مقالات الرأي

الانقسامات الدينية والطائفية في دول المشرق العربي: الجذور والأسباب

تعدّ منطقة المشرق العربي من بين أكثر مناطق العالم من حيث الاحتقان الديني/الطائفي والمتصاعد خلال العقود الماضية، فضلًا عن انتشار الاقتتال والتطرف الديني والحركات الراديكالية بشقيها السياسي والعنفي. وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن جذور وأسباب ذلك في دول المشرق التي شهدت، عقب استقلالها عن الانتدابات الفرنسية والبريطانية في أوساط القرن الماضي، أجواءً وطنية تخللها تبنيًا لدساتيرٍ عصريةِ وتعزيزًا للتيارات القومية العروبية على حساب انحسار التأثير والانقسام الدينين، وبالتالي التأصيل للمساواة بين المواطنين على أساس الدين ولمبادئ الدولة المدنية[1].

إنّ هذه الديمقراطيات الوليدة لم تدم طويلًا قبل أن تتخلخل لصالح بدء مرحلة الديكتاتوريات العسكرية، المتزامنة أيضًا وإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 وأثر ذلك على الصراع العربي/الفلسطيني المستمر في المشرق والذي يُنظر له من طرف شريحة كبيرة من قاطني هذه المنطقة على أنه اعتداء على المسلمين والإسلام[2]. وقد أعقبَ ذلك الثورة الإيرانية عام 1979 التي نقلت البلاد من حكم الشاه العسكري اللاديني إلى جمهورية إيران الإسلامية التي لا تزال تسعى جاهدة إلى تعزيز سيطرتها ونفوذها في المشرق عن طريق ما يٌعرف بتصدير الثورة[3]. هذا المدّ “الشيعي” في المشرق ألقى بظلاله على شكل دول المنطقة وتأثير الدين فيها، كما قابلهُ صعودًا للفكر الوهابي القادم من المملكة العربية السعودية التي لم تتوانَ عن تخصيص الموارد المالية للتأثير في بلدان مجاورة في ظلّ تصاعد الاحتقان الإيراني/السعودي وبالتالي الشيعي/السني. يُضاف إلى ما سبق، ما سبّبته تحالفات بعض الأنظمة الحاكمة، خاصة في مصر في ظلّ حكم الراحل أنور السادات، مع الإسلاميين بغية التخلّص سياسيًا من الناصريين والماركسيين الذين ازداد تهديهم للسلطات الديكتاتورية الوليدة في بعض دول المشرق.

تتعدد بالتأكيد الأدوات والأسباب والظروف الأقليمية المحيطة بالانقسامات والشروخات الدينية والطائفية في المشرق، غير أنّ الأرض الخصبة لذلك تعود إلى آليات وسياسات الحكم والتشريعات المطبقة والتي أدّت إلى شروخاتٍ مجتمعيةٍ وتقسيمًا للمواطنين تبعًا لانتماءاتهم الدينية والمذهبية، مما أسفر عن اذدياد الاحتقان الديني والتقوقع الطائفي وتأجيج العنف والاقتتال بين أتباع الطوائف المختلفة في المنطقة. فلا تحترم دول المشرق أركان الحرية الدينية التي تشتمل بالضرورة على حرية الإيمان أو عدم الإيمان، حرية الانتماء أو عدم الانتماء إلى دين أو طائفة معينة وبالتأكيد حق تغيير الدين وممارسة شعائره[4]، وعدم التمييز على أساس الانتماء الديني. فتتسم دول المشرق العربي بفرض الدين على جميع مواطنيها، مؤمنين وملحدين، وأيضًا حظر تغيير الدين إلى غير الإسلام وتميّز بين مواطنيها على أساس انتمائهم الديني، وهذا ما يسبّب بالشعور بالظلم ويقوّض من دولة المواطنة الحاضنة للتنوع. وتزداد حساسية مسألة الأقليات الدينية في المشرق العربي نظرًا إلى عدم اعتراف الأنظمة الحاكمة بوجودها وبتجاهل بعض مطالبها المحقة، وأيضًا انسجام الثقافة الشعبية الغالبة مع هذه السياسات. وما تجاهل إشكاليات الأقلية والأغلبية المهمشة هذا إلا سببًا في تفاقم التوتر والطائفية، كما يشهد على ذلك الوضع العراقي بعد عام 2003 والوضع السوري في السنوات القليلة الماضية. وقد أدّى عدم احترام الحرية الدينية لأتباع الأقليات بتعزيز نزعة الانفصال والشروخات المجتمعية فضلا عن عدم الاستقرار السياسي. ومن بين هذه المكونات الدينية ما هو معترف بها بشكل غير مباشر كالمسيحيين، بينما يتم حظر أقيات دينية أخرى كشهود يهوا والبهائيين الذين يتبعون في أوراقهم الثبوتية الشخصية للديانات المعترف بها بخرق واضح لمبدأ الحرية الدينية.

تترك مسألة الحرية الدينية تبعاتها بشكل خاص على منظومة الأحوال الشخصية، حيث يشكّل سوء إدارة التنوع فيها ركنًا أساسيًا من أركان لانقسام الديني والطائفي الذي يتكرّس باحتكام مواطنين الدولة الواحدة لتشريعات وحتى لمحاكم مختلفة بحسب انتمائاتهم الدينية والطائفية. كما تسبّب هذه المنظومة تكريسًا للطائفية وتفكك المجتمع نتيجة لتطبيق قوانين مختلفة على مواطني الدولة الواحدة. ويبرز فيها الانتهاك لمبدأ المساواة بين المواطنين في إطار حظر بعض أنواع الزيجات المختلطة، خاصة بين المسلمة وغير المسلم، فضلًا عن الحكم لصالح الطرف المسلم في النزاعات القضائية المتعلقة بحضانة الأطفال وديانتهم[5]. ولا يجوز الميراث مع اختلاف الدين، ولا تقبل شهادة غير المسلمين أمام المحاكم الشرعية. وتشكّل منظومة الأحوال الشخصية انتهاكًا لحقوق غير المؤمنين بالديانات التوحيدية أو العلمانيين وحتى البهائييين وغيرهم من المنتمين إلى أقليات دينية غير معترف بها رسميًا نظرًا لتطبيق هذه التشريعات الدينية عليهم، ولاسيما وأنّ مشرّعها رجال دين، وليست الدولة الممثلة للشعب والتي من المفترض أن تكون صاحبة الحق الأساسي والحصري بالتشريع.

تتعزز الشروخات الدينية بسبب الأنظمة التعليمية المطّبقة في المشرق العربي، بما يتيح تدريس الأجيال الناشئة أهمية تحقيق التعايش الديني ونبذ الكراهية وتقبل الآخر، من خلال التثقيف بحقوق الإنسان وبدين الآخر مما يسهّل تقبله، “فالإنسان عدو ما يجهل”. كما نجد في المقررات التعليمية مصطلحات تحضّ على التطرف مثل “كافر” و”عدو الله”. وقد اُستخدم النظام التربوي كأداة بين أيدي الأنظمة الديكتاتورية العربية لتأمين مصالحها السياسية، لاسيما ترسيخ قدسية الحاكم واستبدادها وسيطرتها على مقاليد الحكم، ولو على حساب تكريس الانقسام الديني والطائفي في المجتمع.

تقع على الأنظمة الاستبدادية عاتق المسؤولية الأساسية عن الشروخات المجتمعية المذكورة أعلاه، ولاسيما وأنّها من تضع الأنظمة التعليمية وتصادق على الأحوال الشخصية وتشرعن انتهاك الحق في الحرية الدينية. فلا يزال الاستبداد السياسي أحد أهم مسببات تعطيل التنمية والإصلاح الديمقراطي وتعزيز الشعور بالظلم المجتمعي، وما سببّ ذلك من اندلاع لصراعات دينية وطائفية كما يشهد عليه الوضع السوري. فقد كان للقمع السياسي وعدم إطلاق الحريات المدنية والسياسية دورًا أساسيًّا في الأسلمة والتشدد المجتمعي وازدياد التقوقع الطائفي، فضلًا عمّا سببته الهيكلية الطائفية للنظام السوري واستخدامه للأقليات من أجل استمرار بقائه من ارتفاع لحدّة التوتر بين الأديان وبين الطوائف خلال العقود المنصرمة الماضية في البلاد. فقد أدّى تحالف النظام مع الأقليات من ازدياد شدّة التوتر والنقمة الإسلامية السنيّة على العلويين والمسيحيين، لاسيما في ظلّ غياب شعور الانتماء الوطني.

يجد مواطنو المشرق أنفسهم اليوم معلقين بين بطش الأنظمة الاستبدادية، من جهة، والتخوف من الانفلات الأمني أو استمراره ووصول المتشددين دينياَ إلى السلطة، من جهة ثانية. هل ستسفر التحولات السياسية والاستراتيجية التي تشهدها منطقة المشرق عن التخلص من الاستبداد ومن القوى المتطرفة لإتاحة معالجة جذرية لمسألة الانقسامات الدينية والطائفية من خلال التوصل إلى سياسيات حكم مناسبة لتحقيق الاستقرار السياسي واستقلال الدول عن التدخلات الخارجية ذات الصبغة الاستعمارية، وبالتالي المضي قدمًا باتجاه التنمية والازدهار وإرساء دعائم حقوق الإنسان والحكم الرشيد والديمقراطية؟

[1] لابدّ من التذكير بأنّ إعتبار العروبة كأساس أيديولوجي جامع لكل القاطنين في المشرق من مسلمين ومسيحيين وغيرهم قد سبّب التمييز ضدّ غير العرب كالأكراد، لاسيما في ظلّ السياسات التي اتبعهتها الأنظمة العروبية في المنطقة.

[2] وكان لخسارة دول المشرق العربي لحرب الأيام الستة ضد إسرائيل، في العام ،1967 شديد الأثر في الرأي العام العربي الذي رأى القوميةَ العربية عاجزةً عن تحقيق التحرر العربي واستعادة الكرامة المسلوبة. فتصاعدَ كبديل عنها الفكرة القائلة بأن تحرر العرب لن يكون بدون أسلمة الدولة والمجتمع. في إطار ذلك، طُرح شعار “الإسلام هو الحلّ” بشكل متصاعد، وعَزت بعض الخطابات السياسية الدينية، ولاسيما في الجوامع، هذه الخسارة إلى “غضب الله” لعدم تطبيقه الشريعة الإسلامية. وفي هذه الأجواء تنامت تيارات الإسلام السياسي و تصاعدَ التطرف في الأوساط الشعبية، خاصة في مصر التي شهدت ظهور العديد من الحركات التكفيرية على غرار جماعة التكفير والهجرة.

[3] أنظر أحمد يحيى جعفر، إيران وعقيدة تصدير الثورة: البضاعة في أسواق العرب، العربي الجديد، 25 كانون الثاني/يناير 2017.

[4] هذا وتندلع العديد من الأحداث الطائفية على إثر ممارسة شعائر الأديان من طرف الشيعة، والمسيحيين الذين كانوا بحاجة في مصر حتى وقت قريب لموافقة رئيس الجمهورية لبناء كنيسة أو إجراء أي اصلاح فيها. ويعدّ بعض المؤرخين بأن الأحداث الطائفية في مصر ابتدأت عام 1972 بحادثة الخانكة التي اندلعت بسبب قيام أقباط بالصلاة بمقر جمعية نظرًا لعدم وجود كنيسة في منطقتهم. كما أنّ بعض قضايا اعتناق الإسلام أو العدول عنه كان لها أكبر الأثر في تأزم العلاقات الإسلامية-المسيحية في هذا البلد، وخاصة بسبب تطور وسائل الاتصال مما مكّن الغالبية الشعبية من الاطلاع على تفاصيل هذه الأحداث والإسهام لاحقًا بتأجيجها.

[5] وذلك بخلاف الوضع في لبنان الذي غالبًا ما يحكم فيه القضاء بالمساواة بين المسلمين وغير المسلمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق