مقالات الرأي

“السترات الصفراء” والانفصام السياسي السوري

انطلقت الاحتجاجات الشعبية أو ما أطلق عليه حركة “السترات الصفراء” في فرنسا، في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، احتجاجًا على رفع الحكومة الفرنسية أسعار بعض السلع، وقد عبّر السوريون عنها -كعادتهم- بمواقف سياسية مختلفة، في وسائل الإعلام المتنوعة، ومن ضمنها وسائل التواصل الاجتماعي وبخاصة (فيسبوك)، محاولين نمذجة هذه المواقف والآراء المتعددة.

أولى حالات الانفصام السياسي كانت لدى وسائل إعلام النظام السوري ومواليه، حيث وصفتها بأنها “ثورة شعبية ضد النظام الاستبدادي الفرنسي”، بل مضت أبعد من ذلك لتستعير مصطلحات وشعارات الحراك الثوري السوري عام 2011 ذاتها، من شعار (ارحل ماكرون) إلى بقية الشعارات المعروفة بالنسبة إلى المتظاهرين السوريين، وكان أكثر تلك المواقف غباءً بيان ما يسمى “الاتحاد الوطني لطلبة سورية” الذي يبدو أنه قام بنسخ تعليمات العديد من التنسيقيات السورية لعام 2011 التي كانت تقدم النصائح للمواطنين السوريين، في كيفية اتقاء قناصة الأمن السوري وقصف طيران الأسد ودباباته للمدنيين… الخ، ليقدّمها للطلبة السوريين المقيمين في باريس، بهدف اتقاء عنف الأمن الفرنسي، حتى يتسنى لهم العودة إلى الوطن السوري، حيث “الأمان المطلق”، وهذا ما ينطبق عليه المثل الشعبي: “إذا لم تستحي فافعل ما شئت”.

أما حالة الانفصام السياسي الثانية، فكانت لدى بعض بقايا اليسار الماركسي السوري المتحالف والقابع خلف ظل استبداد النظام السوري، حيث تبيّن لهم أن احتجاجات السترات الصفراء أثبتت صحة وراهنية مقولات الصراع الطبقي والنضال الثوري، لدى الماركسية اللينينية، بل اعتبر البعض منهم أن احتجاجات السترات الصفراء أثبتت صحة مقولة ماركس التي تقول إن الدولة (الفرنسية) أداة قمع بيد الطبقة المهيمنة، وهي دليل على نضوج أزمة النظام الرأسمالي، واحتدام الصراع الطبقي، وحتمية الانتقال إلى الثورة الاشتراكية وانتصارها الحتمي، ونشروا على صفحات (فيسبوك) صورًا لماركس وقد ارتدى سترة صفراء، للتأكيد على عمقها الماركسي الأصيل، علمًا أن احتجاجات أصحاب السترات الصفراء، كما عبروا عن أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هي ردة فعل على ارتفاع أسعار المحروقات بداية، ومن ثم اتسعت الاحتجاجات لتعبّر عن غياب المساواة الاجتماعية بين المواطنين الفرنسين، وتدني القدرة الشرائية وزيادة الضرائب، وسبب ارتداء السترات الصفراء يعود إلى القانون الفرنسي الذي يلزم كل صاحب سيارة باقتناء سترتين صفراوين، يستخدمهما في حالة خروجه من سيارته المعطلة ليلفت أنظار السائقين والسلطات المختصة كي يقدموا له المساعدة، وليس لها علاقة بالنظرية الماركسية اللينينية، كما أوحى هؤلاء الماركسيون، وفي الوقت ذاته كانت رؤيتهم أن وراء الاحتجاجات السورية عام 2011 اليسار المتأمرك النيو ليبرالي المتحالف مع الأنظمة الإمبريالية، ضد النظام السوري الاشتراكي المقاوم والممانع للصهيونية والإمبريالية.

أما الحالة السياسية الثالثة، وهي الأكثر انفصامًا، فكانت من بعض اليسار الثوري السوري، الذي يمارس المعارضة للنظام السوري مع ذاته فقط، إذ نعَت بعضهم النظامَ الفرنسي السياسي بـ “النظام الفوقي العنصري والاستعلائي التافه”، معتبرًا أن احتجاجات السترات الصفراء هي معركته التي يجب خوضها حتى النهاية، حيث يجب على السوريين المعارضين كافة، خاصة الموجودين في فرنسا، المشاركة في الميادين والساحات الفرنسية، حتى يثبتوا أنهم “ثوار”، وإلا فهم “عملاء” للإمبريالية الفرنسية، يتنعمون بخيراتها ويقفون إلى جانب الحكومة الفرنسية الاستعلائية، فلو كانوا ثوارًا حقيقيين، على حد تعبيرهم؛ لنزلوا إلى الساحات الباريسية وتظاهروا مع فقرائها.

أما الحالة الرابعة فكانت لدى بعض الشباب السوري السياسي المعارض للنظام السوري والمهجر قسريًا، حيث حاول البعض منهم الاستفادة من هذه الاحتجاجات الفرنسية، وتوظيفها في فضح استبداد ودكتاتورية النظام السوري، من خلال المقارنة بين خطاب الرئيس الفرنسي العقلاني، حيث اعترف بالأخطاء الاقتصادية والسياسية، وأعلن تحمله للمسؤولية عنها، إضافة إلى تراجعه عن الإجراءات الضريبية والاقتصادية التي كانت وراء اندلاع الاحتجاجات؛ وبين خطاب بشار الأسد الأول الذي نعت الشباب السوري المتظاهر بـ “الجراثيم”، داعيًا الأمن السوري إلى استئصالهم، من أجل مجتمع سوري صحي “متجانس”، ومواجهة المؤامرة الكونية التي تقف من ورائهم. إضافة إلى المقارنة بين عدد المتظاهرين الفرنسيين الذين بلغ عددهم 185 ألفًا في باريس التي يبلغ عدد سكانها 12 مليون، وبين تظاهرة حماة، على سبيل المثال، التي بلغت 500 ألف، وعدد سكانها لا يتجاوز المليون، ولم يحصل فيها أي مشكلة عنفية من قبل المتظاهرين السوريين، أيضًا بين تعامل الأمن والشرطة الفرنسية مع محتجين يمارسون العنف والفوضى، من خلال حرق المحال التجارية والسيارات، وبين قوات الأمن والجيش السوري، وكيف تعاملوا مع الشباب السوري الحامل الورود لهم.

الحالة الخامسة، التي لا بد من الإشارة إليها، هي بعض المقالات والتقارير السياسية الصحفية الرصينة، التي كتبها بعض المعارضين السوريين الهاربين من جحيم استبداد النظام السوري، التي قدمت قراءة سياسية موضوعية لهذه الحركة السياسية الجديدة، التي من المفترض الوقوف عندها وقراءتها بعمق، سياسيًا واقتصاديًا، من قبل الباحثين المختصين والمهتمين على الصعيد الفرنسي – الأوروبي خاصة والعالمي عامة.

أخيرًا، هذا الانقسام السياسي السوري الانفصامي ليس بجديد، إنما يعود إلى الأشهر الأولى للثورة السورية، بداية كان الانقسام بين المشاركين في الثورة، وبين الموالين للنظام السوري، بين من اعتبرها ثورة حرية وكرامة، وبين من اعتبرها مؤامرة إمبريالية استعمارية، حتى وصموا المشاركين في الثورة، في مرحلتها السلمية، بثوار الصهيو إمبريالية.

فيما بعد، بالتحديد بعد عسكرة الثورة واحتدام المعارك العسكرية، حصل الانقسام بين من رحب بالتدخل العسكري الإيراني والميليشيات الشيعية، واعتبرها قوات شقيقة وصديقة، ورفع أعلام (حزب الله) وإيران على صدورهم، وبين من انتظر بفارغ الصبر تدخل أصدقاء الشعب السوري، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية وتركيا، ونال الإحباط السياسي نتيجة عدم حصول هذا التدخل.

في عام 2015، بين من ابتهج للتدخل العسكري الروسي إلى حد إطلاق لقب (أبو علي بوتين) على الرئيس الروسي، الذي أصبح المهدي المنتظر بالنسبة إلى هؤلاء، وبين من أيّد تدخل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في الشمال الشرقي للبلاد، وأيضًا بين من شارك وابتهج بالتدخل العسكري التركي في الشمال وخاصة في عفرين، واعتبرها قوات شقيقة. وربما مستقبلًا في منبج ومناطق شرق الفرات، وبين من اعتبرها قوات احتلال تجب مقاومتها مذكرًا بالخوازيق العثمانية.

نعم، لقد كشفت السنوات السبع الأخيرة حجم التشوهات السياسية والأخلاقية، لدى بعض السوريين المهتمين بالشؤون السياسية، خاصة لدى من وجد في احتجاجات السترات الصفراء احتجاجات شعبية ثورية محقة -وهنا نشاطرهم الوصف- وفي الوقت ذاته وصموا احتجاجات الشعب السوري عام 2011 بالإرهاب والمؤامرة الصهيوامبرياليةـ إنها حالة انفصام ثقافية قيمية وأخلاقية وسياسية بامتياز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق