تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

زيارة البشير للأسد… زيارة مأزوم لآخر أم “ساعي بريد”

زيارة الرئيس السوداني عمر البشير للعاصمة دمشق، ولقاؤه رئيس النظام السوري بشار الأسد، وقبلها اللقاء الودي بين وزير خارجية النظام وليد المعلم ووزير خارجية البحرين، وما يُشاع عن نيّة الإمارات إعادة فتح سفارتها في دمشق، كل ذلك يطرح تساؤلًا حول نيّة بعض الدول العربية إعادة علاقاتها مع نظام الأسد الذي جُمّدت عضويته في الجامعة العربية قبل نحو سبع سنوات، فهل هناك رسائل يحملها البشير من دول عربية بهذا المضمون؟ وهل هناك “تهافت” عربي بالفعل تجاه النظام الذي قتل نحو مليون إنسان من شعبه.

حول هذه المواضيع، قال محمد نجيب عدل، الناشط السياسي السوري، لـ (جيرون): “أعتقد أن صدور إشارات أميركية وأوروبية، بالقبول ببقاء الأسد، أعطى الضوء الأخضر لدول عربية كثيرة بقبول فكرة بقاء الأسد، وخاصة أن لجنة المفاوضات لقوى المعارضة أبدت موافقتها على بقاء الأسد، ولو كان ذلك مدة محدودة ريثما تتم الانتخابات العامة. وقد شجع ذلك الأمر دولًا عربية تشترك مع نظام الأسد في الحكم الشمولي والدكتاتورية، على الاتجاه نحو هذا المنحى، لإعادة تأهيل نظام الأسد، لكنهم لن ينجحوا في مسعاهم هذا، وخاصة أن النظام بات متورطًا في جرائم حرب، وقد قتل نحو مليون إنسان من أبناء سورية، ودمر المدن، واعتقل مئات الألوف، وهجر أكثر من عشرة ملايين، واستخدم شتى أنواع الأسلحة حتى الكيمياوي لقتل السوريين. وإن شعبنا السوري الحر سيبقى على العهد، رافضًا هذا النظام المجرم، بكل الوسائل المتاحة له، حتى تحقيق أهدافه في الحرية والكرامة، واقتلاع هذا السرطان الخبيث من الجسد السوري”.

موسى الملحم، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان – فرع المهجر، قال في حديث إلى (جيرون): إن الدور العربي كان صريحًا في بداية الثورة السورية، في إعطاء مهلة للنظام لإجهاض الثورة، وعندما لم يفلح النظام، لم يكن تدخل النظام العربي في مصلحة الشعب، بل توزعت الأدوار تماهيًا مع مشيئة الدول التي لا تريد خيرًا للشعب السوري، فكان دعم الميليشيات والغرف العسكرية ذات المرجعيات المتعددة، من غرفة (الموك) إلى (جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن)؛ ما شتت الثورة والثوار وثبط من عزيمتهم، بل ذهب الدور العربي، في مرحلة من مراحل الثورة السورية، إلى أن أصبح ممولًا وداعمًا، سواء ماليًا أو في المحافل الدولية لما تريده القوى ذات المصالح والنفوذ، وإن كان ذلك يتعارض مع مصالحهم الوطنية ومصالح شعوبهم”.

وأضاف الملحم: “ما استجد اليوم أن ذلك الدور أصبح أكثر صراحة ووضوحًا أو (كشف المستور) وبالتالي فإن التهافت على مد الجسور مع نظام الطاغية في دمشق، ليس جديدًا ولا مستغربًا، إذ لطالما كانت معظم الدول تدعم من تحت الطاولة، ماليًا، الكثير من العمليات التي يقوم بها النظام والروس ضد الشعب الأعزل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بذريعة محاربة الإرهاب، بينما تصرح في إعلامها أنها تدعم ثورة الشعب السوري، كما أن معظم الدول العربية لم تقطع علاقاتها مع النظام أصلًا، بزعم أن في ذلك مصلحة الشعب السوري، فالسفارة المصرية وبعض البعثات الأخرى لم تغادر دمشق كالجزائر، ولا يمكن أن تُقدِم الأنظمة العربية (الخدمية) على ما تقوم به، لولا رضا السيد الأميركي الذي اشترت رضاه بأغلى الأثمان، والأصح أن ما حصل ويحصل من تقارب يدل على رضًا إسرائيلي، وليس أميركيًا فحسب، ولِمَ لا! فقد قام الممانع والمقاوم، نيابة عن كل أعداء الأمة، بتدمير كل مقومات الحياة السورية، حيث أصبح أكثر من نصف الشعب السوري بين قتيل ومعاق ومهجر، وبلا مأوى، إضافة إلى أن البنى التحتية للدولة السورية أصبحت بحاجة إلى عقود كي يتم بناؤها من جديد، ناهيك عن الجرح المجتمعي الذي ربما يحتاج إلى عقود وعقود ليتعافى، فلا مانع من مكافأة هذا النظام الذي أصبح صنيعة وأمثولة، وجعل من شعبه عبرة تهدد به الأنظمة شعوبها الطامحة للحرية”.

أما الباحث السوري خالد صالح فقد اكتفى بالقول: “أعتقد بأن هذا النظام لا يحتاج إلى إعادة تأهيل، فمن المحيط إلى الخليج المباركة قائمة”.

الكاتب الفلسطيني السوري تيسير الخطيب تحدث إلى (جيرون)، وقال: “النظام السوري -ككل أنظمة الاستبداد العربية- كيانٌ خدمي وظيفي، يقوم على خدمة مصالح وعلاقات محددة، وقد بات أشد ارتباطًا بالمراكز السياسية الإقليمية والدولية، بعد الاهتراء والضعف الذي أصاب قوته في أتون أحداث الثورة السورية، وهو كنظام خدمي يعتبر أمنه وبقاءه مرتهنًا للقوى التي يخدمها، أكثر منه لقواه الذاتية التي ما ينفك يؤكد على صلابتها، بينما تثبت الأحداث السياسية عكس ذلك، بالرغم مما يظهر على سطح الأحداث من أنه استطاع الحفاظ على سلطته واستمراريتها. عودة النظام إلى الحظيرة العربية، كما اعتادوا تسميتها، مرهونة بقرار القوى الدولية المتصارعة على الأرض السورية، التي تضمر أهدافًا أخرى غير ما تعلن، وهي بالتأكيد صاحبة القرار بذلك، وهذا مرتبط بمستوى انصياع النظام لمحصلة الإرادات المتصارعة، وفي مقدمتها الأميركية والروسية، فزيارة عمر البشير التي سبقتها إشاعات عن إعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق، ولقاء وليد المعلم لوزير خارجية البحرين، أو العلاقات المستمرة مع نظام قابوس، والنظام المصري، وكذلك فتح معبر نصيب مع الأردن والعلاقات مع أطراف لبنانية وعراقية وتونسية، وزيارات وفود من اليمين الأوروبي في بعض الدول، كلها مؤشرات على محاولات إعادة تأهيل النظام من قبل تلك الأطراف، وكذلك دعوة الروس عددًا من الدول إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، توحي بترابط هذه الحلقات، ولكنها ليست كلها تعمل على خط التوجه الروسي”.

ورأى أن خصوصية زيارة البشير الرئيس الانقلابي على الحكومة المنتخبة في السودان عام 1989 المطلوب إلى محكمة الجنايات الدولية بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب “ليست بالقيمة التي يعطيها البعض لهذه الزيارة، التي أتت على خلفية زيارة سابقة له إلى موسكو، ولكن عمر البشير الذي ليس لديه ما يقدمه لنظام المجرم بشار الأسد، فقد الغطاء السعودي المالي والسياسي، وتتصاعد لديه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في أرجاء السودان، وهو يحاول التعويض عن ذلك، وخصوصًا بعد تصاعد الأزمة السعودية مع المجتمع الدولي، بعد جريمة قتل (خاشقجي) بأن يجد مصادر للحماية، وخصوصًا أنه على الرغم من جميع التنازلات التي قدمها للولايات المتحدة قي قضية الجنوب ودارفور، وفي قضايا كثيرة منها انضمامه إلى التحالف السعودي الإماراتي، لم يستطع أن يحقق أيًا من رغباته برفع اسمه عن قائمة دعم الإرهاب أو تحسين سمعته في ملف حقوق الإنسان، بحيث لا زال الابتزاز الأميركي له مستمرًا. وعلى الرغم من تفاوض مسؤولين سودانيين سرًا مع (إسرائيل) للتطبيع ولتحقيق رغباته، فإن أزمته تتصاعد”.

وأضاف: “البشير بزيارته يُرسل الرسائل باستعداده للانضواء تحت العباءة الروسية الإيرانية، بعد أن ابتعد عنها سابقًا، وهو ككل أنظمة الاستبداد، يرى الحلول للمشاكل الداخلية من خلال اللجوء إلى الدعم الخارجي. ومَن أولى من روسيا اليوم وحليفتها إيران من دعم ومساندة الحكام الذين يغتصبون دولهم وشعوبهم. ولا بد أيضًا من الإشارة إلى أن حكومات وأنظمة الاستبداد كافة، وخاصة تلك التي ادّعت دعم الثورة السورية ونصرة الشعب السوري، هي أول من أنجز أجندة النظام، وضربت وحدة الثورة والشعب، وخلقت من التعقيدات مالا تستطيع أي ثورة شعبية تجاوزه، وصولًا إلى الانسحاب من دعم الثورة بعد تخريبها، وتركها في المواجهة عارية مع النظام المجرم، فأنا لا أستبعد أن يكون هناك مزيد من الزيارات والتحركات للاقتراب من النظام السوري، ولكن ذلك لا يعني إعادة إدراجه رسميًا وعلنيًا في الوضع العربي والدولي، لأن قرارًا استراتيجيًا لا بدّ أن يتخذ في ذلك، في مراكز صنع القرار للمشغلين الدوليين لأنظمة الحكم العربية”.

أما الكاتب والمعارض السوري عزت الشيخ سعيد فقال “كما أن ملّة الكفر والعهر واحدة، وإن اختلفت الأسماء والوجوه والطرق والأساليب المعبرة عنها، فإن ملة الطغيان والاستبداد والقهر والفساد والإفساد المؤدية إلى خراب العمران والبلاد والأوطان، واحدة لا تغير من طبيعتها. تغيّر الأسماء والبلاد وطرق التطبيق، البشير يزور البشار، فأسد طاغية يزور مثيله، وكلاهما أوصل البلاد التي يحكمها إلى حالة من الفوضى والخراب والاحتراب، وزوال الأمن والأمان وتدخل الدول الأخرى في صناعة تاريخ مقيت خارج القدرة على تصوّرنا له، نعيشه ولا نعرف إلى ماذا سينتهي”.

وأضاف: “زيارة طاغية السودان ما كانت لتتم، لولا موافقات وتوافقات بين دول عربية ودول جوار وأخرى عالمية، ورسائل تحملها هذه الزيارة، وللتذكير البشير مطلوب للمحكمة الدولية، والبشار في طريقه كذلك إلى ذات النتيجة، ولا أعتقد أن الزيارة لإعادة تأهيل البشار، فهذا النظام المتهالك والخارج على كافة الشرائع والقوانين لا يمكن لأحد أن يعيد تأهيله، هناك بكل تأكيد رسائل يحملها البشير إلى البشار، وتحتاج معرفتها إلى بعض الوقت، وربما الرسالة الأهم هي رسالة إلى الشعوب أكثر منها إلى غيرهم، مفادها أن من يفكر بالثورة على حاكمه فسيلقى هو وبلده ذات المصير الرهيب، بغض النظر عن مصير الحاكم. وأخيرًا تحاول نظم الاستبداد دعم بعضها البعض، ولكن إلى حين. ما زلنا نؤمن أن ثورات الشعوب ستنتصر، طال الزمان أو قصر”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق