سلايدرقضايا المجتمع

تهافت “لا تدمّروا وطنكم كما فعل السوريون”!

عبارة بتنا نقرؤها كثيرًا في الإعلام، وخاصةً على صفحات التواصل الاجتماعي، يرددها كُتّاب ومثقفون عرب، ومنهم من يقدم نفسه على أنه دكتور أو باحث، ويثير هذا الأمر ألمًا لدى السوريين الذين تم تحويلهم من ضحية إلى مجرمين، وكأن كل هؤلاء الملايين الذين تم تهجيرهم، وعشرات الآلاف من المعتقلين في السجون، ومئات آلاف الضحايا، هم من دمّر سورية!

ينقسم هؤلاء المغردون إلى أربعة أقسام:

القسم الأول لم يكن مُطلعًا على حياة السوريين ومعاناتهم الطويلة مع نظام مستبد فاسد يعيش شعبه على الكفاف، بينما إمكانات البلد الاقتصادية كافية ليعيش الشعب السوري مُرفّهًا مثل أي مواطن في أوروبا مثلًا، ولا يعلم هؤلاء عن قصص اختفاء الأشخاص لمجرد أنهم نطقوا بكلمة نقد واحدة، حيث لا وجود للحرية بأي شكل من أشكالها، وهذا القسم من المغردين كان يرى الظاهر فقط، ويستمع لخطاب السلطة، فيظن أن الشعب السوري يعيش أفضل أحواله، وأن جيشه يطرق أبواب القدس!

القسم الثاني يعلم بكل ما كان يحصل في سورية، لكنه يُحارب التغيير خوفًا من التغيير، أو خوفًا من المجهول، ويفضل الرغيف على الكرامة، ولو كان ذلك الرغيف يابسًا، ويندرج في هذا القسم أيضًا بعضُ المتصوفين الذين يُحرِّمون الخروج على الحاكم ولو كان ظالمًا، أي أن الحاكم “قدرٌ من الله” وعلى الشعوب أن ترضى بأقدارها، وليس أمامها إلا الصبر فقط، مع أن هذا كلّه يُخالف المنطق السليم والعقل القويم، فالتغيير سنّة من سنن الكون، ولو كان غير ذلك؛ لجعل الله في كل أمة نبيًا يقودها إلى قيام الساعة.

القسم الثالث هو القسم الذي يتخوف من استلام الأحزاب ذات الصبغة الإسلامية مقاليد السلطة، بدلًا من السلطة القائمة، كون تلك الأحزاب تحظى ببعض الدعم من طرف بعض الدول الإقليمية، فيرون أن نظامًا مجرمًا بحق شعبه خيرٌ من نظام سيكون مزعزعًا لسلطات الدول الأخرى، إذا ما وصل إلى سدة الحكم، فالأحزاب الإسلامية السُنية والشيعية هي شبيهة بالشيوعية، من حيث النهج الأممي، فهي لا تعترف بحدود الدول أو سيادتها، وتتحدث نظريتها عن الأمة الإسلامية، بمعنى أن كل الأنظمة والدول ستكون في خطر، في حال تزايد عدد الأنظمة التي تنهج نهجًا دينيًا صرفًا.

القسم الرابع هو كُتّاب السلطة، وهم كتيبة إعلامية جاهزة لإطلاق النار، بإشارة من الضابط المشرف في أيّ اتجاه يؤمرون به، فهم جنود السلطة في معاركها الإعلامية، وتراهم يتقاطرون للكتابة بذات الطريقة والهدف، ويتنافسون فيما بينهم أيّهم يستطيع تحقيق إنجاز أكبر، غير آبهين بالضحايا على الطرف الآخر، فهم يشبهون (الروبوت) يؤدون عملًا محددًا في وقت محدد، وترى أقلامهم تميل حيث تميل السلطة، فهم عصا الحاكم التي لا تعصيه.

لكن الغريب أن يتجاهل الجميع وجود طرف ثالث، بين السلطة المجرمة وبين الأحزاب الدينية الحالمة بالسلطة، وهذا الطرف يُمثّل غالبية الشعب السوري الذي يرفض حكم العسكر ويرفض حكم الإسلاميين؛ فلماذا يتم تجاهله؟ إنه سؤال بسيط معقد أو سهل ممتنع، فإضافة إلى تخوف بعض دول المنطقة من وصول الإسلاميين إلى الحكم، يتخوف الغرب كله من الإسلاميين ومن القوى الديمقراطية أن تصل إلى الحكم، فالغرب يعلم جيدًا أن الديمقراطية هي أقوى سلاح يمكن أن تحصل عليه شعوب المنطقة، فالمنطقة تزخر بكل أنواع الخيرات والإمكانات الاقتصادية والفكرية، لكن جميع هذه الإمكانات ستبقى عدمًا من دون الديمقراطية، وذلك يشبه أن يمتلك الجندي قنبلة بلا صاعق، إذًا لا مصلحة مطلقًا لأي دولة غربية بقيام ديمقراطية حقيقية في سورية أو غيرها من الدول، وبوجود طيف من الحكام العسكريين في المنطقة يستطيع الغرب الحصول على أي صفقة بأرخص الأثمان، لأن هذه البلدان تفتقر إلى برلمانات حرة تختلف مع الرئيس، والرئيس هو المتحكم في كل السلطات، التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويمتلك صلاحيات إلهية، حتى إن التغيير يبدو مستحيلًا، ولو على صعيد استغناء الرئيس عن جزء بسيط من سلطاته الثلاثة.

من جانب آخر، نرى أن الدول المتخوفة من وصول الإسلاميين إلى السلطة في دمشق مهددة من طرف إسلاميين من نوع آخر، ومن طرف آخر وهو إيران، فبقاء الأسد يعني نصرًا للحزب الديني الإيراني، وهذا يعني أن سورية والعراق ولبنان باتت جزءًا من إيران، ولَم نسمع من المثقفين العرب عن أي مشروع لمواجهة هذا المد المتسارع، لا على الصعيد الثقافي الفكري، ولا على الصعيد الاجتماعي والإعلامي.

المطلوب اليوم أن تكون أقلام المثقفين العرب أكثر عدلًا واتزانًا تجاه قضايا الشعوب، وقيادة مشروع عربي بعيدًا عن العسكرة، وبعيدًا عن الأسلمة، فمن حق شعوب المنطقة أن تعيش حياة طبيعية كباقي شعوب الأرض، من دون مشروع أممي ومن دون مشروع دكتاتور.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق