مقالات الرأي

في حوارات جنيف.. “كلّكم يبكي فمَن سرق المصحف؟”

انعقدت في جنيف، مطلع الشهر الجاري، الجولة الثالثة من حوارات السوريين التي ترعاها منظمة بيرغوف الألمانية ومجلس الكنائس العالمي، تحت عنوان: “مجموعة السلام الشامل والمستدام في سورية”.

كانت الأجواء الدبلوماسية الرسمية، وشروط “الأتكيت” المُعدّة بإتقان، والجو السويسري الريفي البالغ الجمال والهدوء والسحر، كافية لتوفير قراءة مشهد الصراع بعيون مختلفة، والبحث عن حلول.

هذه المرة، وجّه المنظمون الدعوة إلى الدول الثلاثة المتدخِلة في الشأن السوري: تركيا وإيران وروسيا، إضافة إلى الأردن، وفي هذا الجو الواعي، طُلب إليهم أن يتحدثوا عن سياساتهم.

الجميع يصرّح بأنه يريد وحدة سورية وسلامة الشعب السوري وبناء حريات وحقوق إنسان في سورية، ولديه أوراق رسمية تثبت حسن مقاصده، وبالمناسبة هذه الأوراق اليوم باتت متشابهة، تصدر بصيغة متقاربة عن الدول المتدخلة، وعن النظام، وعن “أحرار الشام” وما بينهما، والجميع يريد تغييرًا سياسيًا يفضي إلى ديمقراطية مدنية مستقلة وحرة، وهكذا سادت اللقاء أجواء ملائكية بيضاء، وخيّل للجالسين على الموائد أن هذه النيّات الطيبة التي يحملها المحتلون الثلاثة كافية لصناعة فردوس أخضر في سورية، تحفّه الملائكة والحور العين، ولكن ما صنعته أيديهم في سورية كان جهنم الحمراء، وليس الجنة الخضراء!

يروى أن مالك بن دينار ألقى في الإسكندرية موعظة بليغة “وجِلت منها القلوب وذرفت منها العيون”، وحين أراد الخروج، فقَد مصحفه المذهّب، وحين أدرك أنهم سرقوه، قال لهم: “كلكم يبكي! فمن سرق المصحف؟”.

الأطراف المتحاربة تتحدث عن النيّات الطيبة والإرادات النبيلة والتضحيات الصادقة التي حركت جيوشهم للانخراط في الشأن السوري، ولم ينسَ كل فريق أن يذكر، بفخر واعتزاز، تلك التضحيات الجسام التي أداها جنودهم البواسل وطائراتهم النبيلة، وحجم ما قطعوه عن أفواههم ودفعوه للشعب السوري في محنته، ولم ينسَ أن يقول بعد كل هذه التضحيات: أفلا تتفكرون؟ أفلا تقدرون؟ هل كان ينبغي أن نترك (داعش) تحكمكم من دمشق!

بالطبع، كان ينبغي لهذه الحوارات أن تقود إلى مواجهات اتجاه معاكس صاخبة، تُقلب فيها الموائد وتُكسر الأقداح، وهذا أمرٌ طبيعي حين يكون الانفعال والتربص مشهد المتحاورين. ولكن الحوارات انطلقت من زاوية أخرى، ووضعت الهدف في سياق آخر، وهو فهم نيّات الأطراف، وتفهّم مخاوفهم ومصالحهم الحقيقية في الصراع.

تنطلق الفكرة من قاعدة أساسية، هي أنه ما من أحدٍ شيطان في هذا الكوكب، وبالتالي ما من ملاك، وأن لكل أحد هدفًا يخدمه وغاية يسعى إليها، والحكومات تمثل شعوبها، وتريد مصالحها.

لا يُبنى هذا العالم على التآمر، ولكن يبنى على المصالح، وإن الفشل في إدارة المصالح هو ما يسبب الحروب، وإن غياب الحوار هو ما يؤدي إلى جهل كل فريق بمخاوف الآخر، وبالتالي تعاظم هذه المخاوف وتحولها إلى تدخلات وقرارات فردية، ومغامرات تقود في النهاية إلى الحروب الطاحنة.

لقد بات من السهل الوعي بالاصطفافات البغيضة التي دمرت حياتنا، ونصبتنا في الوطن على أننا سنّة وشيعة أو عرب وكرد أو إسلام ونصارى أو موالون ومعارضون أو ريف وحضر، حيث نصطف دائمًا في جانب الملائكة، ويكون الشياطين في الجانب الآخر، ونتبادل الكراهية والاتهام والريب، وهو ما ينتهي في معظم الحالات إلى العنف.

ولكن ثنائية أخرى أشد وقعًا وأثرًا من هذا في الواقع السوري، وهي السوري والأجنبي، فهذه القسمة أيضًا قامت على أساس أن السوري بريء نبيل، وأن الآخر محض مستعمر ماكر، وأن لا خلاص للسوريين إلا بطرد كل قوى الاحتلال، وجلاء آخر جندي عن أرضنا العذراء البريئة.

الجلاء حلم كل وطني حر، ولكن الجلاء لا معنى له؛ ما لم تتحقق في أنفسنا إرادة الاعتراف بما ارتكبنا من أخطاء وخطايا، ولا يمكن أن نحلم بهذا الجلاء الموعود إلا بعد أن ننجز عقدًا اجتماعيًا عادلًا، يقوم على اعتراف كامل بالآخر في حقوقه وقلقه ومخاوفه.

تقدم هذه القراءة وعيًا آخر بالقريب والغريب، وتحاول أن تتفهم معاذير المتدخلين في الصراع السوري، فكل هذه الجيوش كانت في غنًى عن التدخل، لو كانت سورية تنعم باستقرار وأمن، فلن يستطيع أحد أن يركب ظهرك إلا إذا وجده محنيًا.

الجميع يتحدث عن مخاوفه ومصالحه، وتركيا تقول بصراحة إن ما يجري في سورية هو شأن داخلي تركي، والأمر تكرره بعبارة أخرى روسيا وإيران، وهو نفسه الأدب الفرنسي والأميركي.

لن أدخل هنا في التحليل السياسي، ولكنني أدعو بالفعل إلى منطق عقلاني في تحليل الأحداث، يفترض في الإنسان غريزة المصالح، ويستمع بإصغاء إلى مخاوفه وقلقه، وربما تكمن فرادة هذه القراءة أنها أقدر على تحليل المصالح وبيان تناقضها وتهافتها، وبناء الجسور بين أطراف الصراع، فلقاءات الريب والاتهام والتخوين لن توفر أبدًا معرفة صحيحة بعمق الأحداث، ولن تحقق أي تنازل يمكن أن يستفيد منه الشعب السوري لصالح إنهاء معاناته وأزماته وعذاباته.

الأطراف ليست ملائكة، ولكنها ليست شياطين أيضًا، وهي قاعدة عامة تشمل كل المتدخلين في الشأن السوري، من إيرانيين وروس وأتراك وأميركيين وفرنسيين، وهو بالطبع شأن الأطراف في الداخل، وعلى رأسهم دمشق وإدلب والرقة، فهذه كلها أطراف حقيقية في الصراع تحركها مصالحها ومخاوفها، وتنفق في سبيل ذلك المال والضحايا، وتبحث عن مصالحها في عنف ثوري ماحق، يجرف في ركام ثورته كل ما تبقى من قيم العقل والمنطق.

هل سيُتاح للعقل أن يكون حكمًا في المسألة السورية، لقد أنجز الانفعال تجربته الصاخبة، ودفع الكل ثمنًا مدمرًا، وحان الوقت لنعترف بحجم المصالح المعقدة على الأرض السورية، وتخليص حق السوريين في العيش الكريم، من بين ركام هذه التناقضات الرهيبة.

من يدري؟ ربما تحمل الأيام القادمة جوابًا مختلفًا.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق