سلايدرقضايا المجتمع

استغلال النازحين السوريين.. يأس فوق يأس

منذ أن تحولت الرقة إلى موئل للنازحين من دير الزور، نتحاشى لمس ذلك الوجع بالأقلام، ذلك الوجع الذي لاحقَنا طوال سبع سنوات، ولا بد من كتابته الآن، قبل أن يبرد الجرح، ويتحول الألم إلى مجرد ذكرى.

المكاتب العقارية التي اشتغلت على استغلال النازحين من دير الزور -آنذاك- موجودة في كل المدن السورية، من شرق الفرات، إلى جنوب دمشق، ولم يتوقف الأمر عند السكن، بل امتدّ ليشمل المفردات التي تحتاج إليها حياة النازحين كافة، من طعام وشراب ولباس، كنا نرى تلك الوقائع من وراء زجاج اللغة، ونشيح عنها الأقلام، إلى أن سقطت الشعارات في سلة المهملات، وهدّ يقين ما نراه أملًا في ما نتمناه!! لقد تعاملنا مع جيوب بعضنا، ولم نتعامل مع ذلك الشعار! فامتلأت جيوبُنا، وافتقرت نفوسنا، وتحولنا من حاملي قيم، إلى حاملي مال!!

ليس المقصود من هذه النافذة أن نطلّ على الرقة وحسب، بل على الرقة، والحسكة، وحلب، وحماة، وحمص، وطرطوس، واللاذقية، ودمشق، والسويداء. فالذين نزحوا وجدوا أنفسهم يخوضون حربًا أخرى بتكاليف أقل، تكاليف تنال من كرامتهم بدلًا من أن تنال من أرواحهم، فلقد بدّل النازحون عناوين إقامتهم، فأخطأتهم القذائف، وأصابتهم أطماع إخوتهم السوريين، فقتلهم ذلك الشعار مرتَين، مرة في مدنهم، ومرة أخرى في المدن التي نزحوا إليها، والكل يتألم على دمار المدن السورية، ويتعاطف مع أهلها، لا بل إن البعض يتطرف في تضامنه إلى درجة تكاد تقطع حديثه الإنساني معك، وتصرخ: (واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد)، يحدث هذا طالما المسألة في إطارها الكلامي، أما في الإطار العملي، فالوضع مختلف كثيرًا، ومما يُذكّر بتعريف الإيمان (الإيمان ما وقر في القلب، وصدّقه العمل).

لا نشك في وجود عدد كبير من السوريين المؤمنين بهذا الشعار، لكن النسبة الأكبر تدّعي الإيمان به، وسرعان ما تنكشف حين تصبح مصالحهم المادية على المحك، سواء أكانت المصلحة آجار البيت، أم أجرة التكسي، أم ثمن السندويشة. نعم، ثمن السندويشة أو علبة التبغ أو ما يوازيها ثمنًا، فمن المؤسف أن الضمائر ماتت قبل أن تموت الحرب، وأصبح المنطق التبريري سيد الحوارات، وصار ارتفاع سعر الدولار حاملًا موضوعيًا لاستغلالنا بعضنا، فهذه الذريعة أصبحت قيد الاستعمال، وشاعت بين الأوساط المعنيّة بصرف الدولار، وغير المعنية أيضًا، وهو ما جعل الرواتب ترتجف، في شتاء جيوب الموظفين النازحين، فالكلام عن صرف الدولار غالبًا ما يقال لمواجهة دهشة النازح من الغلاء، النازح الذي لم يعد لديه من هم سوى التفكير في التخلص من وحل الحياة اليومية التي وجد نفسه فيها.

لقد خرجت حياتنا من مدار الأهداف التي نسعى لتحقيقها، وصارت في مدار الفضول الذي تبحث عنه بعض العيون، ولم يبق لنا إلا الكلمات نصدّ بها دهشة الآخرين. نبحث في مجازات اللغة عن الكلمة التي تصنع فرقًا، نلوذ ببيت أبي تمام: (إن نفترق نسبًا، يؤلف بيننا/ أدب أقمناه مقام الوالد) إلاّ أن هذا البيت ليس له جدران تحمينا من تطاول الطمع الذي نبت في نفوس إخوتنا، منذ أن لجأنا إلى مدنهم.

نحن الآن نقف على ناصية اليأس، نبحث عن طريقة للخلاص من تلك القيامة التي قامت على رؤوسنا، ننظر إلى الجانب الآخر من الحياة، تمتدّ أمامنا طريق طويلة إلى الجحيم. ومن المؤسف أن مخازن الرصاص ما زالت مليئة بالطلقات القاتلة للأمل. ولأننا لا نستطيع أن نغضب من أحد، فقد ارتد غضبنا علينا، وأصبح كل واحد منّا “زعلان من حالو”، يلوكنا وجع البقاء، كما يلوكنا وجع الرحيل، وتشوهات أطفالنا تنمو فوق هذه المواجع. هذا الكلام ليس نفثة مصدور، إنه الواقع الذي لا يعرف ألمه إلا الطبقة الفقيرة من النازحين، أمّا أولئك الذين غادروا مدنهم مع امتيازاتهم، فمرآتهم لا أرى فيها نفسي.

هذه الهزة التي ضربت سورية، ما زلنا في الحركة الأولى منها، وننتظر الهزة الارتدادية، وآنذاك، سيكون موت من مات أهون من بقاء من بقي! آنذاك سيجد علم النفس بفروعه، وعلم الاجتماع، شواهد واقعية على كل التشوهات التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان. فهذا الفضاء المنذور لسجالات الشر، والشر المضاد، ستعاني البلاد من تداعياته ردحًا طويلًا من الزمن. والسؤال بعد هذه الانتكاسة المهولة: هل بقي في الشعب السوري من يستطيع التكيف مع قيم الحضارة المنشودة، وأنساقها الثقافية والإنسانية، بعيدًا من النفاق الاجتماعي القائم؟ “فالحقائق العلمية المذهلة، وما صاحبها من تقدم تكنولوجي هائل وسريع، صدمت توازنات العقل السائد” في الغرب، فما بالك بمجتمعات ما قبل الدولة؟! وهل يمكن القفز إلى خلاصات العقل التأملي الذي لامس في تطوره العلمي حدود الميتافيزيقا، والاستفادة منها؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق