تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الدروس من عدم مواجهة الجيش الفرنسي “السترات الصفراء”

استجاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لمطالب احتجاجات “السترات الصفراء”، وتراجع عن القرار الحكومي برفع أسعار المحروقات، وأفرج عن 10 مليارات يورو بشكل عاجل، ورفع الرواتب، لامتصاص الغضب الشعبي، وطالب باجتماع عاجل مع الشركات والمؤسسات المالية الكبرى في فرنسا، لدعم نموذج اقتصادي واجتماعي جديد في فرنسا، يتم إقراره قبل نهاية العام، بعد أن دعاهم لتعبئة عامة، واستلهم كلمات جون كينيدي في خطابه الأخير، أمام ممثلي المنظمات المهنية الفرنسية: “اسأل نفسك كل صباح: ما الذي يجب عليك القيام به لأجل بلدك… وقل في كل لحظة ما عليك القيام به لخدمة الأمة… لهذا السبب أحتاج إليك”.

في سورية، عندما بدأت الثورة السورية، لم يتدخل جيش النظام في الأيام الأولى، لكنه سرعان ما تدخل وقام بحصار مدينة ودرعا، وفعليًا، كان الأمن العسكري هو سبب إشعال الثورة السورية المباشر، وذلك عندما اعتَقل عاطف نجيب (مدير فرع الأمن العسكري بدرعا) أطفالَ درعا، بعد أن كتبوا على جدران مدرستهم (إجاك الدور يا دكتور). كان تدخل الجيش السوري التابع للنظام العاملَ الأكثر ابتزازًا وإزعاجًا للشعب السوري، وفي المقابل، على الرغم من الاعتداء على (قوس النصر) في باريس، واقتراب متظاهري “السترات الصفراء” من قصر الإيليزيه؛ لم يتدخل الجيش الفرنسي، وإنما اكتفت السلطات الفرنسية بالأمن الوطني الفرنسي، وقوات حفظ النظام الفرنسية، بالرغم من خبرة الجيش الكبيرة في ميدان السيطرة على الحشود، وهي ميزة للجيش الفرنسي الذي أثبت جدارته آخر مرة، في صربيا وكوسوفو.

لكن فرنسا رأت في سورية درسًا مهمًا، بالنسبة إلى تدخل الجيش الفرنسي، من خلال عدة محاور هي:

أولًا: تجنب توظيف الجيش للحفاظ على النظام

في الحقيقة، لا يمكن نشر الجيش الفرنسي، إلا بطلب رسمي من اتحادات الشرطة الفرنسية كافة، وهو أمرٌ غير ممكن، إلا إذا قرر الرئيس الفرنسي نشره، وعلى الرغم من إعلان عدد من ضباط الشرطة الفرنسية عدم قدرتهم على التصدي للهجوم الذي قام به متظاهرو “السترات الصفراء”، على رمز الجمهورية والثورة الفرنسية: (قوس النصر)، فإن ذلك لم يسمح بضرورة طلب النجدة والتعزيزات من الجيش الفرنسي. أو إرسال “مفرزة” بالمعنى العسكري، لحماية هذا الصرح الرمزي.

بالمقابل، تمت تعبئة الجيش التابع للنظام السوري، مع بدايات الثورة السورية، ونُشرت الحواجز العسكرية حول المدن الثائرة وبينها، ثم بدأ مسلسل الخطف والاعتقال والحصار والتضييق والقصف والتدمير والتهجير.. بينما نجد أن تلميح ماكرون، بإرسال تعزيزات عسكرية إلى جزيرة (ريونيون)، قد أثار الامتعاض لدى الفرنسيين، لأن قوات الدرَك الفرنسي هي المسؤولة عن الحفاظ على النظام فيها. وقد تتسبب تلك الخطوة في انزعاج التسلسل الهرمي العسكري، فالجيش لا يمكنه التورط في مثل تلك المهمات.

نهاية التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة، طوّر الجيش الفرنسي دراية كاملة في أسلوب “السيطرة على الحشود”، ولتفادي المزيد من المشكلات التي قد تواجهها الشرطة، في كوسوفو، ولا سيما على جسر ميتروفيتشا، شاركت قوات المشاة في العملية، حيث تم تدريبهم وتجهيزهم لذلك العمل، إلا أن هذا الأسلوب بات مهجورًا، لكونه أسلوب عمل استخدمه الجيش الفرنسي في البلقان، أما في فرنسا فإن هذا المجال هو من اختصاص قوات الأمن الداخلي ومكافحة الشغب، لذلك لا توجد جيوش في هذه الحالة.

بالمقابل، فخبرة جيش النظام السوري تقتصر على تدمير مخيم البداوي شمال لبنان، ومخيم تل الزعتر، وقصف المدنيين اللبنانيين، وفي حماة بسورية، وقد لجأ إلى استخدام الاستراتيجية ذاتها في القمع مجددًا في سورية، في القصف والتدمير وإرهاب السكان وارتكاب المجازر. ففي الأشهر الستة الأولى كانت الثورة سلمية، ولكن تدخل الجيش التابع للنظام أجبر الثوار على عسكرة الثورة، وفي عام 2012 بدأت البراميل المتفجرة تسقط على رؤوس السوريين، وفي عام 2013 استخدم النظام السلاح الكيمياوي، فكان جيش النظام السوري أداة قمع.

في فرنسا اليوم، على الرغم من طرح فكرة حماية عسكرية ثابتة، من قبل اتحادات الشرطة، على فرضية أن الحشود الفرنسية الغاضبة تمكنت من تجاوز قوات الشرطة والشغب واقتحمت الإليزيه، فكيف يمكنها طلب نجدة الجيش بمثل هذه الحالة، وما هي ردة فعله في حال الاستجابة؟

ثانيًا: معظم الجنود الفرنسيين لهم أقارب وعائلات بين “السترات الصفراء”

من الناحية الاجتماعية، معظم الجنود الفرنسيين لديهم أقارب بين صفوف محتجي السترات الصفراء، وهم أنفسهم لديهم المشكلات الاقتصادية التي يعانيها ذووهم وأقاربهم، وهم في غالبيتهم ينتمون إلى الطبقات المتوسطة والعاملة.

والأمر ذاته بالنسبة إلى جيش النظام السوري، فقد ظهرت أولى الانشقاقات في صفوف الجيش، مع أول تدخل عسكري له في اقتحام مدينة درعا والجامع العمري، واستمر الأمر حتى انشق أكثر من نصف الجيش، بعد ثماني سنوات من الثورة السورية، وقد استعان النظام بالقوات الجهادية الشيعية المدعومة والممولة من إيران، وبالطيران الحربي الروسي.

أما صوت الجيش الفرنسي فهو أقرب لليمين المتطرف، حسب استطلاعات الرأي، وهو ما يشكل خطرًا في ارتفاع منسوب الشعبوية الفرنسية في حال تدخله، وهو ما سيزيد من تعقيد الأمور في فرنسا. في حين كان صوت الجيش السوري مسلوبًا وما يسمى بالجيش العقائدي والبعثي، وأداة قمعية.

فالاستياء الاجتماعي كامن في الجيوش والقادة العسكريين، الذين يطالبون بضرورة زيادة ميزانيتهم، ورواتب الضباط والجنود، وبأن تكون هناك نتائج ملموسة وعاجلة. رغم وجود ما يسمى “الخطة العائلية” لدى وزارة الدفاع الفرنسية التي تزعج الجيش.

ثالثًا: ميزانية الجيش ستكون مهددة

مهما كانت نتيجة الأزمة، وأيًا كانت الحكومة التي ستديرها، فهناك أمرٌ واضح، وهو أن تدخل الجيش في فرنسا سيكلف الدولة ميزانية هي بغنى عنها، وهي تفضل استخدامها لزيادة الميزانية ودعم الفئات الشعبية والمتوسطة اجتماعيًا. بالمقابل استنزف الجيش التابع للنظام قدرات سورية الاقتصادية، وزاد الدمار دمارًا، وأدخل البلاد في نفق بلا نهاية.

_____

(*) أحد نتائج الدورة الإعلامية في أكاديمية قاسيون وشبكة جيرون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق