ترجماتسلايدر

أمٌّ لثمانية أولاد بعد أن فقدَت البيتَ والزوج، تخشى فقدانَ بصرها

الصورة: زينة صطوف (الثانية من اليمين) مع بعض أولادها في منزلهم في المفرق، الأردن. يقطنون فيه منذ عام 2013 هربًا من الحرب الأهلية السورية. ناديا بسيسو لنيويورك تايمز

ما إن تتذكر زينة صطوف مشهد الظلال والضوء عند بيتها القديم، حتى تسقط مغشيًا عليها.

عندما زارت زينة طبيبَ عيون منذ عامين، وصفَ لها نوعين من قطرة العين لمرض الزرَق (الغلوكوما). غالبًا ما تمسك الدواء بيدها اليمنى، بحرص شديد. تكلفة الدواء 26 دولارًا كل أسبوع، ويُعد هذا المبلغ ثروة بالنسبة إلى لاجئ فقير يعيش في الأردن، لكنها من دون ذلك الدواء؛ لا تستطيع أن ترى عائلتها أو تهتمّ بها.

بناتها الثلاث يحتجن إليها أكثر من أي وقت مضى، وقد بدأن هنّ أيضًا واحدة بعد الأخرى بفقدان بصرهن، بسبب داء الزرَق، وهن في سنوات المراهقة، وهي حالة خطرة يتلف فيها العصب البصري، عادة بسبب ارتفاع الضغط في العين. أما ابنتها الكبرى رجاء، وعمرها 22 عامًا، فهي الآن عمياء. وزوجها، وهو لاجئ أيضًا، طلّقها بعدما أصبحت معاقة؛ ما أضاف إلى السيدة صطوف (الأم) فردًا آخر في العائلة يحتاج إلى الرعاية.

في عام 2013، هربت السيدة صطوف وأطفالها الثمانية من سورية، في الوقت الذي تملكت فيه الحرب الأهلية مدينتهم، حلب، وأخضعت سكانها لسلسلة من الحصارات العسكرية الوحشية، وعنف الشوارع، وانتهاكات المنازل، والرصاص الطائش. وتقول الأمم المتحدة إن آلاف الأشخاص فرّوا من المدينة، إبّان معركة وحشية طويلة استمرت أربعة أعوام.

“عندما غادرنا منزلنا في ضواحي حلب، لم يكن العنف قد وصل إلى حيّنا، لكننا عرفنا أنها كانت مسألة وقت فقط.. عرفنا أن دَورنا آتٍ”. قالت السيدة صطوف، بينما كانت تضع بطانية سميكة على كتفيها لمنع الهواء البارد، خلال مقابلة في الشهر الماضي.

بعد عبور الحدود إلى الأردن، شعرت العائلة بالأمان، لكنها واجهت مزيدًا من الصعوبات. توفي محمود، زوج السيدة صطوف، قبل ثمانية أشهر على إثر نوبة قلبية.

عائشة صطوف (18 عامًا) في مطبخ العائلة. تستطيع أن ترى بعين واحدة فقط، وتشعر بالقلق لأنها ستصاب بالعمى. ناديا بسيسو لصحيفة نيويورك تايمز

قالت السيدة صطوف، وهي تحدق في صورته على حائط غرفة المعيشة: “كان شريكي، وأبًا صالحًا، وساعدنا في كل شيء.. أنا الآن وحيدة”.

أربعة من أطفالها الثمانية، الذين تراوح أعمارهم بين 9 و22 عامًا، معاقون، ومنهم رجاء، ابنتها المطلقة، وهي أمٌ لطفلين، يعيشان مع زوجها السابق.

تتذكر السيدة صطوف: “اعتدتُ أن أرى الظلال والضوء، ولكني الآن لا أرى إلا الظلام.. الظلامَ وحسب. في البداية، كنت أبكي لأنني شعرت بأني أفقد العالم والألوان، ورؤية أولادي. لكني الآن أتقبّل مصيري تمامًا”.

حسين صطوف (20 عامًا) في مكانه المفضل خارج منزل العائلة. ناديا بسيسو لصحيفة نيويورك تايمز

أما شقيقتا السيدة صطوف (هالة: 19 عامًا، وعائشة: 18 عامًا) فقد فقدت كل منهما البصرَ بإحدى العينين. تستخدم هالة صطوف أحيانًا قطرة أمها، لكنهما عادة يتدبران الأمر بما يكفي لأمها.

تعرض حسين، البالغ من العمر 20 عامًا لفقدان الذاكرة والغمغمة في الكلام، بسبب إصابته بالحمّى. يجلس كل يوم خارج منزل عائلته الإسمنتي البارد، تحت شمس الشتاء الشحيحة، في زاوية تطل على طريق ترابي. ويتذكَّر الطيورَ الحمراء والبيضاء والسوداء التي كان يربّيها ويعتني بها، ويتذكر مساعدته أباه في حصاد الحنطة في حلب.. ويتمتم مرات كثيرة بعبارات غير مفهومة.

السيدة صطوف وعائلتها لا يمتلكون مدفأةً. يجلسون على مراتب رقيقة منقوشة برسوم الزهور، ويضطرون إلى التغطي بالبطانيات في أثناء النهار ليبقوا دافئين. السيدة صطوف، وهي امرأة أُميّة، لم ترسل بناتها إلى المدرسة.

أربعة من أطفال السيدة صطوف الثمانية، الذين تراوح أعمارهم بين 9 و22 عامًا، معاقون. توفي زوجها هذا العام. ناديا بسيسو لصحيفة نيويورك تايمز

وأوضحت السبب: “أريدهم أن يساعدوني في الأعمال المنزلية اليومية، وفي كسب العيش”.

تقوم الأسرة بجمع ما يُرمى من فتات الخبز أينما يجدونه، ثم ينشرونه على قطعة قماش بيضاء تحت الشمس، لتبيعه السيدة صطوف لأصحاب الأبقار والأغنام، أو لأي شخص آخر يرغب في شرائه.

من خلال لجنة الإنقاذ الدولية، وهي واحدة من ثماني منظمات يدعمها صندوق نيويورك تايمز للحالات الخاصة، تُقدّم للسيدة صطوف واثنين من أطفالها فحوصات طبية وأدوية مجانية منتظمة، ومنها أدوية القولون والجهاز الهضمي التي تكلف حوالي 120 دولارًا في الشهر.

سجلت وكالة الأمم المتحدة للاجئين أكثر من نصف مليون لاجئ سوري في الأردن. والغالبية العظمى منهم، مثل عائلة السيدة صطوف، لا يعيشون في مخيمات للاجئين، وإنما في مدن وبلدات، مثل عمان وإربد والزرقاء والمفرق. الأزمة المطولة في سورية تعني المزيد من الضغط على نظام الصحة العامة في الأردن.

السيدة صطوف واثنان من أطفالها يتلقون فحوصات منتظمة مجانية وبعض الأدوية من خلال لجنة الإنقاذ الدولية، التي يدعمها صندوق نيويورك تايمز للحاجات الخاصة. ناديا بسيسو لصحيفة نيويورك تايمز

بالنسبة إلى الأردن، وهو حليفٌ للولايات المتحدة، كان هذا العام مليئًا بالتحديات وسط احتجاجات في جميع أنحاء البلاد في حزيران/ يونيو، بسبب انخفاض مستويات المعيشة، ومشروع قانون الضرائب المقترح، والزيادات في الأسعار التي أدت إلى استقالة رئيس الوزراء. في الشتاء، تناقص معدّل حصول اللاجئين السوريين في الأردن على الرعاية الصحية، ولا يمكن للأغلبية الحصول على معدلهم الجديد المكلف.

تكافح المنظمات غير الحكومية لتزويد اللاجئين بأكثر من الرعاية الصحية الطارئة والأولية، ومنها علاج أمراض القلب والأوعية الدموية، والجهاز التنفسي ومرض السكري. وفي المفرّق، يعاني الأردنيون والسوريون بسبب ارتفاع معدلات الإصابة بالتهاب المفاصل والربو المزمن وفقر الدم الحاد، وفقًا للجنة الإنقاذ الدولية.

وقال محمد مساعدة، وهو مسؤول كبير في المركز الصحي للجنة الإنقاذ الدولية في المفرق: “انخفضت الخدمات الصحية المقدّمة من المنظمات الأخرى، وهذا يعني المزيد من الضغط علينا”.

يغطي 70 في المئة من برامج لجنة الإنقاذ الدولية الصحية اللاجئين السوريين، بينما يساعد الباقي منه (30 في المئة) الأردنيين الذين ليس لديهم تأمين صحي. تعمل العيادة الصحية في المفرق على دفعتين، وتعالج ما بين 250 إلى 300 مريض في اليوم. وقد أجبر نقص التمويل اللجنةَ على إغلاق اثنتين من العيادات الصحية المتنقلة، والتوقف عن توفير الاختبارات المخبرية وبعض الخدمات الطبية الأخرى للاجئين.

قطرة العين التي تستخدمها السيدة صطوف يوميًا لا تغطيها لجنة الإنقاذ أو المنظمات الأخرى. تزودها وكالة الأمم المتحدة للاجئين رواتب شهرية قدرها 211 دولارًا، تنفقها في الغالب على الإيجار والحاجات المنزلية، كما تتلقى بطاقات مساعدة (كوبونات) غذائية أساسية بقيمة 112 دولارًا.

تعيش العائلة في الغالب على الأرز والعدس والخبز والشاي. يعمل ابن السيدة صطوف البالغ من العمر 16 عامًا كعامل (باليومية) بأجر 8 دولارات في اليوم، لكن الشرطة ألقت القبض عليه مرتين، لعدم حصوله على إذن عمل، وصرفته.

قالت السيدة صطوف: “فقدتُ عائلتي، ولا أعرف كيف سنعيش”، ثم أضافت: “الحياة ليست بهذه البساطة، كما كانت في الماضي عندما كنا نعيش في مزرعة في بلدنا سورية”.

اسم المقالة الأصليHome and Husband Lost, a Mother of 8 Fears Her Sight Is Next
الكاتبرنا سويس،Rana Sweis
مكان النشر وتاريخهنيو يورك تايمز،The New York Times،12/12
رابط المقالةhttps://www.nytimes.com/2018/12/12/neediest-cases/syrian-refugee-family-jordan.html
عدد الكلمات985
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق