الحكم من رئاسي إلى برلماني أو شبه رئاسي، أن تتم دسترة عملية إصلاح الأجهزة الأمنية. فقد أحكمت هذه الأجهزة سطوتها على سورية، خلال العقود الماضية، في ظلّ امتيازات واسعة وحصانة مطلقة، فضلًا عن دورها الأساس في تكريس حكم النظام الاستبدادي وانتهاكات حقوق المواطنين، بل هيمنتها على مراكز صنع القرار وعلى مختلف مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

في هذا الإطار، لا بدّ من أن ينصّ الدستور السوري الجديد على ضمانات، ليس فقط لحيادية هذه الأجهزة ووقف تسلّطها على المواطنين وانتهاك حقوقهم، إنما أيضًا لإلزامها القيام بواجباتها المتمثلة بتحقيق أمن المواطنين وزرع الطمأنينة في نفوسهم، وضمان تمتعهم بحقوقهم وممارسة حرياتهم العامة والفردية. ويجب أن ينصّ هذا الدستور صراحة على دور محايد وغير سياسي للأجهزة الأمنية، وآليات رقابية لعملها، كتشكيل لجان برلمانية وحقوقية مهمتها مراقبة سلوكها والتحقيق في أيٍ من انتهاكاتها.

كما يجب أيضًا في الدستور الجديد أن يُأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي والحقوقي والقانوني، ليس فقط في ظلّ الأزمة السورية، وإنما منذ استيلاء حزب البعث على السلطة وما تبعَ ذلك من توغل الأجهزة الأمنية، في قمع المفكرين والناشطين، وارتكاب انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان. وأن تتم المساهمة في عدم إعادة السلطة المطلقة لعمل الأجهزة الأمنية، من خلال وضع ضوابط محددة لإعمال حالة الطوارئ التي مهّدت لاستصدار ترسانة من التشريعات المكرّسة لصلاحيات الأجهزة الأمنية وحصانتها، خلال العقود الماضية. إذ تستخدم الأجهزة الأمنية المحاكمَ الاستثنائية والعسكرية من أجل محاكمة المواطنين، لا سيّما المعارضين لنظام الحكم السياسي. وهكذا شُكّلت محكمة أمن الدولة العليا التي بُنيت أساسًا على حالة الطوارئ في البلاد، وذلك بموجب المرسوم 47 لعام 1968. وظهرت بشكل ملحوظ المحاكم العسكرية والميدانية التي عزّز وجودها المرسوم 109 لسنة 1967؛ ما أدّى إلى إحلال القضاء الاستثنائي ذي الصلاحيات الواسعة في محاكمة المدنيين، محلّ القضاء العادي. وهنا لا بدّ من التذكير أن دستور سورية لعام 1950 قد أشارَ إلى عدم جواز محاكمة أحد أمام المحاكم العسكرية، ما لم يكن من أفراد الجيش، بينما يخلو كلّ من دستور عام 1973 ودستور عام 2012 من نصّ كهذا.

على إثر الانتفاضة الشعبية لعام 2011، تمّ رفع حالة الطوارئ، وبالتالي أُلغيت محكمة أمن الدولة التي تميّزت محاكماتها بالسرعة وعدم احترام حقوق الدفاع كالطعن والاستقلالية والحيادية والشفافية. وكان لا بدّ من إيجاد بديل تشريعي لحالة الطوارئ ليمنح الأجهزة الأمنية الأدوات اللازمة للاستمرار في التعسف والتسلط. وفي هذا السياق، اعتُمد القانون رقم 19 لعام 2012 المتعلق بمكافحة الإرهاب، وقد مهّد لاستصدار المرسوم 22 الصادر في العام نفسه المؤسس لمحكمة قضايا الإرهاب. تتشابه تشريعات الطوارئ وتلك المتعلقة بمكافحة الإرهاب. الأمر كذلك فيما يخصّ محكمة الإرهاب التي ورثت بامتياز الوظائف القمعية المناطة سابقًا بمحكمة أمن الدولة. وتستمر أجهزة الأمن باستخدام هذا الجهاز القضائي الاستثنائي، في قمع المعارضين السياسيين لنظام الحكم.

يجب بالتالي تضمين باب الحقوق والحريات، من الدستور الجديد، حمايةً للمواطنين من التعسف، كأن يُمنع القبض على أي شخص من دون مذكرة قضائية، وعدم جواز استجوابه دون حضور محاميه، وعدم تمديد اعتقاله دون إجراءات قضائية، وأن يتم احترام الحق في المحاكمة العادلة، وفي جميع الأحوال، عدم جواز إنشاء المحاكم الاستثنائية ومحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.

نظرًا إلى دور أجهزة الأمن واعتداءاتها المنهجية على سلامة المعتقلين الجسدية والنفسية، يجب أن ينصّ الدستور الجديد على ضرورة وضع جميع مراكز الاعتقال تحت إشراف هيئات قضائية وبرلمانية وحقوقية، وعلى عدم تعريض شخص أيًا كان للإخفاء القسري أو للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية. أمّا بخصوص حصانة الأجهزة الأمنية، فلا بدّ أن يُشير هذا الدستور إلى حق الضحية، أو ممثلها القانوني، بتحريك الدعوى أمام هيئة قضائية مستقلة ضد من انتهك سلامتها الجسدية أو النفسية، في أثناء الاحتجاز أو من عرّضها للاختفاء القسري أو للاعتقال التعسفي، وأن تكفل الدولة سلامة مقدّم الدعوى وعدم تعرضه لإجراءات انتقامية، فضلًا عن ضمان حقه بالتعويض وجبر الضرر، في حال ثبوت الانتهاك.

سيسعى النظام السوري والقوى الداعمة له للتأثير في نصوص الدستور السوري الجديد، من خلال الحفاظ على استقلالية وامتيازات وحصانة الأجهزة الأمنية ودورها الداعم لشكل الحكم السياسي، بينما يجب أن تعمل القوى المدنية وداعموها على تحجيم وتحييد القطاع الأمني، من أجل ضمان عدم سيطرة أجهزته على مقاليد الحكم وأداء واجباتهم المنوطة بهم بمقتضى دولة القانون. وفي إطار ذلك، لا بدّ من حلّ الأجهزة الأمنية الحالية المتفرعة والمتشعبة ومحاسبة المتورطين من أفرادها قبل أن يتم دمجها، فضلًا عن العمل على استئصال كافة أشكال الطائفية والتمييز والتحزّب السياسي في القطاع الأمني. سيكون بالتأكيد دور الأجهزة الأمنية أساسيًا في الدستور المقبل، وبالتالي في الوجه الجديد لسورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق