ترجماتسلايدر

سورية تواجه مستقبلًا هشًا، تهيمن عليه روسيا وإيران

صورة الغلاف: جنود من القوات الخاصة الأميركية في موقع متقدم خارج مدينة منبج في شمال سورية في شباط/ فبراير. ماوريسيو ليما لصحيفة نيويورك تايمز

تهدد تركيا باجتياح سورية للقضاء على المقاتلين الأكراد. القوات السورية تتقدم نحو الأراضي التي سيتخلى عنها الأميركيون قريبًا. إسرائيل تقصف ميليشيات مدعومة من إيران في عمق سورية. وقد تتحرك روسيا قريبًا لسحق آخر آثار التمرد السوري المناهض للحكومة.

إن سورية التي يُخليها الجيش الأميركي، بناء على أوامر الرئيس ترامب، هي نسخة بلقانية من البلد الذي انغمس في حرب أهلية كارثية قبل نحو ثماني سنوات.

الآن، مع انسحاب القوات الأميركية ونهاية التمرد ضد بشار الأسد، ستكون إيران وروسيا أكثر حرية في استعراض قوتهما في سورية.

ريتشارد هاس، وهو دبلوماسي منذ مدة طويلة ورئيس مجلس العلاقات الخارجية، غرد على تويتر يوم الأربعاء 26 كانون الأول/ ديسمبر: “مرحبًا بالشرق الأوسط في مرحلة ما بعد أميركا”.

تظاهرة ضد النظام السوري وحليفه الروسي في إدلب، أيلول/ سبتمبر 2018 عمر حاح قدور/ الوكالة الفرنسية

نظرة إلى التعقيدات المتغيرة للصراع السوري:

كيف يمكن أن تبدو سورية بعد الحرب؟

بعد سنوات من إراقة الدماء التي بدأت مع احتجاجات الربيع العربي التي ألهمت الأمل بالتغيير الديمقراطي، فإن المستقبل السوري الأكثر احتمالًا، كما يعرضه محللو الشرق الأوسط، هو نسخة أكثر هشاشة بكثير مما كان موجودًا قبل الحرب: الأسد سيقود حكومة قمعية تكون دُميةً بيد روسيا وإيران.

كلا البلدين حليف منذ مدة طويلة للأسد. من خلال إنقاذه بالقوة الجوية الروسية والقوى البشرية الإيرانية، رسخوا أنفسهم إلى حد كبير.

إيران الشيعية، التي تنافس القوى السنية بقيادة السعودية للنفوذ عبر المنطقة، أرسلت عشرات الآلاف من المقاتلين الإيرانيين والوكلاء إلى سورية. إنها تبني أضرحة شيعية وتقوي الميليشيات الشيعية التي تأمل أن تستخدمها كوسيلة ضد إسرائيل.

روسيا، التي مارست بالفعل نفوذًا سياسيًا كبيرًا في سورية، تسيطر على سياستها الخارجية، وأجهزتها العسكرية والأمنية. وهذا جزء من الثمن الذي فرضته موسكو مقابل حماية الأسد، وهو مستبد متوحش وصفه القادة الغربيون بأنه قد انتهى.

ما الذي ستحصل عليه روسيا وإيران في المقابل؟

على الرغم من أنهم قد يجدون البقاء في سورية مكلفًا ومحبطًا وغير شعبي في البلد، فإن روسيا وإيران حصلتا على ميزة من التفوق على الولايات المتحدة: النفوذ الإقليمي.

دانييل بينايم، وهو باحث يركز على الشرق الأوسط في مركز التقدم الأميركي، وهو مجموعة أبحاث ليبرالية في واشنطن، يقول: إن هذا هو “سيناريو الحلم” بالنسبة إلى كلا البلدين. “لقد تمكنوا من رواية القصة التي كانوا يقولونها للجميع -لأصدقاء أميركا وأعدائها على حد سواء- بأن أميركا لم تعد شريكًا موثوقًا به في الشرق الأوسط”.

لماذا الجنود الأميركيون في سورية؟

تم نشر ألفي أميركي في شمال شرق سورية، بالتعاون مع القوات التي يقودها الأكراد، لطرد الدولة الإسلامية (داعش) من المنطقة. لكن تلك الشراكة أغضبت تركيا المجاورة، التي ترى أن الأكراد الذين يطالبون بالاستقلال الذاتي عدو خطير.

كيف -والحال هذي- يظلّ القتال ضد الدولة الإسلامية (داعش) في سورية غيرَ واضح. ويُعتقد أن هناك ما يُقدر بـ 30,000 من أتباع داعش منتشرون في البلاد.

يتوقع العديد من الخبراء أن يؤدي الانسحاب الأميركي المتسرع إلى نشوب معركة كبرى أخرى، إما مع تحرك تركيا لسحق أعدائها الأكراد، أو عندما تستعيد قوات الأسد المنطقة الشمالية الشرقية، أو مع كليهما.

من المحتمل أن يتمكن الأكراد والأسد من التوصل إلى اتفاق أولًا. وإذا لم يتوصلوا، فإن جولة جديدة من القتال يمكن أن ترسل موجات جديدة من اللاجئين -أكراد وغيرهم- يفرون نحو العراق في جولة جديدة من الفوضى يمكن أن تساعد أيضًا في إعادة إحياء داعش.

آرون لوند، وهو محلل وباحث في مؤسسة القرن، وهي مركز أبحاث، يقول: “هذا أمرٌ محتمل تمامًا، إنه خطر الفوضى الشاملة، وذلك عندما يختفي تمامًا ما كان يحافظ على الوضع مستقرًا -سواء أكان جيدًا أم سيئًا- في سحابة دخان”.

من سيشغل/ يحتل الأراضي التي أخلاها الأميركيون؟

وفقًا لمعهد دراسات الحرب، فإن روسيا وإيران والميليشيات المدعومة من إيران، ومنها حزب الله الشيعي اللبناني، هم في موقع جيد للاستيلاء على الأراضي في شمال شرق سورية التي تخلت عنها الولايات المتحدة. وهم يشغلون 29 موقعًا قريبًا، وفقًا للمعهد ذاته، وسبعة مواقع أخرى عبر الحدود العراقية.

المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يتخذ من بريطانيا مقرًا له، ويتابع الحرب في سورية عبر شبكة من المراقبين المحليين، قال يوم الأحد إن الحكومة السورية أرسلت آلاف المقاتلين نحو آخر بقعٍ لداعش في شمال شرق البلاد.

ما الذي تبقى من التمرد المناهض للأسد؟

الملجأ الكبير والأخير للمتمردين المعارضين للسيد الأسد في محافظة إدلب شمال غرب سورية، المجاورة لتركيا. قد تساعد روسيا قوات الأسد في استعادة السيطرة على المحافظة في نهاية المطاف. لكن من المتوقع أن تتفاوض روسيا أولًا مع تركيا التي تدعم الجماعات المعارضة للأسد والتي لها مصلحة راسخة في ما يحدث على طول حدودها مع سورية.

كيف أثرت التغييرات على إسرائيل؟

يقول محللون إن إيران تستطيع الآن ربط شركاء شيعة في العراق وسورية ولبنان، في جبهة موحدة ضد إسرائيل. في سورية، تهدف إيران وحزب الله إلى تعزيز وجود عسكري بالقرب من مرتفعات الجولان، التي ضمتها إسرائيل بعد احتلالها في حرب 1967.

وقد أوضحت إسرائيل أنها لن تتسامح مع أي تهديد متزايد من سورية، وهو ما برهن عليه الإسرائيليون يوم الثلاثاء، بالغارات الجوية بالقرب من دمشق.

الروس، الذين يتمتعون بعلاقات جيدة مع إسرائيل، سمحوا -ضمنيًا- بالقيام بمثل هذه العمليات في الماضي. ومع ذلك، احتج الكرملين يوم الأربعاء على ما أسماه “انتهاك جسيم” لإسرائيل على السيادة السورية.

كيف تُغيّر إيران سورية؟

تواجه الشراكة الشيعية بقيادة إيران في سورية خللًا أساسيًا: عدد قليل من الشيعة في دولة ذات أغلبية سنية. ومع ذلك، وسعت إيران نفوذها بين المقاتلين والمدنيين السوريين.

في بعض مناطق سورية، قامت إيران بتوزيع أموال لتغطية تكاليف السكن للأشخاص الذين شردتهم الحرب، وفي مناطق أخرى، أقامت أضرحة شيعية، استقطبت الزوار من إيران والعراق وسورية، حسب المرصد.

وفي تحدٍ للعلمانية التاريخية للحكومة السورية، ملأت إيران وحزب الله أجزاء من البلاد، بعلامات دينية على نحو صارخ. كان من النادر في الماضي، على سبيل المثال، رؤية احتفالات عاشوراء، وهي عطلة شيعية أساسية، في المناطق غير الشيعية في دمشق. الآن، مواكب وطقوس عاشوراء هي واضحة جدًا.

أصبح بعض الجنود في الجيش السوري العلماني تاريخيًا أكثر تدينًا؛ بعد انضمامهم إلى الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. وتحول آخرون إلى مثل هذه الميليشيات لأسباب غير دينية، حيث يحصل المقاتلون في الجماعات المدعومة من إيران على رواتب أفضل، وإجازات أكثر، من التي يقدمها الجيش، ولا يعني الانضمام إلى الميليشيا الشيعية بالضرورة التحول إلى المذهب الشيعي، لكنه تحول ملحوظ عن الطريقة القديمة.

علي رزق، وهو محلل مقيم في بيروت ويكتب عن إيران، قال: “لم يعد الجيش علمانيًا صرفًا”. وقال إن إيران وحزب الله نشروا معتقداتهم الشيعية بين بعض القوات السورية. “إنهم بشر فقط، بعد كل شيء، كانت هذه الوحدات تنسق مع بعضها البعض، وتقاتل جنبًا إلى جنب”.

هل الروس مُرحبٌ بهم في سورية؟

عززت روسيا العلاقات مع الزعماء السوريين، وعززت علاقاتها مع تركيا وتفوقت على الولايات المتحدة كقوة لا بد من مواجهتها في الشرق الأوسط.

كما أظهر الروس فهمًا عميقًا للحساسيات السورية، بإرسال رجال الشرطة العسكرية من الشيشان ذات الأغلبية السنية في روسيا، على سبيل المثال، للتفاوض بشأن انسحاب المتمردين والحفاظ على السلام في المناطق السنية التي استعادها قوات الأسد.

وفي زيارة إلى الضواحي الجنوبية من دمشق التي كان يسيطر عليها المتمردون سابقًا في تشرين الأول/ أكتوبر، كان ثلاثة من رجال الشرطة العسكرية الروسية يقومون بدورية في مركبة مدرعة خضراء تحمل العلم الروسي. حيّاهم السوريون باللغة العربية، وتمتموا في بعض الأحيان بكلمة “بريفييت، привет” باللغة الروسية بمعنى مرحبًا.

سوريون يحملون أعلامًا سورية وروسية وإيرانية في تظاهرة ضد الضربات الأميركية. عمر صناديقي/ رويترز

رحّب كثيرون بالروس، مفضلين إياهم على قوات الأمن الحكومية أو ميليشيات الشيعة المدعومة من إيران. أولئك الذين لا يزالون يعارضون الحكومة في المنطقة قالوا إنهم يشعرون بالاطمئنان، عندما أظهر مقطع فيديو على يوتيوب رجال الشرطة العسكرية الروسية يقبضون على جنود سوريين متهمين بالنهب. بعد ذلك، في حزيران/ يونيو، عندما قبضت ميليشيات شيعية على اثنين من الرجال السنة، ضغط الروس على الميليشيات لإطلاق سراحهم، حسب قول السكان.

وقد ساعدت هذه الحوادث في إقناع السكان بأن روسيا ليست لديها مصلحة في تأجيج الخلافات السنية الشيعية، ويمكن أن تواجه أي تحركات تقوم بها قوات الأسد للانتقام من المعارضة.

أحمد البقعة (55 عامًا) وهو أبٌ لثلاثة أبناء كانوا يقاتلون مع المتمردين، قال: “إيران لديها مشروع طائفي. لكن روسيا لا تهتم بالخلفيات العرقية والدينية للناس”.

هل يمكن أن تفترق روسيا وإيران حول مستقبل سورية؟

يقول المحللون إن إيران وروسيا هم بالفعل في منافسة، مع رغبة روسيا في تشكيل حكومة سورية تدعم نفسها بنفسها، من دون المساعدة العسكرية والمالية الروسية، بينما تفضل إيران شيئًا أضعف. وقال جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية: إن البلدين بدأا بالفعل وضع مستشارين في الأجهزة الأمنية السورية.

لكن كلاهما يواجه تحديات للبقاء في سورية؛ إذ لا يمكن لأي منهما تحمل تكاليف إعادة إعمار سورية، وقد تتجاوز في بعض التقديرات 200 مليار دولار.

قال هيلترمان: إن الروس “يريدون إيجاد مخرج من سورية، عسكريًا، تاركين قواعدهم وأناسهم داخل الأجهزة الأمنية، وأن تساعد الشركات الروسية في إعادة الإعمار. إنهم لا يريدون الغوص في المستنقع عسكريًا”.

لقد واجهت الحكومة الإيرانية معارضة لمغامراتها العسكرية في سورية في الداخل، بسبب الإرهاق الشديد للاقتصاد نتيجة العقوبات الأميركية.

دانييل بليتكا، نائبة رئيس قسم دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في معهد أميركان إنتربرايز، وهو مجموعة بحثية محافظة في واشنطن، قالت: إن الإيرانيين مارسوا حتى الآن السلطة في سورية بمهارة، “لكن سيكون من الصعب عليهم القيام بذلك، نظرًا إلى الضيق الاقتصادي الذي يعيشونه”.

قد يجد كل الراعيين أن من الصعب تحقيق استقرار سورية تحت حكم الأسد. وقد قال محللون إن هناك احتجاجات سلمية ضده بالفعل، في مناطق أعاد السيطرة عليها.

ألكساندر بيك، وهو محاضر وباحث في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة الذي أشرف على القضايا السورية في مجلس الأمن القومي في عهد إدارة أوباما، قال: “سيقدّم زمن السلم تحديات تحاول الحرب إخفاءها”. وقال: “إن الروس يدركون حقّ الإدراك، أن وضع الأسد هش، وأن الاقتصاد مدمرٌ تمامًا، وسياسيًا إنها الفوضى”.

اسم المقال الأصليSyria Faces Brittle Future, Dominated by Russia and Iran
الكاتبفيفيان يي،Vivian Yee
مكان النشر وتاريخهنيو يورك تايمز،The New York Times، 26/12
رابط المقالhttps://www.nytimes.com/2018/12/26/world/middleeast/syria-future.html?rref=collection%2Fsectioncollection%2Fworld
عدد الكلمات1641
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق