أدب وفنون

محمد جعفر: الأدب الجزائري يعاني الإهمال

 

وصلتْ مؤخرًا مجموعته القصصيّة (ابتكار الألم)، إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى العربي للقصة القصيرة، وقبلها وصلتْ روايته (مزامير الحجر) إلى القائمة القصيرة لجائزة محمد ديب (2016).

ضيفنا، الكاتب الجزائري محمد جعفر، من مواليد 1976 بولاية مستغانم؛ حاصل على ليسانس آداب من جامعة السانية بوهران. يكتب في أكثر من مجال أدبي من شِعر وقصة ورواية، إضافة إلى أنه يكتب المقال في الصحافة الجزائرية. وقد التقته (جيرون) وكان هذا الحوار:

القصة فن قائم بذاته

نبدأ من مجموعتك القصصيّة (ابتكار الألم) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة “الملتقى العربي للقصّة القصيرة” في الكويت، ألا ترى أن الاهتمام بكتابة القصّة يكاد يكون قليلًا جدًا أو شبه معدوم؟

= يرتكز سؤالك الأول على فكرة الاهتمام؛ وإن كنت لا أدري أتقصدُ اهتمام الكتّاب أنفسهم بهذا الفن؟ أم اهتمام الناشرين؟ أم الإعلام والقراء؟ أم كل ذلك مجتمعًا؟

أعتقد أن شريحة واسعة من الكتّاب لا تزال تعتبر القصة فنًا سهلًا له علاقة بالبدايات. وهي متى امتلكت الدربة والنفس، عمدت إلى تجاوز القصة إلى الرواية باعتبارها الفن الأكمل والأبلغ. وهنا يفوت الكثيرين أن القصة فن قائم بذاته، وله خصوصياته، كما أن الإبحار فيه قد يغني ويسد. ولعل الدونية التي يعامل بها الكتابُ أنفسهم فنَّ القصة، هي من رهن هذا الفن وكبح تطوره والإبداع فيه. وتظل هناك -دائمًا- تجارب رائدة على قلتها تستحق الاحتفاء والمتابعة. كذلك في مجال النشر، فإن حظ المجاميع القصصية ضيق ومحدود. وقد يضطر المكرسون إلى التنازل عن حقوقهم، والتعامل مع أدوار صغيرة لا تفي بحاجاتهم، فما بالك بالأسماء غير المكرسة. وأظن أن مجد القصة رافق مجد الصحافة المكتوبة، ومع تراجع هذه الأخيرة، تعرض هذا الفن لانتكاسة كبيرة لا زالت أثارها إلى اليوم. أيضًا، هذا الفتور الذي يقابل به الناشر كتّاب القصة، هو ذاته الفتور الذي يقابلها به عموم القراء. فشريحة واسعة من القراء اليوم يحتفون بالرواية على حساب كل الفنون الأخرى. مع ذلك يجب ألا يفوتنا أننا نعيش عصر السرعة، وفي كنف وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها، كما نعاني من شح كبير في الوقت. ولهذا أعتقد أنه في ظل هذه المعطيات الجديدة، لو وجدت القصة الدعم المطلوب فستكون قبلة القراء ووجهتهم.

أغلب من يكتب الرواية اليوم، بدؤوا مشوارهم الإبداعي إما بكتابة الشِعر أو القصّة، برأيك ما السبب في هذا التحوّل؟

= يُعزى التحول -غالبًا- إلى البحث عن بقعة ضوء أكبر. الجميع يريد الوصول في أقرب فرصة، كما يرغب في أن يصبح نجمًا، ويأخذ حقه من الإعلام والإشهار والجوائز والتميز. الفناء أيضًا يتهدد الجميع، والشعور به هو الذي يدخل المرء في حسابات ضيقة ومتعسفة، تحسب فيها الرهانات بمنطق رياضي ليس بالضرورة أن يكون صالحًا وصحيحًا.

– برأيك هل سيكون هناك توجّه ما لكتابة القصّة، على غرار ما حصل من توجّه كبير للرواية، في ظل إحداث جوائز للإبداع القصصي من مثل جائزة “الملتقى”؟

= هناك عودة كبيرة باتجاه القصة. ولن أدعي هنا أنها عودة لها علاقة بالكتابة في حد ذاتها، ما دام للقصة كتابها المخلصون؛ وإنما هناك تسليط ضوء جديد عليها. وإن كان هذا الفن –برأيي- لم يشهد تراجعًا في ما يصدر، فإنه يعاني من الإغراق في النمطية والكتابة في المواضيع الجاهزة والمستهلكة وغير المكلفة، دون تنويع أو تجديد. أظن أنه حان الوقت اليوم لننفض الكثير من الغبار عن هذا الفن، بما يجعله يتجاوز وهنه. وهنا أحبّ أن أشير إلى نقطة مهمة. وهي علاقة الترجمة بالإبداع؛ إذ تعد الترجمة أهم رافد للفنون جميعها، فهي العامل الأساس الذي يتيح لنا التعرف إلى الجديد والتطور الحاصل في كل فن. وإذا كانت الرواية تلقى النصيب الأوفر من الترجمة؛ فإن القصة بالمقابل يكاد يكون الحظ فيها جد شحيح. وكلما فاز كاتب ما بجائزة عالمية؛ انصب الاهتمام على نقل رواياته إلى العربية، في حين لا نكاد نجد ترجمات جديرة بمجاميعه القصصية مثلًا. أفلا يكون هذا واحدًا من العوامل المعرقلة لتطور هذا الفن؟

ومن هذا الباب، أحب أن أنوه بما لعبته جائزة الملتقى -من خلال المخلصين لفن القصة- من لفت الانتباه لهذا الفن الرائد. الذي أرجو له دائمًا الازدهار والتطور. وإن أحببت كثيرًا أن أردد بأن الجوائز، نعم، عامل مساعد، لكنها أبدًا لن تأتينا باللبن من ضرع ناشف. ولهذا أعود فأقول، إنه من دون اجتهاد وعمل وإخلاص فسنكون كمن يحفر في الماء.

الجوائز قلصت من هيمنة الأسماء الكبيرة

– كيف تنظر إلى واقع الجوائز العربية، هل قدّمت ما يجب أن تقدمه أم أنها لا تزال تراوح في مكانها؟

= نعم، لقد أسهمت الجوائز والإعلام في صناعة الكثير من الأسماء، كما منحت بعضها وهجًا إضافيًا. وإن كانت لها بعض النكسات حين قدمت -وفي حالات نادرة- أسماء مزيفة لم تصمد كثيرًا، ولولا البريق الذي سرقته هذه الأسماء، لاختفت من المشهد تمامًا. وبعيدًا عن سياسة التخوين والاتهام التي تطال الجوائز، كلما أعلن عن الفائزين بها، أقول، لننظر كيف كان حالنا قبل سنوات قليلة؛ إذ لا يمكن أن ينكر إلا جاحد، الدور الذي تلعبه الجوائز اليوم من ارتقاء بالفنون. وهي وحدها ما يمنح المبدعين الألق الذي يستحقونه. كما أنها ضاعفت من وتيرة الترجمة من وإلى اللغة العربية. وهكذا صار سوق الكتاب مطلوبًا ومهمًا، هذا إضافة إلى أنها قلصت من هيمنة الأسماء الكبيرة، وخلقت جوًا من المنافسة الشريفة. وهذا جميعه يحسب لها، وإن كنا لا نزال نراهن على المزيد، لأن ما هو موجود لا يفي بالتطلعات جميعها.

– هل استطاعت الرواية العربيّة أن ترتقي إلى المستوى المطلوب، في ظل الضخ الإعلامي لها، ووجود جوائز عديدة للرواية دونَ غيرها من الفنون الإبداعيّة؟

= ما الذي نعنيه بالارتقاء؟ وكيف يكون؟ في ظل حكومات فاسدة، وفي ظل الرقابة والتعسف وسياسة التهميش والتخوين، وفي ظل وعي مزيف، وغياب تام لمشاريع نهضة عربية كبرى، تصير كل فرصة للارتقاء بالفنون محدودة. لا يسع الكِتاب أن يزدهر إلا في ظل الحرية.

“أجدني روائيًا أكثر”

– صدر لك مجموعة مؤلفات في أكثر من مجال، شِعر وقصّة ورواية، أين تجد نفسك أكثر؟

= أجدني روائيًا أكثر. أو كان هذا خياري منذ البداية. القصة شغف أيضًا، لكنه شغف مهلك يعريني ويجعلني على تماس مع ذاتي بشكل أكبر، أكثر مما تفعله معي الرواية. وأنا أعترف أن مجموعتي القصصية (ابتكار الألم) قد استنفدتني تمامًا. وأحتاج إلى الكثير من الوقت حتى يمكنني العودة إلى كتابة القصة مجددًا. وهذا ما لا يحصل معي خلال كتابتي للرواية.

– في ظلّ المتغيّرات السياسيّة في السنوات الأخيرة في العالم العربي، كيف تنظر إلى واقع الأدب عمومًا والقصّة خصوصًا، هل ثمّة حركة أدبيّة جديدة أم كان الانعكاس سلبًا فحسب؟

= سأصدقك القول. لطالما تعامل الأدب مع المتغيرات والمستجدات العربية والعالمية بكثير من الهشاشة والضعف. وهو في عمومه يرتكز على العاطفة. يبدأ منها وينتهي إليها، بما يخلق المزيد من تزييف للوعي. وقليلة هي تلك التجارب الأصيلة، التي تنحو نحو مجابهة المشكلات المركزية، من خلال طرح أسئلة جوهرية تهدف إلى إعادة الوعي إلى سكته. لا أدري بالضبط أين تكمن مشكلة بعض هذه التجارب الجادة، فهي لا تلقى الحفاوة المطلوبة ولا الدعم ولا الحماس، من الجهات المسؤولة على الثقافة. والجدير بالذكر أن هناك وعيًا جديدًا بدأ بالتشكل، وأغلب رواده شباب متحمس وطموح، والدليل الصيت الذي يحققه في المحافل العربية والدولية. أظن أننا بصدد أن نشهد المزيد من المتغيرات العميقة في الساحة الثقافية وفي أكثر من قطر. ما هو أمامنا اليوم جدير بالمتابعة، ويدعو إلى الحماس، ويشد الانتباه ويخطفه.

معاناة الأدب المغاربي

– كيف تنظر إلى واقع الأدب الجزائري، في الوقت الراهن؟ هل استطاع النتاج الصادر حتى الآن، أن يأخذ له مكانًا على خارطة الأدب العربي؟

= مشكلة الأدب الجزائري، هي مشكلة الأدب المغاربي نفسه، حتى في جزئياته الصغيرة. هو أدب يعاني الإهمال نظير ضعف الإعلام المغاربي المنغلق على نفسه (ونعني بالإعلام هنا ذلك المكلف بالترويج والدعاية للمنتج الأدبي). كذلك، إنه أدب غير قادر على التحاور ومخاطبة الآخر من منطلق الندية؛ ليكون في أحسن أحواله تابعًا لأكثر من جبهة. ودون احتضان من هذه الجبهات فهو أدب مقصى.

وهو -أيضًا- أدب منقسم على نفسه؛ إذ لا نلمح ذلك التواصل بين من يكتب بالعربية ومن يكتب بالفرنسية، والعكس؛ لتضيع الجهود في نقاشات بيزنطية لا ترقى بالأدب ولا تخدمه، وتزيد من هشاشة الوضع الثقافي بدل أن تكون رافدًا مهمًا له. هذا دون أن ننسى، أن معاناة الأدب المغاربي الكبرى كانت مع المركزية المشرقية، وهي مركزية قائمة بذاتها، وإن أنكرها كثيرون. وسأستعمل مفردة، لم تنفذ، بدلًا من القول لم تنجح، تجارب مغاربية في المشرق العربي، ويتحقق لها الرواج فيه، إلا لأنها تمكنت من حل بعض المعضلات الصغيرة، وهي على صغرها تظل أساسية وأصيلة، وتشكل فارقًا في التجارب السردية المكتوبة. وهي تتشكل في الغالب في المواضيع المطروحة، والقضايا التي تشتغل عليها وتعمد إلى طرحها وإرسائها. مع ذلك أصر على القول إن التلاقح والتمازج والتواصل بين المغرب العربي ومشرقه، كان ولا يزال قائمًا وممكنًا، وهو يحصل، وإن في حالات نادرة بما لا يجعل الأمل مستحيلًا.

– تكتب المقال في الصحافة الجزائرية، ألا ترى معي أنّ الكتابة للصحف تستنزف طاقات المبدع؟

= أبدًا، لم تطوقني الكتابة للصحافة، لأنها آخر همومي. وما أزال أعتبر أني في هذه النقطة بالذات مزاجي جدًا. لست صحفيًا في كل الأحوال، ولا يسعني إلا التهرب من هذه المهنة التي لا تمنح شيئًا كبيرًا لأصحابها، في حين أنها تسرق منهم الكثير.

– لمن تقرأ، وهل من مشاريع جديدة لديك؟

= أحب الاكتشاف، ولهذا سأقول إني أقرأ للجميع من دون استثناءات. قد أتوقف عند الكثير من الأعمال لدى الكاتب الواحد، كما قد أرفض لنفس الكاتب أعمالًا أخرى حين أجدها لا تروقني. فالعملية بالنسبة إليّ ليست محصورة في الأسماء، بل بما يمنحه لي العمل الذي أنا بصدد قراءته من متعة وإضافة. كما أحب أن أضيف أن لي رواية بعنوان (لابوانت)، ستصدر هذه الأيام. وآمل أن تلقى صدى طيبًا لدى جمهور القراء.

* جدير بالذكر أن محمد جعفر نال جوائز عدّة في فنّ القصّة تحديدًا، وهو مشارك ومحاضر في العديد من الندوات والملتقيات الوطنيّة والدوليّة.

من أبرز إصداراته الأدبية، نذكر: “ميدان السلاح” (رواية 2011)، “طقوس امرأة لا تنام” (قصص 2011)، “العبور على متن الحلم” (شِعر 2013)، “هذيان نواقيس القيامة” (رواية 2014)، “مزامير الحجر” (رواية 2015)، و”ابتكار الألم” (قصص 2017).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق