تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل زيارة البشير مدخل للتطبيع العربي مع دولة الإرهاب؟

لو كنتُ شاعرًا كالشاعر العراقي مظفر النواب، الذي كشف عورة الدول العربية، في قصيدته “القدس عروس عروبتكم”؛ لاستبدلت بالقدس سورية، لأن سورية توءَم فلسطين في مأساتها، ولصرختُ: سورية قلب العروبة النابض، فلماذا تَخونون شعبها الذي أعطى للجميع، ولم يطلب إلا الكرامة والحرية التي لا تعرفونها، ولا تؤمنون بها. سورية هي قلب المنطقة، فلماذا سمحتم لطاغية دمشق أن يغتصبها، وصمتّم عن صراخ هذه الشعب: “الشعب يريد إسقاط النظام”، فهو لم يعد يحتمل هذا الظلم الذي عايشه طوال نصف قرن، وكما شارككم العالم أجمع الصمت على اغتصاب فلسطين، فإنه يشارككم اليوم الصمت على اغتصاب سورية، من قِبل نظام ومستعمر روسي، وآخر إيراني بكل مشتقاته.

بكل وقاحة، يتحرك البشير، طاغية السودان، المطلوب من محكمة الجنايات الدولية، لجرائمه في دافور، والذي شقّ السودان جنوبًا وشمالًا، ليزور الطاغية الآخر الذي دمّر سورية عبر المستعمر الروسي، وقبله الإيراني وميليشياته، وهو -برعونته- يُهدد سورية بالتقسيم، الذي هو واقع فعليًا على الأرض، فماذا تعني هذه الزيارة التي لا معنى لها إلا بداية تطبيع الدول العربية، الواحدة تلو الأخرى، وذلك بمباركة أمين عام الجامعة العربية، آخر وزير خارجية في حكومة مبارك، الذي رشحه طاغية مصر عبد الفتاح السيسي، ويُعتقد بأنه سيكون ثاني الزائرين، لأن السيسي الذي لم يخجل من منع الحريات العامة، لن يخجل بالطبع من زيارة طاغية دمشق، وهو الذي أبدى استعداده لإرسال قوات مصرية للقتال إلى جانب النظام، بذريعة “محاربة الإرهاب”، وهو الذي لم يستطع أن يُسيطر على كل التراب المصري، وسمح للإرهاب أن ينتشر، كي يُحكِم سيطرته على مقاليد الحكم في مصر، وقد أسَر قلوب الأقباط بزعم أنه الوحيد الذي يحميهم من “الإرهاب الداعشي – الإخواني” أسوة بطاغية دمشق، وأقنع البطاركة والمطارنة، كاثوليك وأرثوذكس، بأنه وحده حامي المسيحيين، وهي الكذبة التي صدقها العديد من الأبرياء.

أما العراق، بنظامه الطائفي بكل حكوماته، من المالكي إلى العبادي إلى الرئيس الحالي، فهو يهوى النظام الطائفي الآخر في دمشق، ولم يقطع علاقته بالنظام السوري قط، لا بل غزاه بالإرهابين، داعشيين وحشد شعبيين، وليس بالمستغرب أن يُهرول رئيس وزرائه إلى زيارة دمشق، وهو النظام الذي سخر أجواءه لقيادة إيران كي تنقل الأسلحة الإيرانية إلى (حزب الله) لقتل الشعب السوري، وهو الذي لم يصمد، هو وميليشياته الطائفية البغيضة، أمام (داعش) أقل من يومين، وكان المالكي قد أطلق سراح كل قيادات (داعش) الذين كانوا ضباط قيادة في جيش طاغية بغداد، المستبد البعثي الآخر صدام حسين، وأراد المالكي -بتصديره الإرهاب الداعشي إلى سورية- أن ينقذ نفسه من الإرهاب، لكنه لم يصمد في الموصل وسنجار وسهل نينوى، الذي كان أول ضحاياه المسيحيين والأزيديين، حتى صاروا يتحسرون على نظام صدام، بدعوى أنه كان حاميهم.

لا يكفينا البشير حتى يقفز إلى الساحة نبيه بري، الرئيس المؤبد لمجلس النواب اللبناني، ليقول إنه لا يمكن أن تُعقد القمة الاقتصادية من دون دعوة رأس النظام المستبد في دمشق لحضور القمة، وهو النظام المطرود من الجامعة العربية ذليلًا مهانًا، وبالطبع يسانده رأس النظام اللبناني ميشيل عون، الذي ما وصل إلى السلطة إلا بعد انبطاحه أمام (حزب الله) وبالتالي النظام السوري، وهو شيء لا يخفيه صهر الجنرال جبران باسيل (وزير خارجية لبنان) الذي يُحارب اللاجئين السوريين بشراسة، وما تشنجات العميل الوضيع وئام وهاب، وسنّة 8 آذار، وكلهم عملاء للأجهزة الأمنية السورية التي كانت تتمركز في عنجر، بدءًا من البعثي وليد سكرية، وصولًا إلى فيصل كرامي، وبالطبع لا ننسى عبد الرحيم مراد الذي ينقل البندقية حسب الهوى، إلا نموذج صارخ لمنع الحريري من تشكيل حكومته، إلا إذا رضخ لشروط (حزب الله) الذي يختطف لبنان، حكومة ودولة.

بالطبع، ليس هؤلاء وحدهم المطبّعين، فكل الحكومات العربية من المحيط إلى الخليج، بلا استثناء، لن تخجل من تطبيع كهذا، وما الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء بأن دولة الإمارات العربية ستفتح أبواب سفارتها في دمشق إلا نوع من التطبيع، ومن يدري مَن سيلحقها من دول، وفي الحقيقة كانت الإمارات الدولة الخليجية الأكثر استفادة من الأزمة السورية، حيث هرّب مجرمو النظام وسارقو قوت الشعب السوري كلّ أموالهم إلى دبي، كي تزدهر الأخيرة.

إذا كان حال العرب هذا؛ فهل نلوم الدول الغربية إذا طبّعت مع النظام السوري؟ بالطبع لا، فإذا كان هذا حال من يُفترض بهم أن يكونوا ذوي قربى، فهل نلوم الغريب الذي لا يعرف إلا لغة المصالح! كل ما نتمناه أن تبقى بعض هذه الدول على موقفها، وترفض إعادة اللاجئين وإعادة إعمار سورية، إلا بعد إسقاط النظام الفردي في دمشق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق