سلايدرقضايا المجتمع

الحرب السيبرانية السورية بين الثوار والنظام

إضافة إلى الحرب الميدانية في سورية، بين قوات المعارضة والنظام، برزت حرب ثانية، لا تقل قوة وأهمية عن الأولى، وكانت ساحتها شبكة الإنترنت، حيث استخدم الطرفان أدوات المواجهة كافة، من قرصنة ومواد فيروسية خبيثة، وحملات تصيّد و”دعس”، وفيديوهات، ومشاهد يومية للمسيرات السلمية، والمواجهات العسكرية، والانشقاقات والبيانات.. وعكس أنصار المعارضة صورةَ الحياة اليومية للثورة السورية، بلا كلل ولا ملل، وكانت ساحة الإنترنت فسحة حقيقية للمواجهة، في بلدٍ عاش طوال حكم النظام السوري شبه معزول، كما كان الإنترنت أيضًا ميدانًا لتنظيم الثورة ومقاومة ومواجهة النظام، وكان سلاحًا فعالًا في شجب القمع، وكشف جرائم ومجازر النظام الدكتاتوري.

الثورة المنظمة ولجان التنسيق المحلية في سورية

منذ بداية الثورة، ظهرت اللجان المحلية في مختلف القرى والمدن السورية، وكان دورها التخطيط للأحداث، والإدلاء بالشهادات، والإبلاغ عن الأوضاع على الفور، وكانت فاعليتها هائلة، حيث قادت لجان التنسيق المحلية المسيرات والتظاهرات والفعاليات الثورية المتنوعة، وكانت وسيلتها لكل ذلك شبكات التواصل الاجتماعي، وكانت معارك الاتصالات مستعرة في الأراضي السورية كافة، وحصل الثوار -عبر التهريب- على وسائل أكثر تطورًا، مثل مودم للبث عبر الأقمار الصناعية، وهواتف الأقمار الصناعية، بدعم من “أصدقاء الشعب السوري”، آنذاك: تركيا والخليج العربي والدول الأوروبية والولايات المتحدة، وذلك بهدف تجاوز الشبكات السورية، وقد كلفت تلك العملية نحو عشرة ملايين دولار.

أصبح هناك جنود إلكترونيون سوريون على سوية عالية، فكانوا يمثلون الثورة عن طريق الكاميرا، لتوثيق القتال، وتأريخ الثورة، لتظهر للعالم الصعوبات التي كان يعانيها “الجيش السوري الحر” على الجبهات، ومعاناة الشعب السوري ومآسيه، في مواجهة الأسلحة المدمرة.

برزت أهمية الشبكات الاجتماعية، وبخاصة (يوتيوب)، وكان لها تأثير دولي كبير، ولا سيّما توثيق الهجوم الكيمياوي على الغوطة عام 2013، إذ قدّمت دليلًا فاضحًا على ارتكاب جريمة كبرى ضد الإنسانية، وبرهانًا قاطعًا على استخدام الأسلحة الكيمياوية.

وكانت هذه اللجان التي ضمت مواطنين معظمهم غير مختصين عملوا كصحافيين، وتحملوا كل المخاطر لإبلاغ العالم حقيقة ما يجري على الأرض، وكانوا السبيل الوحيدة ليعرف العالم حجم العنف، وقد جمعت تلك اللجان، جنبًا إلى جنب، ناشطي حقوق الإنسان والصحافيين المحليين.

جنود سيبرانيون

على الرغم من أن العمل في الإنترنت كان كالسير في حقل ألغام، فقد قدمت العديد من الحكومات حول العالم، أدوات البرمجيات والاتصالات السلكية واللاسلكية، ومن ضمن ذلك أجهزة الكمبيوتر والهواتف والكاميرات، بدعم نوعي من الولايات المتحدة الأميركية، كما أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية عام 2012، فيكتوريا نولاند، وذلك لضمان سلامة الناشطين، وصممت هذه المعدات لتكون مستقلة، وتتجاوز الشبكة المحلية، ولتمنحهم القدرة على التواصل فيما بينهم، من دون رقابة أجهزة وشبكات النظام السوري.

بالمقابل، عمل النظام على تصيّد الناشطين؛ حيث أسس موقعًا عبر (يوتيوب) لرفع مقاطع الفيديو الخاصة بعمليات “الجيش الحر” عام 2012، وكان موقعًا وهميًا، لتثبيت البرامج الضارة على أجهزتهم، عبر دعوة المستخدم بضرورة تحديث الفلاش فيديو، وبمجرد تحديثه، يتم تثبيت برنامج تجسس، يصل إلى الكمبيوتر ومعلومات الجهاز، ويسيطر على كلمات المرور للمستخدمين.

“الجيش السوري الإلكتروني”

هو مجموعة غير مرئية، ضمت مؤيدي النظام السوري، كانت مهمتها مهاجمة المواقع الإلكترونية للمعارضة السورية ومؤيديها، لاسترجاع البيانات، ونشر أو تسريب أخبار ومعلومات خاطئة، بهدف الضغط على المعارضة والدعاية للنظام.

وتمكن أولئك، في إحدى المرات، من السيطرة على حساب (تويتر) لوكالة (الأسوشيتد بريس) الأميركية، ونشروا خبرًا كاذبًا: “الهجوم على البيت الأبيض وإصابة باراك أوباما”، وقد أدى ذلك إلى تراجع سوق الأسهم في نيويورك، وغوصه في خسائر بلغت واحدًا بالمئة. كما اخترقوا حساب (تويتر) لصحيفة (لوموند) الفرنسية عدة مرات، وكتبوا عبارة: “ندين الإرهاب في فرنسا، لكن لوموند والحكومة الفرنسية تدعم الإرهاب في سورية”.

ساحة معارك بلا قواعد أو قوانين

يتبادل النظام والثوار السوريون اللومَ، ويتهم بعضهم بعضًا بارتكاب أعمال همجية، ويحاول النظام تشويه صورة المعارضة السورية، وبالمقابل نشر ناشطون العديد من مقاطع الفيديو والصور، حتى إن المواطن العادي المستخدم للإنترنت بات يشعر بأنه يحضر الصراع على الهواء مباشرة، وتم نشر كثير من مقاطع الفيديو التي تروج لارتكاب أفعال مرعبة، ارتكبها الخصم، وبذلك تقوم بتدميره، وإفقاده مصداقيته ونزعها عنه نتيجة تلك الأفعال، وطرح قضيته على الرأي العام العالمي، وهذا هو التصميم المقصود بين المتحاربين.

اعتمد الاتحاد الأوروبي -نتيجة الحرب السيبرانية السورية- استراتيجية “الأمن السيبراني”، في شباط/ فبراير عام 2013. حيث إن الحرب السيبرانية لا تقلّ خطورة عن الحرب الميدانية، فقد تعطل عمل المطارات والموارد والمياه والكهرباء، والبنى التحتية، وهي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية.

تشكل في الحرب السيبرانية السورية ثلاثة أنواع من الناشطين السيبرانيين السوريين، وهم: الصحافيون الفعليون، وناشطو الإنترنت، والصحافيون المواطنون، وفي عام 2014 -على سبيل المثال- سقط 15 صحافيًا سوريًا من أصل 69، في مختلف أرجاء العالم، بينما قتل في العام نفسه من مواطني أو ناشطي الإنترنت والمواطنين الصحافيين 17 سوريًا، من أصل 19 في العالم. ونتيجة تلك الإحصاءات؛ فرضت كل من الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على الشركات الأمنية لمراقبة شبكات الإنترنت التي تبيع أجهزتها للنظام السوري وإيران، مثل شركة كوسموس وغاما إنترناشونال وأميسيس، لتورطها في بيع معدات وتقنيات مراقبة للنظام السوري، تتنافى مع حقوق الإنسان، وقد تسببت في مقتل العديد من الناشطين السوريين. وقد فتح المدعي العام الفرنسي تحقيقًا في ذلك، وتم قرار الحظر في الاتحاد الأوروبي على ضوء التحقيق، في كانون الأول/ ديسمبر 2014، لتلتحق الولايات المتحدة بذلك القرار، ومنع تصدير تلك الأجهزة المتطورة لأنظمة استبدادية.

آخر أخبار الحرب السيبرانية السورية، كان عندما تداعى ناشطو الثورة السوريون في برلين، عبر (فيسبوك) بداية كانون الأول/ ديسمبر 2018، للتصدي لتظاهرة لمؤيدي النظام، يُطالبون فيها برفع العقوبات الدولية عن النظام، ويهتفون لرأس النظام ويرفعون أعلامه وصوره؛ فتوجهوا إليهم على الفور، وحاصروهم وقاموا بإبعادهم.

كذلك عرضت وزارة الدفاع الروسية مكافأة مالية، في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2018، لمن يدلي بمعلومات عن الجهة التي اخترقت نظام الجيش الإلكتروني الروسي في سورية.

كما اعتمدت وكالة الأنباء الفرنسية عدة مصورين سوريين، ممن احترفوا الحرب السيبرانية السورية، لتغطية أحداث احتجاجات (السترات الصفراء) في فرنسا، ونشرت صورهم عبر العالم، نتيجة خبرتهم الطويلة في توثيق أحداث الثورة السورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق