هموم ثقافية

أنسنة الرمز

كان العزيز أنطون تشيخوف (1860-1904) رحمه الله، يصرّ دائمًا على أن الكاتب ليس قاضيًا ليحكم أحكامَ قيمة على سلوكيات شخصياته، إنه كاتب، عليه أن يصف شخصياته ومواقفها وتصرفاتها بدقة فقط، أما الحُكم فيُترَك للقرّاء، أو هيئة المحلفين كما كان يسميهم، (المرحوم أنطون بافلوفيتش -نفسه- كان عضوًا في هيئة محلفي إحدى الضِّياع الموسكوفية ثم رئيسًا للهيئة)، ولكن بعيدًا عن الكتابة والأدب، كانت السياسة وعلاقة المجتمع بالسلطة القيصرية، وانتفاضات الطلاب الروس المتلاحقة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والحراك السياسي بشقيه المجتمعي والسلطوي.. هذا كله لم يكن يهم تشيخوف كثيرًا أيضًا، فالعزيز “أنطوشا” كان يرى في الشعب الروسي مجموعة من الرعاع والسوقيين الجلفين غير المتحضرين، ولكنه -رغم ذلك- كان يرى أن من حق روسيا على القيصر أن يُجري بعض الإصلاحات “الليبرالية”، وأن يحكم البلاد بموجب الدستور.

ألكسي سوفورين (1834-1912) مالك ورئيس تحرير “الأزمنة الحديثة” أو “العصر الحديث”، إحدى أقوى الصحف الروسية و”أَبْوَقها” القيصرية، (سوفورين نفسه كان بوقًا أيضًا، أو هذا ما يروجه التاريخ على الأقل)، هذا السوفورين هو من خبز عجينة تشيخوف ووزعها قصصًا في صفحات “الأزمنة الحديثة” لتصل إلى جماهير الشعب الجائعة، وعبره دخل حبيبنا عالم الأضواء في العاصمة سان بيتربورغ. بل كان سوفورين كما يبدو ليس الراعي الرسمي لتشيخوف الأديب فقط، ولكن أيضًا لتشيخوف الإنسان، فكان يدعمه ماديًا ومعنويًا كلما احتاج، وتكاد تكون الأوقات التي قضاها برفقة سوفورين وعائلته أطول من الأوقات التي قضاها تشيخوف مع تشيخوف.! فلا يقضي سوفورين عطلة في مكان ما إلا وتشيخوف على خصره، لا يخرج في رحلة خارجية إلا يدعوه لمرافقته، بل إنه وظف “الأكساندر” شقيق تشيخوف الأكبر في هيئة تحرير”الأزمنة الحديثة”، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولكن ذات يوم، بعد ثلاث عشرة سنة من السيامية بين الاثنين، يقرر تشيخوف الابتعاد عن سوفورين، لماذا؟! لأن “الأزمنة الحديثة” وقفت بشدة مع السلطة ضد مطالب المنتفضين عام 1899، ما جعل سوفورين شخصية مكروهة جدًا، بالتالي لم يكن من مصلحة تشيخوف الذي كان قد بدأ يتوسع في نشر قصصه، وبعد أن تعاقد مع دار نشر لتنشر أعماله كاملة، لم يكن من مصلحته، كما لم يكن بحاجة إلى صداقة سوفورين بعد الآن، ورغم ذلك، وبعد بضعة أشهر، حين عادت “الأزمنة الحديثة” قوية من جديد، حاول تشيخوف التواصل مع سوفورين ودعاه للقاء، لكن الأخير هو من رفض.

هذا موقف غريب بعض الشيء، أن يكون لدى “عدو الشعب” من الكرامة أكثر من “الكاتب المتواضع المرهف” الذي ما إن رأى سوفورين قويًا من جديد، حتى حاول التقرب منه… أليس غريبًا؟!

قد يبدو الكلام أعلاه قاسيًا لمحبي تشيخوف، وهو كذلك، إنه كلام باتجاه واحد يستنبط من بعض الإشارات أحكامًا، عن إنسان عاش أربعًا وأربعين سنة، وذلك هو الوجه الآخر لأولئك الذين حوّلوا ذلك الإنسان إلى رمز ومثال. فالرموز غالبًا ما تُرسَم صورهم بلون واحد، آلهة أو شياطين. كل الحق أو كل الباطل. وهو ما يتكرر كثيرًا في حياتنا اليومية كما أظن، هذه الثنائيات القاتلة التي تختصر الإنسان بكل تعقيداته وسنيّ عمره وتجاربه ومراراته وأفراحه وأفكاره بـ: جيد/ سيء، رائع/ لا يطاق، يسار/ يمين…إلخ؛ فما بالنا حين تكون هذه الثنائيات في وجه مجتمعات كاملة.

هذا هو الإزعاج الأول الذي قد يدفعنا إلى نكون ضد صناعة الرموز، إنها تقتل إنسانيتنا وإنسانية الرمز نفسه، أليس مدهشًا لدرجة البكاء أن نجد تناقضاتنا في رموزنا أنفسهم؟ أم إنها تفقد صفة الرمزية عندها؟ لا أظن ذلك، فنحن في بابل وأثينا ودلهي خلقنا آلهتنا على صورتنا، قبل أن يخلقنا إلهنا الواحد على صورته.

الصورة، صورتنا الثنائية، ما نحن عليه، وما نرغب في أن نكونه، أيضًا مشكلة أخرى، فنحن نُحَمِّل الرمز كل ما لا نستطيعه، إنه أكرم منا، وأحكم منا، وأصبر منا، أو هو أقسى منا، وأمكر منا، وأنذل منا. إنه صورة من صورنا المشتهاة التي لا نستطيع إليها سبيلًا، وهنا يبرز إزعاج آخر، الرمز الذي خلقناه يتحول إلى عصا، عصا تشبه في مهمتها جملة الأهل الشهيرة: “لما كنا بعمركن كنا نقرا ع ضو الكاز بعز الثلج”، أي: عليك أن تشبهني، إما تكون شبيهًا بالرمز، أو أنك تافه، مقصر، غبي، عديم الموهبة، كاذب، لص، جبان، بلا أخلاق… إلخ، وبالتالي نفقد حقنا في الفشل، يصبح الفشل ذنبًا، ويصبح الرمز دكتاتورًا.

هذا الذنب يحرمنا من متعة الفشل، ومن متعة المغامرة بالتالي، لنحرم في النهاية من الشعور بالحياة، من الشعور بأننا (فاعلات وفاعلون)، فكيف لنا أن نشعر بأننا أحياء إن لم نراكم تجارب وخبرات ذاتية، تعطي لحياتنا الفردية مذاقها الخاص؟ لا، فقد سبق للرمز أن راكمها وخبرها عنا.

حرماننا من الفشل، يزرع فينا -بطريقة ما- بذرة الخوف، وهذه البذرة لا تُنبِتُ شجر الخوف فقط، بل غابات من التعصب والعنصرية وضيق الأفق والخساسة والدونية، وتُنبت العقل الخرافي الذي يعيد إنتاج الرموز ذاتها. بذرة الخوف هذه هي صندوق “باندورا” الذي يفتح على كل الشرور.

تشيخوف كرمز قد لا يثير اهتمام الغالبية/ الأقلية، فالأمر مرتبط بمن قرأ له أو سمع به، ومن لم يفعل، بمن يراه رمزًا ومن لا يراه أصلًا، ولكن لنقل إنني استخدمته للحديث عن الرمز عمومًا، كي لا أشعر بالقلق، أو بالخوف! تشيخوف في السطور أعلاه كان: (يقولها بصوت خفيض) مجرد رمز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق