تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

النظام السوري والشرعية الدولية… الممكن والاستحالة

لا يُشكّل الموقف الأخلاقي والإنساني عاملًا مؤثرًا في طبيعة ومتانة العلاقات الدولية، وفق الوقائع والأحداث اليومية التاريخية والحالية، وهو ما ينطبق كذلك على الموقف من نظام الأسد. فمثلًا لم تُساهم وحشية وإجرامية الاحتلال الإسرائيلي في حصاره دوليًا ورسميًا، منذ نكبة عام 48 حتى اللحظة الراهنة، كما لم تتأثر علاقات التحالف الوثيقة بين الدول المتطورة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، مع الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية التابعة أو الصديقة لها، كدول أميركا الجنوبية وعلى رأسها كولومبيا، والدول العربية وعلى رأسها مصر والسعودية، إضافة إلى الدول الأفريقية مثل جنوب أفريقيا إبان الحكم العنصري، والكونغو ورواندا، وغيرها الكثير من الدول الاستبدادية والقمعية. كما تؤكد ذلك السياسية الدولية اليوم بكل وضوح وصفاقة، ولا سيما خطابات وتعليقات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لا يجد غضاضة في تجاهل التقارير الاستخباراتية حول مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، من أجل جملةٍ من المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة مع المملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من الصخب الإعلامي الذي يرافق بعض اللقاءات الرسمية أو الشعبية -على قلتها- مع بعض المسؤولين السوريين وعلى رأسهم الأسد، فإن تتبع وإدراك مغزاها ودلالاتها يجب أن ينطلق من تحليل أهمية سورية بالنسبة إلى مجمل المصالح الدولية في المنطقة من جهة، واستقراء قدرة النظام على التحكم فيها من جهة أخرى، حيث تتمتع الجغرافيا السورية بالعديد من عوامل القوة والتأثير على حاضر ومستقبل المنطقة، وفق ما يؤكده تاريخها وتاريخ المنطقة، من أهميتها الجيوسياسية، إلى ثرواتها الباطنية والاقتصادية المتنوعة والمتكاملة، مرورًا بإمكاناتها البشرية الفاعلة والمؤثرة سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا. لذا امتلكت سورية القدرة على التأثير في نجاح هذا التيار أو ذاك خارج حدودها الجغرافية، مثل دورها في الصراع العربي- العربي، أبان حكم جمال عبد الناصر، وفي الحرب العراقية الإيرانية وما تبعها من حرب خليجية، مرورًا بالعديد من الأحداث والقضايا الأخرى. وهو ما جعلها إحدى أهم أهداف الصراعات الدولية في المنطقة منذ بدايات القرن المنصرم -بالحد الأدنى- الذي شهد العديد من التحالفات والأحلاف الاستعمارية، بغرض السيطرة عليها وتطويعها بما يخدم المصالح الدولية.

لكن اختلف الوضع نسبيًا في المرحلة التي تبعت انطلاق الثورة، نتيجة سياسة النظام الإجرامية والقمعية، التي سخّرت كل شيء من أجل سحق الثورة وهزيمة السوريين؛ الأمر الذي فرض انسحاب وتقوقع سورية عن جميع القضايا الإقليمية والدولية أولًا، وتمكين قوى الاحتلال الخارجي من التحكم فيها ثانيًا. إذ أدى فشل النظام في قمع الثورة والسوريين بقواه الذاتية، إلى الارتماء في الأحضان الإيرانية بداية، والروسية لاحقًا، بعد الوهن والضعف الذي أصابه، وبات من بعده عاجزًا عن مواجهة الشعب، وعن التحكم في قدرات سورية، مما أفسح المجال أمام القوى الخارجية الروسية والتركية والإيرانية كي تتحكم كيفما شاءت بها. وبالتالي فقد خسر النظام كما خسر السوريون قدرتهم على التأثير في فضائهم الجغرافي، والداخلي أيضًا، وهو ما نلمسه في جميع قضايا المنطقة، والقضايا السورية التي أضحت قضايا أمنية أو اقتصادية أو سياسية روسية وتركية وإيرانية.

بالتأكيد، لم تفقد الجغرافيا السورية قدراتها بمقدار ما فقد النظام قدرته على التحكم فيها، كما حال بممارساته القمعية والإجرامية دون تمكين السوريين من التحكم فيها، وعليه أضحت سورية بإمكاناتها اليوم لعبةً في أيادي القوى الخارجية التي تسيطر عليها، وخصوصًا الروس وبدرجة أقل الإيرانيين والأتراك، على اعتبارهم القوى الأكثر تحكمًا في مصادر قوة سورية الجغرافية والجيوسياسية والاقتصادية، وإن فشلوا جميعًا حتى اللحظة في التحكم في قدراتها البشرية. لذلك يبدو أن عملية السيطرة على سورية لم تصل إلى خواتيمها بعد، الأمر الذي يضفي حالة من الضبابية حول الجهة أو الطرف صاحب الكلمة العليا، وربما الوحيدة فيها، وإن كانت الأمور أقرب إلى السيطرة الروسية شبه الكاملة. وهو ما عزز من المطامح الخارجية الأميركية والإسرائيلية والروسية والإيرانية والتركية الساعية نحو فرض سيطرتها على سورية ومقدراتها، مما يمنحهم قدرة التأثير على المنطقة وعلى المصالح الدولية فيها انطلاقًا من سورية، وهو ما سوف يجعلهم رقمًا صعبًا في المنطقة وربما في العالم.

لم تسفر الثورة السورية عن خسارة الأسد شرعيتَه الداخلية فقط، بل كانت السبب الرئيس في فقدانه قدراته العسكرية والأمنية والتعبوية التي كانت تمكنه من التحكم في دور وموقع سورية، وهو ما يجعلنا على قناعة باستحالة تأهيل الأسد أو نظامه مرة أخرى، فلا أهمية تذكر لذلك، لدى أي جهة خارجية أم داخلية إقليمية أو دولية. بل يعتبر الأسد ونظامه أحد أهم الأسباب التي تعيق التحكم بسورية وبجميع قدراتها وإمكاناتها؛ وخصوصًا البشرية؛ وإنما يمكن أن نعزو مظاهر التعامل مع النظام السوري إلى منطلقين مختلفين ومتباعدين: الأول كتعبير عن بعض الأشخاص والجهات الهامشية عربيًا ودوليًا، ممن يحاولون استثمار موقفهم من الأحداث السورية، من أجل إثبات صحة مواقفهم في قضايا دولهم الداخلية، وهي بالمناسبة زيارات ولقاءات وأخبار، وإن كانت متباعدة، مستمرة منذ اليوم الأول في حصار وعزل النظام السوري، ولا تملك أفق تطور سياسي أو اقتصادي مستقبلًا. والثانية مجرد محاولة تقارب من الروس أو الإيرانيين، على اعتبارهم حماة الأسد الوحيدين اليوم، وفقًا لأقوالهم المعلنة، ودون تحمل مسؤولية التحالف والتعاون الكامل مع أي منهما حاليًا، نتيجة الحالة الضبابية المحيطة بمستقبل سورية، أو بطبيعة الجهة المسيطرة عليها.

في النهاية، لن يتمكن النظام -مهما حاول- من العودة إلى مرحلة ما قبل الثورة السورية، في ظل الضعف والهوان والتبعية التي أضحى بها، ونتيجة خسارته العامل الأهم للسيطرة على سورية ومقدراتها، وهو الشعب السوري. بينما تواجه أي قوة تحتل جزءًا من الأراضي السورية معضلة التحكم والسيطرة بقدراتها البشرية، التي عبرت منذ الثورة حتى اليوم عن تطلعاتها نحو مستقبل ترسم ملامحه بقواها الذاتية، ووفقًا لمصالحها الوطنية، وهو ما يتطلب من السوريين، عاجلًا أم آجلًا، رصّ الصفوف وتنظيمها، من أجل دحر جميع قوى الاحتلال والاستبداد والتخلف، التي باتت العائق الرئيس في مسار سيطرة السوريين على قدرات وإمكانات الجغرافيا السورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق