هموم ثقافية

حين يخرج الجسد عن النص

في مقال لـ إيجيني لوموان عنوانه (الفستان)، يبدو الجسد أشبه بالستارة التي تخفي ما تحتها؛ فالجلد هو الطبقة الكثيفة التي تعيق الرؤية. وفقًا لذلك يكون اللباس ستارة مضاعفة تخفي الذات وتطمسها. لكن الجسد، وهو المنبع الأساس للفن والحياة، “والدعامة لكل نهج فني” -بحسب أورلان- يحكمه توق للعري، والخروج عن المرسوم له. وتُظهِرُ الأحلام والرسومات تحققًا فعليًا لهذه الرغبات، التي فتنت علم النفس التحليلي. فلماذا يثير الجسد العاري الفزع؟ هل لكونه مرتبطًا بالخطيئة الأولى لآدم وحواء، “فلحظة يأكل الزوجان من الثمرة المحرمة يدركان عريهما ويشعران بالعار”.

تحيل كلمة عري aletheia)) في اليونانية، إلى رفع الغطاء عن شيء ما وإظهاره، وهي تعني حرفيًا “الحقيقة”. أن تراني على حقيقتي، وفي الوقت ذاته يظهر الجسد العاري -في سياق غير مألوف كالشارع أو المسرح- وكأنه تقويضٌ للنظام الاجتماعي. ويرتبط اللباس في الأذهان بالحماية ومنع النفور، وهو منجاةُ من عنفِ الآخرين؛ وبعيدًا عن التفسيرات الجمالية والأخلاقية، فماذا يعني أن يتعرّى فنان فوق خشبة المسرح؟

في فيلم “الحياة اليومية في قرية سورية“، لعمر أميرالاي، يفتتح الفيلم ويختتم بمشهد رجل مسن، معجون بالقهر، تبدو رغبته بالكلام معدومة، ينظر حوله ويمسك ثوبه ويمزقه إلى نصفين، لتظهر عظام صدره الهزيل.

في فعل التعري ثمّة لغة…. صرخة لمواجهة زيف العالم. كما فعلت الرسامة السورية هالة الفيصل التي خلعت ثيابها في ساحة (واشنطن سكوير بارك) في نيويورك، وكتبت على جسدها: “أوقفوا الحرب على العراق“.

العري قد يعبّر عن حجم القهر الذي تعيشه الذات. وفي هذه المنطقة “منطقة القهر“، يجب أن ننبش ونتحرى. قبل أن نطلق الاتهامات الأخلاقية التي تُظهر أن النظرة إلى الجسد ما زالت محكومة بإرث يرى فيه وصمة عار ضمن خطاب اختزالي؛ عاجز عن إبراز المعنى الحقيقي والقيمة الحقيقية للجسد الإنساني.

التعري والوقوف بذراعين مفرودتين، تستدعي إلى الأذهان صورة المسيح المصلوب، بروحه المثخنة بالألم وجسده المدمى، فالجسد هو أرض الجراح، “هو المكان الأول الذي تسمِّمُه يد المجتمع“، وبه وحده يمكن المقاومة والرفض، حين تقسو القلوب وتصاب اللغة بالعطب.

يكتب مارسيل بروست في رواية (البحث عن الزمن المفقود): هو لا يعرفنا، كما يستحيل علينا تفهّمه إنّهُ الجسد“. إنَّ العقاب الجسدي الذي يوقِعهُ المرء على جسده حين يضرم النار فيه، أو بحرمانه على طريقة الزهاد، والاحتجاج على طريقة المساجين المضربين عن الطعام، لا يُرَدُ إلى إحالةٍ وتفسير واحد.

كتب موريس ميرلوبونتي: “الإنسان يوجد كشيء ويوجد كشعور، أمّا وجود الجسم فهو يكشف لنا على العكس صيغة وجود غامضة”. قد يكون التعري إضرامًا للنار في الحقيقة المرتدية للقناع.

إن خروج الجسد عن النص الذي كتبه المجتمع؛ ينتمي إلى سياق من الاسئلة الجديدة، وهي بطبيعة الحال بعيدة عن المضمون الثقافي أو الديني؛ وتنتمي إلى محاولة لفهم ما الذي يجعل جسدًا يبجل الحياة، يقرر فجأة أن يتعرّى أو يُضرِمَ النار في نفسه!

إن الجسد، عند ليفيناس، “قابلية الكائن البشري للجرح وهشاشته”، فهل يشكل العري عرضًا للجراح؟ في إحدى قصص نايبول، يكتشف سانتوش في الغربة أن له جسمًا يجب تغذيته وإلباسه: “في الماضي كنت ممتزجًا بماء النهر، ولم أكن يومًا منفصلًا مع حياة خاصة بي، لكنني تأملت نفسي في مرآة، وقررت أن أكون حرًا”.

الجمهور كان هو المرآة! والمسرحي في وقفته الحزينة، بدا مثل طفل يكتشف فضاءً جديدًا لحريته.

“حاجة الحكي للآخرين” هي حاجة مُلِحَة، لكن حين تعجز اللغة؛ يصبح نزع الثياب أو تمزيقها استعارة شعرية. يروي بريمو ليف عن حياته في أحد المعتقلات: “لمحتُ مدفوعًا بالعطش، قطعة جليد كبيرة على مسند خارجي لإحدى النوافذ، لم أكد أضعها بين يدي؛ حتى هجم شخص وانتزعها مني بعنف. لماذا؟ “سألتُه بلغة ألمانية متلجلجة بفعل العطش، فأجابني وهو يدفعني إلى الداخل بقوة: هنا لا يوجد لماذا”. التفسير وحشي، ولكنه بسيط. لقد تعرّى أحدهم فجأة. لماذا؟ “هنا لا يوجد لماذا”، وإلى أن تصبح لماذا بريئة، براءة سؤال نيوتن عن سقوط التفاحة إلى الأرض، بدلًا من طيرانها للأعلى؛ لن تكون هناك أيّ إجابة!

إن أسئلة العفة مُدانة أخلاقيًا، مرّةً لأنها تصادر إنسانيتنا، ومرةً أخرى لأنها توقظ الوحش فينا. وربما ينطبق على الأسئلة الأخلاقية قول باسكال كينار: “لا يوجد ما هو أقل عِفّة من هذه الِعّفة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق