سلايدرقضايا المجتمع

اللغة العربية والصراع في العالم الرقمي

اختارت جامعة الدول العربية يوم 18 كانون الثاني/ ديسمبر يومًا دوليًا للاحتفاء باللغة العربية، وهو اليوم الذي اعتمدت فيه الأمم المتحدة اللغة العربية لغةً رسميةً عام 1973، وقد مر هذا الحدث وسط صيحات خافتة خجولة للاعتزاز باللغة العربية، في جو من الخوف والذعر من وهن العربية في منافسة القدرات الأسطورية للغات العالمية التي فرضت نفسها في عالم المال والأعمال والسياسة.

لم يعد الحديث عن قضايا اللغة العربية يحظى بأدنى اهتمام في بلاد العرب أوطاني، بعد الشتات العربي البائس وصوره الأليمة الكافرة بأي صورة توحد عربي أو مسؤولية قومية.

وعلى الرغم من ذلك، فإنني لا أجد مبررًا للصمت العربي الرسمي حيال ارتكابات تتم ضد اللغة العربية، لا علاقة لها بالسياسة ولكنها ناتجة بشكل أساسي من غياب التواصل المعرفي بيننا وبين فرسان العالم الرقمي الجديد، وهم ليسوا بالطبع دولًا ولا منظمات دولية ولا مجامع لغة ولا وزارات ولا سفارات ولا حلف ناتو ولا وارسو… إنهم ببساطة فريق من الشبان المدهشين لا يملكون مصانع ولا طائرات ولا عقارات، ولكنهم باتوا يملكون سلطانًا على العالم الأخضر، عبر يوزرنام وباسوورد، وقد نجحوا بشكل مذهل في تغيير حياتنا تغييرًا فظيعًا، وفرضوا تطبيقاتهم الناعمة على نمط الحياة في العالم كله، وفرضوا على دول العالم تأسيس وزارات خاصة للحوار معهم ومتابعة ما يصنعون، وأرغموا أرقى الجامعات المتقدمة في العالم على تخصيص كليات خاصة ومخابر متطورة، لدراسة أحلامهم وأفكارهم في التواصل الاجتماعي.

ترتكب اليوم (ويندوز) و(ويكبيديا) إساءة بالغة للغة العربية، عبر تطبيقات الأداء الرقمي، حيث تقوم (ويندوز) بتصنيف اللغة العربية وفق 22 بلدًا، وحين تطلب في الإعدادات إضافة اللغة العربية، يسألك التطبيق: أيّ عربية تريد؟ حيث يتوفر لديه 22 صنفًا من اللغة العربية مرقومة وفق البلدان العربية، من البحرين وقطر إلى موريتانيا وجيبوتي، ولست أدري ما هو المبرر لتصنيف اللغة العربية وفق 22 صنفًا، مع أنها في النص المكتوب واحدة وهم يقصدون هنا النص المكتوب فقط وليس اللهجات المحكية.

يُبرر بعضهم بأن ذلك يجري لإعدادات العملة والتوقيت وأسماء الشهور والمصطلحات المحلية، وهذا تبرير غير واقعي، فالعملة والتوقيت موجودان في خيار خاص ولا علاقة للغة بهما، أما الكلام عن أسماء الشهور والمصطلحات الخاصة، فهذا بحد ذاته وهنٌ لا يجوز أن نرضاه، وهناك مجامع للغة العربية تعتمد أسماء الشهور، ويجب أن نحمل الناس على الأسماء الأقرب للعربية، بغض النظر عن انتشارها في الإقليم أو سواها، وهي على كل حال مسألة صغيرة يمكن التعبير عنها بإضافة الاسم المحلي عند الضرورة، من دون تشطير اللغة نفسها إلى أقسام منفصلة.

من المدهش أن الأمر مختلف عندما تبحث عن اللغة الإنكليزية مثلًا، فهو لا يقدم لك ستين نمطًا للإنكليزية وفق البلدان التي تعتمدها لغة رسمية، وإنما يتناولها وفق الأقاليم الأساسية في العالم أو القارات، وهذا أمرٌ تبدو له مبرراته وأسبابه، ومع ذلك فأعتقد أنني سأنكر هذا لو كنت إنكليزيًا، حرصًا على وحدة اللغة، وربما تكون ظروف المشهد مختلفة ولها تبريراتها، ولكن (ويندوز) لا يقدم الإنكليزية في ستين صنفًا، وفق البلاد الناطقة بها، وإنما يكتفي بعدد من الأقاليم المتباعدة.

أما (ويكيبيديا) فقد خطت قفزات متسارعة، وقررت فصل اللغة المصرية عن العربية، وبإمكانك الآن أن تُطالب بترجمة النص العربي إلى المصرية، وستحصل على العجب العجاب في هذه المسألة، حيث تسود لهجة حاراتية تتعمد الهرب من الكلمة العربية إلى كلمات الزقاق المصري، وينتج من ذلك لغة جديدة بلا قواعد ولا ضوابط، وهي جاهزة لتتحول إلى عدة لغات في تالي الأيام.

بالطبع، لن يطول بنا الانتظار حتى تفتح (ويكيبيديا) نافذة للغة العراقية والمغربية والسودانية واليمنية وهلمّ جرًا، وفي ذلك تفريط كامل باللغة العربية، يؤدي إلى تنزيل النص المحلي المحكي إلى نص مكتوب بعربية غريبة هجينة لا يعرفها إلا أبناء المحلة، وتضيع في غمار ذلك قدرات القارئ على فهم اللغة العربية الآمن، وبالتالي التمييز بين الصواب والخطأ في اللغة وبين الصحيح والدخيل.

لا أفترض مؤامرة في ما تقوم به (ويندوز) و(ويكيبيديا)، وأنا -شخصيًا- أعتبر (ويكبيديا) أروع ما أنجزه الحاسوب في خدمة المعرفة، وأتمنى لها الازدهار، وأعتبر أن فلسفتها في مشاركة التحرير لكل إنسان، موقفٌ إنساني رائع قائم على التوحيد الخالص والإيمان بالله وعباده، واليقين بأن ما يُنتجه عباد الله لا بد أن يكون صورة في النهاية عن الله، فالولد سر أبيه، والإنسان مخلوق على صورة الله، وفي النهاية فإن إنتاج الإنسان التراكمي في الاقتصاد والثقافة وغيرها لا بد أن ينبئ عن الله نفسه، فالناس كلهم في النهاية انبثاقه وروحه وأمره وعياله، وهذا ما يجعل (ويكيبيديا) من وجهة نظري، مشروعًا إيمانيًا عميقًا يرسخ ثقافة الإيمان بالفطرة وطهرها ونبلها، ولقد كررت رهاني على (ويكيبديا) وقناعتي أنها ستكون أكثر مصادر المعرفة سعة وموثوقية بعد أن نجحت في الوصول إلى رتبة أكثر مصادر المعرفة تصنيفًا وارتباطات تشعبية.

وبعيدًا عن نظرات المؤامرة؛ فإنني أعتقد أن الهيئات الرسمية لحماية العربية من مجامع اللغة ووزارات الثقافة ووزارات الخارجية العربية أيضًا وجامعة الدول العربية مدعوة للقيام بدورها الجدي في تبويء اللغة العربية مكانها في العالم الرقمي، وفي الوعي بحاجات العالم الرقمي، وهي مختلفة عن حاجات العالم الثقافي والأكاديمي، وتحتاج باستمرار إلى حلول سريعة لما يستجد من حاجات ومعارف وتحديات.

وإذا لم تفلح هذه الهيئات العربية الرصينة في فتح خط ساخن مع شركات العالم الرقمي العملاقة، والوعي بحاجاتها وطموحاتها؛ فقد تصبح العربية في هذا العالم الأخضر غريبة شريدة، يتيمة الأب والأم، وستتصرم صلتها بأصولها وقواعدها وتراثها ومعارفها، وآنذاك سنتحول -كالعادة- إلى لطامين وشتامين، نندب حظنا في تآمر الدنيا علينا واستهدافهم لغتنا العظيمة، وسنذهب -كالعادة- إلى البحث عن المؤامرات العميقة لما يجري، دون أن ندري أن غيابنا الواقعي والحضاري هو المؤامرة الفعلية لنكبة اللغة العربية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق