مقالات الرأي

واشنطن والشمال السوري

يُعيد ترامب اتخاذه قرارًا بسحب القوات الأميركية المتواجدة في الشمال السوري، بعد أن اضطر إلى التراجع عنه في نيسان/ أبريل الماضي، على إثر تدخل البنتاغون، والذهاب إلى استراتيجية جديدة تتمثل في إبقاء طويل غير محدود، تتجاوز مهامها محاربة تنظيم (داعش) والقضاء عليه. كان ترامب قد أعلن حينذاك هزيمة (تنظيم الدولة الإسلامية)، وبذلك يسقط أيّ مبرر لبقاء القوات الأميركية، من جهة، وأنه ماضٍ في الإيفاء ببرنامجه الانتخابي الذي تضمّن الحدّ من التواجد العسكري الأميركي في الخارج، مُغلفًا رغبته في إزالة أو هدم ما قام به سلفه باراك أوباما.

غير أن الانسحاب الأميركي من الشمال السوري -في اعتقادنا- لن يحدث هذه المرة أيضًا، وعلى الأرجح سوف تحمل الأيام القادمة تعزيزًا لاستراتيجية البنتاغون في البقاء، دلالته ردّة الفعل الأولية للبنتاغون على قرار ترامب، بأنه سوف يستمر في العمل مع شركاء الولايات المتحدة، وأن إعادة القوات الأميركية لن تؤدي إلى وقف استراتيجيتها في الشمال السوري، التي تُعنى اليوم بتدريب قوات (قسد) والشرطة، ورفع جاهزيتها القتالية، وتثبيت الأمن في المنطقة التي تقع تحت سيطرتها، وهو ما كان قد أشار إليه المبعوث الأميركي جيمس جيفري قبل أيام.

التعديل الذي يمكن أن يطرأ هو إعادة تمركز القوات الأميركية وتحجيم عديدها، وتحديد مهامها بدقة أكبر، في ظل وجود أربع قواعد عسكرية، في الرقة والحسكة، لم يجر الحديث عنها مطلقًا، وبغض النظر عن الهدف الأساس للتواجد الأميركي، فإنّ من المستبعد كليًّا أن يؤدي إعادة جزء من القوات الأميركية، التي لم يُعلن البنتاغون عن أعدادها الحقيقية، إلى إخلاء المنطقة التي تدخل في إطار المناطق الاستراتيجية الأميركية، من حيث النفط والغاز، وتماسّها مع الجوار العراقي.

الوجود العسكري لم يكن سوى مظهر استعراض للقوة، ولم تكن له مهام قتالية، وتطورت أعداده من مستشارين عسكريين، إلى قوات صغيرة مؤللّة لتقديم الدعم اللوجستي والمعنوي لأداتها في المنطقة: (قوات سوريا الديمقراطية)، خاصة لمنع أي تمّاس عسكري مباشر بين الجيش التركي و(قسد)، إضافة إلى قيامها بدور الرادع لأي هجوم قد تشنّه فصائل (الجيش الحر) على قوات (قسد).

يأتي قرار ترامب، في ظل تنامي الحديث عن العملية العسكرية التركية المرتقبة شرق الفرات، التي تستهدف إزالة وجود ميليشيات صالح مسلم في المنطقة، وعلى طول الشريط الحدودي السوري مع تركيا، ومع التوافق الأميركي – التركي، حول مسائل عديدة تخصّ الدور التركي في المنطقة، ومن ضمنها تلك العملية، فإن واشنطن ما تزال مترددة بشأن إطلاق اليد التركية في الشمال السوري، معرّضة حليفها على الأرض لخطر التدمير والإبعاد، غير أن منطق المصالح المشتركة قد يكون هو الدافع الرئيس كي تتقدم خطوة في دفع فكرة الانسحاب العسكري، الموجودة على طاولة البيت الأبيض كما البنتاغون، على الدوام، والتي تبقى رهنًا بالتطورات الحاصلة في المنطقة.

لا شك في أن الإدارة الأميركية، لا مشكلة لديها في عودة جيش النظام الأسدي إلى المناطق التي يمكن أن تُخليها القوات الأميركية. الحقيقة أنه لا توجد مناطق تحت السيطرة الأميركية المباشرة، وتواجد القوات محدود ولوجستي، وهو ذو وظيفة تدريبية ومهامه استشارية وأمنية، وفي الوقت نفسه لن تتمكن موسكو من التمدد في المنطقة، في سياق التفاهمات الأميركية – الروسية السابقة، مع إدارة اوباما، بشأن تقاسم التواجد في المناطق السورية، وليس من مصلحة الكرملين خرق هذا التفاهم، وتعريض المناطق التي يسيطر عليها شرق حلب إلى تقلبات وتبدلات في موازين القوى.

بالعودة إلى تصريحات المبعوث الأميركي إلى سورية جيمس جيفري، الأخيرة، نجد أنه أشار بوضوح إلى “أن واشنطن لا تهدف إلى إسقاط الأسد”؛ ما يعني استمرار سياسة الباب الموارب التي انتهجها أوباما بشأن سورية، والموقف من النظام السوري، الذي لم يتغير: واشنطن غير معنية بإسقاط النظام، ولكنها سوف تكون حاضرة بقوة في إعادة تدوير النظام، بدور أساسي، عبر دستور جديد، لكنها لم تتخذ قرارها الحاسم بشأن ذلك، ولا تمنع النظام الأسدي وحلفاءه في الوقت نفسه، من الاستمرار في ارتكاب جرائم الحرب البشعة ضد المدنيين.

كذلك لا تُمانع (قوات سوريا الديمقراطية) دخول النظام، الذي تربطها به علاقات مميزة، وهو ما عبّر عنه رياض درار، الرئيس المشترك لما يُسمى بـ (مجلس سوريا الديمقراطية)، ردًا على قرار ترامب: “لقد خاطبنا النظام السوري ليتحمل مسؤولياته، إن كان ما يزال يعتبر نفسه ممثلًا لسورية”.

سوف تكون (قسد) أمام حالة تهديد لوجودها في المنطقة، فالطريق إلى مناطق شرقي الفرات، من منبج إلى الرقة، سوف تكون مفتوحة أمام الجيش التركي، وهذا يضع (قسد) أمام خيارين صعبين: إما أن تواجه التدخل التركي، وهذا مستبعد إلى حدّ ما، وسوف تبقى مواجهتها متركزة في صدّ هجومات فصائل (الجيش الحر) عبر معارك قصيرة، نتائجها محسومة مسبقًا في ظل الدعم العسكري، الجوي والبري التركي، ليبقى الخيار الآخر، وهو الانسحاب شرقًا، وإعادة التمركز بعيدًا عن المناطق الحدودية، أي في الجيب الممتد من جنوب شرق الرقة باتجاه ريف دير الزور والحسكة.

سوف تسلك (قسد) الدروب التي فتحتها، قبل نحو عام ونصف من الآن، أمام مقاتلي (داعش)، وسوف تنحصر وظيفتها، في المهام التي أعلن عنها ترامب الأربعاء الماضي، بمواصلة العمليات العسكرية، لإنهاء جيوب (داعش).

مع قرار ترامب؛ تسقط كل الفرضيات الأخرى، والأوهام والمبررات التي طالما تحدثت عنها الإدارة الأميركية، بأن وجودها في سورية لا يرتكز على محاربة (داعش) فقط، وإنما على الإرهاب برمته، ومنع تمدد إيران، والحدّ من تدخلاتها في المنطقة، والعمل على إخراجها من سورية.

لم يُهزم تنظيم (داعش) حقيقةً حتى اليوم، لقد أعاد انتشاره، وغيّر من أشكال نشاطه وأنماط سلوكه، ومناطق تواجده بشكل ملحوظ، كما أن الإرهاب في المنطقة ما يزال حاضرًا، ليس في تنظيم القاعدة فحسب، وإنما عبر الميليشيات الإيرانية والعراقية و(حزب الله)، والنظام الأسدي بصورة خاصة، الأب المؤسس للإرهاب في المنطقة، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني وأذرعه الأمنية والسياسية التي تنتهج أساليب القمع والقهر في الشمال السوري، وتقوم بانتهاك منظم لحقوق الإنسان، عبر الاعتقال والتعذيب والاغتيال، وإهمال مرافق الخدمات العامة بشكل مقصود.

كل ذلك يحدث في ظل رعاية الجيش الأميركي في المنطقة، وانسحابه أو إعادة تمركزه وتحديد مهامه، سوف يُسقط ورقة التوت عن ميليشيا (قسد) ويضعها في مواجهة غير متكافئة مع تركيا.

بانتظار تطورات الأيام القادمة، التي يتحدد فيها مصير المنطقة على طاولة التفاوض بين البيت الأبيض وترامب، وبين أنقرة وواشنطن، علينا ألا نغفل عن أن ترامب رجل أعمال ومقامر، سوف يحسب موازين الربح والخسارة والفائدة، وفي ضوء المحاصيل، إما أن يبيع أو يشتري!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق