أدب وفنون

عن الانفجار السوري الكبير

“كيف لي أن أقفَ على الحياد وقد انتظرت هذه اللحظة طوال حياتي، ودفعت ثمن خياراتي أكثر من مرة، أنا الذي طحنني الاستبداد وعصف بحياتي مثل كثير من السوريين؟ مع ذلك ربما أدخلنا الظلم في حالة انعدام التركيز بالفعل، وكنا نحتاج إلى بعض الوقت حتى نستدرك ونفكر بعقلٍ بارد، وحين وصلَ بعضنا إلى هذه الحالة، كان الخراب قد ذهب بنا بعيدًا، ولفظنا الصراع الدامي على هامش الأحداث..”.

بهذه الكلمات يُلخص منير شحود مؤلف كتاب الانفجار السوري الكبير/ الحرية والكرامة بين مخالب المفترس، معاناة كثيرين منّا، من سلطةٍ مستبدة جثمت على صدورنا عقودًا.

منير شحود من مواليد علم 1958 في بلدة دريكيش التابعة لمحافظة طرطوس، يحمل شهادة دكتوراه فلسفة في الطب- التشريح، كان مدرسًا في الجامعات السورية، قبل فصله من العمل عام 2006؛ على إثر توقيعه وعدد من المعارضين السوريين إعلان بيروت/ دمشق، وحُرم من التدريس -أيضًا- في الجامعات الخاصة عام 2010، بموجب قرار صادر عن مكتب الأمن الوطني.

ولأنه ينتمي بالولادة إلى الطائفة العلوية، كان الحيف والاضطهاد عليه مضاعفًا، بسبب معارضته الاستبداد، حيث تم التضييق عليه –أيضًا- من بعض المحيطين به، بسبب هذا الانتماء، ونُظر إليه كخائن، فضلًا عن نظرة بعض أبناء الأكثرية السنية، ومن ضمنهم بعض مثقفيها! فهو من تلك الطائفة الخارجة عن ملّة الجماعة، حتى لو خرج عن جلده، في نظرهم ونظرِ تلك المنظومة الأمنية.

كتاب الانفجار السوري الكبير الصادر عام 2017 عن دار ميسلون للطباعة والنشر التابعة لمركز حرمون للدراسات، يقع في 268 صفحة من القطع الوسط، يدوّن فيه الكاتب، لغاية الفصل العاشر منه، مشاهداته ومشاعره. وهو أقرب إلى مذكرات إنسان سوري تنشّق نسائم الحرية، بعد أن خط أطفال مدينة درعا تلك العبارات على جدار مدرستهم، المناهضة للنظام، تأثرًا برياح الربيع العربي التي اجتاحته، لتتكسر جدران الصمت.

أجل، هو يرصد الحراك الشعبي في انفجاره بعد تراكمات من الاستبداد والتهميش، وكيف لكاتب هذه السطور وسواه من السوريين الذين حلموا بهذه اللحظة التاريخية، أن يقفوا على الحياد منها!؟ هي صرخة صاحب مقهى النت في مدينة تونس، الذي ساهم مقهاه في تحويله إلى مقر عمليات الشباب التونسي المنتفض على سلطة مستبدة، بعد أن أضرم “البوعزيزي” النار في نفسه، احتجاجًا على الظلم، وحين صاح صاحب المقهى: “هرمنا لأجل هذه اللحظة التاريخية”.

نعم، في البدء، لم يكن أحد منا ليصدق أن الشباب قد تمكن من كسر جدار الصمت والخوف، ربما كان وقع الصدمة علينا، نحن من نُدعى بالمعارضة السياسية، لما بلغه الشباب من جرأة، أكبر من وقعها على النظام الذي اتخذ كل التدابير الاحتياطية لحدث كهذا، أما نحن (من نُسمي أنفسنا معارضة) فقد تجاوزنا الشارع كثيرًا؛ لا بل وقف الكثير منا متفرجًا وحسب، بذريعة أن الفعل للشباب الذي تُرك بلا حكمة تقوده، لينجرّ إلى الفخ الذي نصبه له النظام، لتنحرف الانتفاضة السلمية وتتحول إلى العسكرة، فضلًا عن تدخلات وأحلام وانتقام من المنفيين قسرًا أو طوعًا، بعد أحداث الثمانينيات الدامية التي ساهمت فيها جماعة الإخوان المسلمين في سورية.

ذات المشاعر التي انتابت الكاتب انتابت أغلب السوريين: “المشاعر التي تنتاب الفرد في مظاهرة، بعد عقود على الصمت والخوف، لا يمكن وصفها ببساطة. إنها مزيج من كل المشاعر، وقد تكثفت حدَّ الانبهار، كطبخة لذيذة اختلطت فيها كل الطعوم، فلا تعود تميز أيًا منها، الخوف في المظاهرة مختلف عن مثيله في الظروف العادية، إنه يتوزع على الجميع، فلا يبقى منه غير ارتعاشة عابرة”.

أذكر هذا الشعور جيدًا، بعد أن حطم شبان دير الزور تمثال باسل الأسد، وكانت الساحة تسمى باسمه، تجرأ أحدهم ليكتب عليها بطلاء البخاخ ساحة الحرية، وقفت ذاهلًا من جرأتهم، على الرغم من التواجد الأمني الكثيف! لم يستخدموا الرصاص ذلك اليوم، بل خراطيم المياه التي لم تجدِ نفعًا في تفريقهم، بل انقضت مجموعة من الشباب على حملة الخراطيم، ليقوموا هم بتفريق رجال الأمن، وانطلقت الهتافات أعلى، فاتخذت شكلًا آخر، لتتحول إلى صرخة (الشعب يريد إسقاط النظام)، بعد أن صُدم الشباب بركاكة وهزالة خطاب الرئيس وقهقهاته من على منبر البرلمان، وكأنه يتحدث في عالم آخر. كانت بالقرب مني امرأة ربما تجاوزت السبعين من العمر (وربما معاناتها جعلتها تبدو هكذا) أخذت تصرخ بصوت فيه من النحيب: “يا بن الحرام، أريد أولادي الذين نهبتم عمرهم من عام الثمانين”، ونزلت الرصيف إلى وسط الشباب تلوح بطرف عباءتها وهي تردد هتافاتهم، التفتُ للخلف كان يقف قربي رجل يقاربني بالعمر نادى بي (أخوي ول صحيح قدرنا نقول يسقط النظام؟!).. هتفنا معًا ذات العبارات، وفي أول صرخة لي، ما زلت مسكونًا بالخوف، بالكاد كنت اسمع نفسي، وما إن أصبحت بين الجموع حتى تعالى الهتاف، وامتزجت معي ذات المشاعر التي انتابت الكاتب، قراءة هذا الكتاب أعادتني لتلك الأيام، وكأنه يتحدث عما مرَّ به كل واحد منا، تلك اللحظات التي مرت بنا كحلم، ما إن تحول إلى كابوس فيه مشاهد الدم والموت والتهجير.

يرصد الكاتب وقائع عايشها ما بين اللاذقية ودمشق، وكأنه يتحدث عن أي مدينة سورية انتفضت هي أيضًا، مع فارق ما للكاتب من علاقات مع أصدقاء لهم كلمتهم في المعارضة السورية، وبخاصة صديقه التاجر الليبرالي المعارض المعروف، الذي لم يشأ ذكر اسمه صراحة، بل ذكره تلميحًا ربما صونًا منه للعشرة والخبز والملح، وعدم الرغبة في التشهير به علانية، بعد أن صدمته مواقف صديقه على مستوى علاقاته الخارجية وارتباطه بأجندات إقليمية، حيث ساهمت هذه الدول في حرف مسار الحراك العفوي السلمي، لصراع دامٍ وحرب مجنونة أتت على الأخضر واليابس، فضلًا عن توجهه إلى الانزلاق الطائفي الذي تجلى فيما بعد للجميع.. وباتت هستيريا الطائفية هي الصورة الأكثر تجليًا، فضلًا عن تناحرات إثنية في مناطق أخرى من سورية، حاول النظام جاهدًا التلاعب بإدارة الصراع فيها، وتحويله إلى صراع إثني. وكذلك ساهمت المعارضة التي تحول بعضها إلى رأس حربة في هذا الصراع.

عاد مؤلف الكتاب بخيبة أمل إلى بلدته دريكيش ليستقر فيها ويتفرغ للفلاحة والزراعة، على الرغم من المنغصات والتهديدات التي تلاحقه. بات يتأمل الأفق الممتد أمامه إلى ما لا نهاية؛ حيث تتعانق السماء والبحر، وربما هذا المدى الواسع ساهم في منح الكاتب ذات الأفق بالتفكير، ليدوَّن هذه السطور التي لخصت معاناة شعبٍ باتت مطالبه بالحرية والكرامة بين مخالب المفترسين، من سلطة الاستبداد أولًا، وليتشارك معها غُلاة الدين، لتتحول هذه الانتفاضة إلى حرب ما بين سلطة ما زال العالم يرى أن لا بديل عنها، ومجموعات إرهابية تخيفه، على الرغم من معرفة هذا العالم باستبداد وطغيان السلطة وجرائمها.

ينتقل الكاتب في الفصل الحادي عشر وما بعد، ليرصد مواقف الدول المتباينة ومساهمتها الفعلية في إدارة الأزمة السورية ومأساة شعبها الذي بات نصفه بين التشريد والاغتراب، إضافة إلى عشرات آلاف الضحايا والمعتقلين والمغيبين، بعد أن اتخذت هذه الدول من الأرض السورية ساحة لتصفية حساباتها.. ليُختتم الكتاب بأمل وخلاص السوريين من الحالة العبثية وهستيريا الطائفية ونفي الآخر المختلف، وبإمكانية العمل والجهد لصياغة عقد اجتماعي جديد يوصل إلى دولة مواطنة، تحفظ حقوق وواجبات الجماعات والأفراد المنتمين إليها، والقطع كليًا مع دولة الاستبداد.

ما أتمناه على العاملين في مجال الترجمة، الاجتهاد وترجمة هذا الكتاب إلى اللغات العالمية، للمساهمة في نقل صورة مجريات الأحداث التي عايشها كاتب هذه السطور، لما فيها من مصداقية في رصدها وتدوينها، لا سيّما أن هذه القراءة جاءت من شخص ينتمي بالولادة إلى البيئة الاجتماعية التي احتمت بها السلطة، بعد أن روعت أبناءها مدعية أن هذه الانتفاضة تطالهم، لعزلهم عن بقية مكونات المجتمع، كما حاولت أن تلعب اللعبة ذاتها في مناطق أخرى، باختلاف أساليب الحيل والتدليس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق