ترجماتسلايدر

البحث عن مخارج

منذ ما يقارب سنتين، بدا الرئيس ترامب واضحًا بشأن التهديد الذي يشكله أولئك الذين يطلقون على أنفسهم اسم “المجاهدين”. وقد عيّن فريقًا للأمن القومي رفيع المستوى، مصممًا على سحق الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تستخدم الإرهاب لتحقيق التفوق الإسلامي، وعلى الأقل احتواء جمهورية إيران الإسلامية. ولكنه، في الأسبوع الفائت، عكس مساره فجأةً.

رفض ترامب نصائح كل من وزير الدفاع جيمس ماتيس، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، ووزير الخارجية مايك بومبيو، وقرر سحب جميع القوات الأميركية في سورية، ونحو نصف القوات الموجودة في أفغانستان، وعددها 14 ألف جندي.

يتبادر إلى الأذهان تلك الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها الرئيس أوباما الذي لم يكن واضحًا قط بشأن التهديد الجهادي. ففي عام 2011، تجاهل أوباما مستشاريه للأمن القومي، وسحَب جميع القوات الأميركية من العراق؛ ونجم عن ذلك صعود “الدولة الإسلامية”، ثم بلا مبرر سحبَ فريق (JV)، فاتحًا أبواب العراق أمام قادة إيران.

منح أوباما إيران فرصة للحصول على الثروة والتمكّن، مقابل التوصل إلى اتفاق يستند إلى الثقة أكثر من التحقق، وهدفَ الاتفاق إلى إبطاء عملية الحصول على الأسلحة النووية، لا إلى إلغائها.

مع بداية عام 2011، قرر السيد أوباما أن لا يفعل أي شيء لمساعدة أولئك الذين خرجوا في احتجاجات ضد الدكتاتور القمعي بشار الأسد، وهو تابع للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وكان من بين النتائج المترتبة على تقاعس السيد أوباما، على مرّ السنين الماضية، موتُ نصف مليون سوري من الرجال والنساء والأطفال، وفيضٌ من اللاجئين إلى أوروبا، تسبب -على أقلّ تقدير- في زعزعة الاستقرار.

كذلك في أفغانستان، لم تحقق سياسة أوباما أي تماسك قط. ولعل الأكثر تناقضًا أنه في أواخر عام 2009، أعلن زيادة الجنود فيها بمقدار 30 ألف جندي، ثم قال: “بعد 18 شهرًا، ستبدأ قواتنا العودة إلى الوطن”. بعبارة أخرى: أخبرَ طالبان والقاعدة بأنكم إذا صمدتم بعض الوقت؛ فسوف تكونون بخير بعد ذلك. وكذلك فعلوا، وهذا ما كان.

طوال عامين، اتبع سيادة الرئيس ترامب نهجًا مختلفًا. قوة صغيرة ذات فاعلية عالية في شرق سورية، حوالي 2000 جندي، معظمهم من وحدات العمليات الخاصة مدعومة بسلاح الجو وقوات البحرية، تعمل مع حلفاء محليين، استطاعت طرد مقاتلي الدولة الإسلامية، من معظم الأراضي التي احتلوها.

اعتُبر هذا تقدمًا مهمًا. ولكن أن تعلن، كما فعل السيد ترامب الأسبوع الماضي، هزيمة الدولة الإسلامية؛ فإن هذا سابقٌ لأوانه. لأن هناك نحو 30 ألف مقاتل ما زالوا في سورية والعراق، وعلينا أن نتوقع الآن أنهم سيعيدون نشاطهم، تحت زعامة “أبو بكر البغدادي” الذي لم يلاحَق ولم يُقضَ عليه.

كذلك نجح الحضور العسكري الأميركي في منع قادة إيران من إنشاء ممر أرضي، من خلال سورية إلى لبنان -الذي يتحكم فيه حزب الله التابع لإيران- ليصل إلى البحر المتوسط.

من المفيد أيضًا أن نذكر أن حوالي 90 في المئة من النفط السوري يقع ضمن الأراضي التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. هذه الموارد سوف تُعاد قريبًا إلى صندوق السيد الأسد، ما يقلل نسبة المبالغ التي يحصل عليها من آية الله خامنئي -وهي تقدر بنحو 16 مليار دولار سنويًا- التي سوف تدعم الدكتاتور الذي يرتكب مجازر جماعية.

هذا ما يوفر كثيرًا من المال للإرهابيين، والصواريخ التي يمكن أن تُزود بالرؤوس الحربية النووية. هذا يضعف الضغوط الاقتصادية التي يمارسها السيد ترامب على إيران، لإجبارها على تقديم التنازلات.

من بين المستفيدين الآخرين من الانسحاب، فلاديمير بوتين الذي استطاع، في عهد الرئيس أوباما، إعادة تأسيس موطئ قدم روسي في الشرق الأوسط، للمرة الأولى منذ الحرب الباردة، وكذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو حاكم مستبد يدعم الإخوان المسلمين.

أخشى أن لا يكون هذا كل شيء. إن مغادرة سورية في وقت قريب تعني التخلي عن القوى العربية المعتدلة، عن المسيحيين والكرد الذي حاربوا معنا ضد الدولة الإسلامية. والذين من المرجح أنهم سيستسلمون أو سيذبحون، إما على يد القوات السورية أو القوات التركية. أو ربما على يد الطرفين.

سوف يواجه الأردن والعراق -وهما الدولتان اللتان قمنا فيهما باستثمارات كبيرة- مخاطر إضافية. كذلك سوف تتعرض إسرائيل إلى مزيد من الضغوطات.

في رسالة استقالته المقدمة إلى السيد ترامب، أوضح الجنرال ماتيس أنه لا يستطيع، بضمير حي، اتباع سياسة هزيمة الذات، والتخلي عن الحلفاء الذين حاربوا معنا، ووضعوا ثقتهم بنا.

على مدار عامين، بدا الرئيس ترامب مدركًا ما لم يقم به السيد أوباما: إن أولئك الذين يعلنون -بفخر- أنهم مجاهدون، لا يمكن استرضاؤهم؛ إن إلحاق الهزيمة بهم يستدعي نظرية الانتصار، مقترنة باستراتيجية، ووفرة الموراد، والصبر، وإرادة من حديد.

بدأت الحرب الحالية قبل أربعين سنة من الآن، بعد شهر من إعلان ثورة غير متوقعة من جمهورية إيران الإسلامية، وهي أول دولة قومية حديثة التزمت الصراع الذي حُدّد هدفه على المدى الطويل، تحديدًا لا شك فيه وبصورة مستمرة: “الموت لأميركا!”، واتسعت رقعة الحرب في عام 2001، عندما ذبحت القاعدة أميركيين على أرض أميركية.

قاد هذا الهجوم القواتِ الأميركية إلى أفغانستان، للقضاء على حركة طالبان، مضيفة تنظيم القاعدة، صمدت طالبان في القتال، وهي تعرف أنها سوف تعود. أيمن الظواهري، خليفة أسامة بن لادن في زعامة القاعدة، الذي فشلنا في تعقبه والقضاء عليه، يمكن أن يكون على ثقة بأنها ليست المرة الأخيرة، التي يرى فيها الكفارَ يتراجعون.

إن ترامب ليس مخطئًا في إنهاء هذه الحرب الطويلة، وكذلك أوباما لم يكن مخطئًا. ولكن كليهما فشل في فهم وجهة نظر جورج أورويل الشهيرة: “إن أسرع طريقة لإنهاء الحرب هي أن نخسرها”. ربما، في الأيام المقبلة، سيسأل السيد ترامب نفسه: هل كانت هذه هي الطريقة الفضلى بالفعل؟

العنوان الأصلي

Looking for the exits

 

الكاتب

كليفورد دي ماي رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات وكاتب عمود في صحيفة واشنطن تايمز.

المصدر

واشنطن بوست 25 كانون الأول/ ديسمبر 2018

الرابط

https://www.washingtontimes.com/news/2018/dec/25/president-trump-repeats-the-strategic-errors-of-hi/

المترجم

وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون/ محمد شمدين

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق