هموم ثقافية

قوَّة النقد المسرحي التحريرية

عندما يظهر الممثِّل على الخشبة، يجب أن نعرف -الجمهورَ- أنه ليس بريئًا ولا مذنبًا؛ سواء كانَ نيرون أو سارة برنار أو سميحة أيوب أو منى واصف أو شذى سالم.. لأنَّه يمثِّل الدورين أو أحدَ الدورين. هو يُمثِّل/ “يُفرجينا” الانقلاب الأخلاقي، المواجهة بين العقل والذات، بين النفعية والحق الطبيعي. لكنَّ الناقد حين يمارس هذه المهمَّة في الإعلام ينسى، أو كأنَّه لا يُدرك، أنَّ النقد له قوَّة تحريرية، فهو يُخضع الذات للتاريخ، والذات ليست سلعة، والمذنبُ والبريءُ كلاهما فاعلٌ اجتماعي، والمسرح هو الفعل، هو اندفاعة العقل والطبيعة للإطاحة بالمستبد والمستغل مُغتصب الحياة؛ إذ هناك كائنٌ هو الإنسان يجب استعادته، والنقد (النقدُ المسرحي) عملٌ علمي يُوضع فيه العقل لخدمة هذا الإنسان، لخدمة الحرية الإنسانية، لأنَّ العقل لا يمجِّد السلطة الخارقة للطُغاة.

على أنَّ هناك الكثير من أنواع النقد مثل: النقد العاطفي والإخباري والانطباعي… وهو نقدٌ يمارس قمعًا على المتفرِّج والقارئ، ويقوم بتسطيح الوعي لأنَّه يلغي الفكر، بل يحطِّم فكرة الوعي العقلانية؛ ذلك أنَّه نقدٌ لا يخضع لمنهج علمي، وكأنَّ الناقد يعاقب نفسه. مقابل ذلك لا نريد أن نؤدلج النقد؛ لا نريده يساريًا ولا يمينيًا. نريده (علميًا) نقدًا علميًا بمحتوى اجتماعي وسياسي، يعيد الاعتبار لقيم الجمال، يغذِّي قيم الجمال في ذاتنا؛ إذ يستحيل أن تشتغل بالنقد/ ناقدًا باحثًا عن الجمال، ما لم تكن صاحب منهج جمالي، سواء كان استعراضيًا أو قياسيًا أو شخصيًا أو تاريخيًا أو فلسفيًا أو نفسيًا أو بنيويًا أو… توفيقيًا.

ما نقرأه في الدوريات المتخصِّصة، وفي البرامج المتخصِّصة، كأنَّه يشير إلى غروب العقل الموضوعي، إذ لم نستطع حتى الآن أن نكونَ ماركسيين ولا وجوديين، ولا سورياليين ولا صوفيين، ولا واقعيين ولا فوضويين، ولا بنيويين ولا ألسنيين، ولا تفكيكيين، ولا حداثيين ولا ما بعد حداثيين، ولا عولميين؛ في تأسيس فكرٍ نقدي نقرأ به إبداعنا. الفكر النقدي المسرحي عندنا -إلى الآن- لا يعرف الصراع، فنحن نسمع عن متمردين أصحاب فكر ثوري، لكنَّهم أسرى الثوابت العقائدية، بالمقابل هناك محافظون ورجعيون، لكنَّهم لم يصطدموا مع الثوريين، وإن اصطدموا فبحدود المعاتبة وليس المُعاركة ولو كانت كلامية. حصل من قبلُ شيءٌ من صراع نقدي، في مصر الخمسينيات والستينيات حتى أوائل السبعينيات، وأسَّس المتمردون أو التقدميون لفكر نقدي، وصارت مصر زعيمة الثقافة والنقد، فيما كانت بيروت تنافسها على هذه الزعامة. وصار عندنا (ذائقة) ثقافية نقرأ فيها الشعر والرواية، ونحضر فيها العروض المسرحية والموسيقية، لكنَّها سرعان ما ماتت، بعد أن كشفت/ أثارت صراعًا بين المُبدعين، على اختلاف مواقفهم ومواقعهم، أفضى إلى معارك نقدية/ ثقافية وإلى فضائح.

كيف نحسُّ إيقاع الحياة في العرض المسرحي، كيف نصرف توترنا، ونحلِّل التكثيف الدلالي؟ كيف نفرِّق بين حدثٍ واقعي وحدثٍ لا واقعي؟ كيف نفرِّق بين الزمن المسرحي والزمن الواقعي؟ وهل من صراع بينهما؟ كيف نخرج من زمن وندخل في زمن؟ وهل للكلمة قوَّة ومقاومة؟ هل تجري في أحرفها الحياة أم الموت؟ وهل الذي ينطق بالكلمة/ الحوار على الخشبة هو إنسان عادي – ممثِّل؛ أم هو صوت الإنسان التاريخي الذي يمثِّله أو يمثِّل عنه، باعتباره ذاتًا سيميائية: أوديب، أنتيغون، هاملت، ماكبث، غودو..؟ على أنَّ الكلمة هي مكوِّن إلزامي لأيِّ عرضٍ مسرحي. وهنا قد نصطدم مع مسرح الصورة، أو مسرح ما بعد الدراما، لأنَّه يفتقد أو يتنصَّل من الكلمة/ الحوار، لأنَّه يعتمد العلامات الصورية، أو يشتغل على إحساسنا البصري، أو على قدرتنا البصرية على النفاذ إلى دلالات الصورة المادية والمجرَّدة، طبعًا من دون حساب أن ذاكرتنا قد تعيش اضطرابات، وقد تخفق في متابعة نمو الصراع، وإذا ما كانت الصورة هذه قادرة على استثارة الكلمة، فهل هي صورة لمسرح، أو يمكن أن تعرض على خشبة مسرح، أم هي صورة حُملت إلى المسرح لكنَّها تلائم السينما أكثر؟ مع أنه يمكننا الاستغناء عن الكلمة، لو أننا أخذنا بالاعتبار مسرح (الفودفيل) المبني على الحبكة والغلط، وهو مسرح يقوم على الأحداث لا على الكلمات.

والجمال الذي نبحث عنه وندعو إليه ليس في شَعْرِنا المصفَّف، وليس في بدلاتنا النظيفة الأنيقة المكوية، ولا في ربطات أعناقنا، أو في أحذيتنا ونحن نقف وسط الطبيعة. قد تكون هذه الصورة، المشهد المسرحي، قبيحةً إذا علمنا أنَّ صاحبها قام منذ لحظات بقتل طفلٍ أو اغتصاب امرأةٍ أو قتل شيخٍ عجوز. وعلى الناقد هنا أن يرى هذه الصورة بشكل عقلاني، فيفرِّق بين الطبيعة وتصنيع الموقف والنظام، حتى في مسرح الصورة، أو مسرح ما بعد الدراما الذي يخلو من الحكاية والصراع وأحيانًا من الشخصيات، فيقرأ الدلالة؛ يذهب إلى منظومة الدال العقلانية، أكانت سياسية أو أخلاقية أو حتى فنية، وما تحمله من أسئلة تثير الوعي أو تفتِّحه، لأنَّ للعرض المسرحي -أي عرض- رموزٌ مادية فاصلة، على الناقد أن يمسكها ويحلِّلها بعيدًا عن الانفعال العاطفي.

والعرضُ المسرحي يُفترض أن يقوِّي الروح النقدية عند المتفرِّج، فما بالك بالناقد إذا كان يتجاهل أو يجهل هذه؟ وأيضًا على العرض المسرحي أن يهيِّج؛ أن يثير الرغبة عندنا في المعرفة، فلا يكفي أن نعرف لماذا وكيف قتلَ عطيلُ ديدمونة. بل علينا أن ندافع عنها، ونمنع عُطيل فلا يقتلها، وهنا (اللذَّة) التي نعيشها كمتفرِّجين، ثمَّة التحام شعوري في الأحاسيس، بين المتفرِّج وعناصر العرض الجمالية والفكرية، فما نراه هو تجربة سوسيولوجية، هو درسٌ يبقى في وعينا، يبقى مفتوحًا على العرض كي نرى، نقرأ، نفكِّر، نحبّ، نكره، نخاف، نتشجَّع، نصغر، نكبر. ومن ثمَّ نقرِّر. فنحن بشرٌ؛ نفرح، نحزن ونتألَّم- نتألَّم، نأخذ الألم بجرعاتٍ كبيرة مقابل القليل القليل من الفرح، والمسرحُ وحده مَنْ يُساعدنا في إزالة الألم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق