مقالات الرأي

إصلاح العلاقة بين الفرد والجماعات والهويات

تآلفَ السوريون، منذ عقودٍ خلت، مع اعتقادٍ شبه مسلّمٍ به، يجعل من القومية والوطن والأديان والأيديولوجيات كياناتٍ متعالية وأيقونات أهمّ من المواطن/ الإنسان نفسه، حتى أضحت مصلحة تلك الكيانات فوق مصلحته الشخصية، وهويتها أهم من أولاده، والأيديولوجية قبل رغيف خبزه.

تسمى هذه الطريقة في التفكير، في العلوم الإنسانية، بالطريقة الجمعية التي تعلي قيمة الجماعة الكبرى، وتجعل الفرد لا يستطيع أن يفكر في نفسه إلا بوصفه عضوًا في تلك الجماعة، يستمد منها هويته وشعوره الداخلي بالجدوى والأمان، وهي -على العموم- طريقة مريحة، على اعتبار أن الفرد -بحسب جان جاك روسو- “حيوان اجتماعي”. غير أن الفرد في هذه المجتمعات ذات الهويات الجمعية كثيرًا ما يتم التخلي عن حقوقه ومصالحه، لمصالح ذلك الكيان الجماعي، الذي من الممكن أن يكون عِرقًا أو قومية أو معتقدًا دينيًا أو لغةً أو إقليمًا.

وعلى الرغم من الإيجابيات التي يتحدث عنها أنصار النظريات القومية، والجمعية عمومًا، من حيث إنها تجلب للجماعة الاستقرار والتضامن الاجتماعي وما إلى ذلك، فقد تبيّن، مع توسع دراسات ما بعد الحداثة، أن الفرد قد صنع لنفسه سجنًا لا يمكنه أن يفلت منه بسهولة. وتبيّن أن سبب معظم الحروب التي خاضتها الشعوب هو تضخم الانتماءات القومية والدينية، واستثمار السلطات السياسية لها، كما تبين أن الأنظمة التي تحكم باسم القوميات والأديان هي من أكثر الأنظمة استخدامًا للعنف والتدمير ضد شعوبها. حتى تحوّل الانتماء القومي إلى وصفة سحرية لأنظمة الحكم في سورية والعراق ومصر واليمن والجزائر، والانتماء الديني إلى وصفة سحرية لأنظمة الحكم في الخليج، حيث تتبنى تلك الأنظمة الأيديولوجيا القومية أو الدينية، ثم تفعل بشعوبها ما تريد.

بعد سبع سنوات من الثورة، وما لاقاه السوري من ويلات ودمار وقتل على يد النظام الأسدي “القومجي الممانع”، وعلى يد الكتائب الإسلامية التي تحولت إلى ما يشبه المقار الأمنية سيئة السمعة، لتكون رأس الحربة في الثورة المضادة؛ يبدو أن هذا السوري ما يزال يُعلي قيمة القومية والوطن والانتماء الديني، كقاعدة يضعها لنفسه، عندما يفكر في السياسة، حتى إن المتابع لنقاشات المؤيدين للنظام، والمعارضين له، يجد أنها كثيرًا ما تتحول إلى نوع من المزايدات القومية والوطنية، تؤكد أهمية وصحة الانتماءات والهويات، وتجرّم الأشخاص والفاعلين المباشرين، وهي طريقة يكررها الناس منذ آلاف السنين، على الرغم من تناقضها الداخلي.

التفكير في السياسة، عبر الانتماءات والهويات، أمرٌ يؤدي بالضرورة إلى تبنّي تصور دكتاتوري للحاضر والمستقبل، أي أنها طريقة في التفكير تقبل بالدكتاتور والطاغية والمهووس دينيًا، إذا كان سيُعلي شأن الجماعة ويدافع عنها. حتى إن هذه الطريقة في التفكير تتساهل مع الطاغية، وإن هو نهب أموال الجماعة، وزج بأبنائها في السجون، وعمّم الفساد لكي يساعده في إدارة الجماعة. وهذا يعني، من بين ما يعني، أن السوري اليوم لا يمكنه مقاربة مشاكله، والتفكير في مستقبله، إلا إذا حرر تفكيره السياسي من تلك الانتماءات.

الهويات، سواء أكانت قومية أم دينية، هي كيانات من أجل الحروب والإقصاء، ولا تفيد إلا الطغاة الذين يعرفون كيف يستفيدون منها، هم أصدقاؤها الصدوقون، وهي تساعدهم في تدجين الناس على نحو أفضل، حتى من الأجهزة الأمنية والقمع العسكري، وبكلفة أقلّ، كما يقول ميشل فوكو. والهوية، بحسب أمارتيا صن (الهندي الحائز على جائزة نوبل) هي أكبر قاتل في التاريخ، وأكبر مدجن للشعوب. هل هناك طاغية في العالم العربي، من دون حامل قومي أو ديني؟

الأصل في الجماعات المتخيلة أن الإنسان كوّنها كي تخدم الفرد ومصالحه وتساعده على نائبات الدهر، أما عندما تتحول الجماعة إلى كيان يهيمن على الفرد ويريد منه أن يضحى في سبيلها؛ فإنها تفقد أسباب وجودها، وتتحول إلى عائق، وعلى الفرد أن يعيد النظر في التعامل معها.

الخروج من عباءة الانتماءات الجماعية والهوياتية يحسّن شعور الفرد بحريته، ويجعله أكثر واقعية، وأقرب من فهم الأمور فهمًا عقلانيًا، وبحسب إدغار موران، يصبح أكثر شعورًا بالمسؤولية. وهذا يعني أننا -السوريين- قد نكون أقدر على التفاهم مع بعضنا، وأقل شكًا في بعضنا، وأكثر إدراكًا لأهمية الديمقراطية، بوصفها القاعدة التي يمكن أن توضع عليها كل مشكلاتنا، عندما نتمكن من التفكير بالسياسة، بعيدًا من الانتماءات القومية والدينية والطائفية والعرقية.

هناك قلقٌ متزايد من أن التفكير بالسياسة، لدى السوريين، قد لا يتناسب مع التضحيات الهائلة التي قدموّها، فالكل تاجر بهم، وساوم عليهم، وتعامل معهم وفق ما يناسب حساباته، وهذا أمرٌ مفهوم، ولكنه مكلف جدًا.

هنا تبرز واحدة من أبرز المشكلات التي يبدو أن السوري بحاجة إلى العمل عليها، ونقصد بها علاقة الفرد بالمجتمع، أي علاقة الفرد بالقيم والمعايير والمبادئ التي يلزم المجتمع بها أفراده، ويعيّن نفسه وصيًا على الجميع من خلالها. المجتمع المؤدلج يميل إلى جعل الناس يفكرون بطريقة طوباوية وليست عملية، يضع لهم هويات وأهدافًا ومكانة متخيلة، حتى إن الفرد يغدو مرهقًا من التفكير، عبر تلك الهويات والمتخيلات، وبعيدًا من الطريقة العملية في التفكير. مثل هذه الطريقة الطوباوية لها ثمنها، لأنها تجعلنا نعيش الواقع من خارج الواقع. تجعلنا لا نعرف لماذا نضع تقسيم سورية كخط أحمر، نحن الذين قبلنا، قبل مئة عام بتقسيم الوطن العربي لعشرات الدول؟ ولماذا طردنا المستعمرين، وقبلنا بمن جعلنا نترحم على أيامهم؟ ولماذا دخل مؤيدو النظام ساحة الأمويين راقصين مهللين، فرحًا بالضربة الأميركية، قبل أشهر؟

من المهم بالنسبة إلى السوري اليوم، أن يفكر في التغيرات التي طرأت على سورية، وإدراك معنى التحولات التي تعيشها، وتحديد أصل الصراعات، وكيف تتغير خريطة الفاعلين الاجتماعيين. فالروح العامة هنا هي روح نقدية ومسؤولة في الوقت ذاته، لا تكتفي بطرح شعارات شعبوية والدفاع عنها، أو تقديم أفكار براقة والقيام بحراستها.

التفكير النظري المثالي يجلب الحلول لكل المشكلات بسرعة البرق، ولذلك يفضل الناس -على مرّ التاريخ- هذا النوع من التفكير، ويميلون إلى الهروب إليه. أما التفكير العملي الذي يعتمد الاحتمالات والتعامل مع إحراجات الواقع، فلا يقدّم سورية بوصفها “مدينة فاضلة”، ويكاد يفقدك توازنك، إذا سألك أحدٌ مثلًا: هل تفضّل لمدينتك الانفصال عن سورية، أم العودة إلى “حضن الوطن”؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق