سلايدرقضايا المجتمع

في الحرب على الحقيقة… كل المؤشرات تدق ناقوس الخطر

اعتادت القوى المستفيدة من السلطة، عمومًا، في ما يخص تحركاتها وأنشطتها الموازية، الكذبَ والمواربة. وبخلاف الظاهر، تكشف الحقائق عن صندوق أسود، يخفي أعمالَ فساد متعددة الأوجه، لا يتعقبها ويكشف طبيعتها، على الرغم من المخاطر، غير رجال شجعان، اختاروا أن يكونوا جنودًا في مهنة هي اليوم من أكثر المهن خطورة في العالم.

في شباط/ فبراير الماضي، قُتل المراسل الصحافي الاستقصائي يان كوسياك وخطيبته، رميًا بالرصاص، على خلفية تحقيق أجراه لصالح موقع (اكتشواليتي، إس، كا) الإلكتروني، حول الفساد في سلوفاكيا. كوسياك هو الصحافي الثاني الذي يُستهدف في دول الاتحاد الأوروبي، بعد الصحافية المالطية دافني غاروانا غاليزا التي اغتيلت في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، بقنبلة وُضعت في سيارتها. وفي حزيران/ يونيو، اقتحم رجل مسلح صالة الأخبار في صحيفة (كابيتال غازيت) بمدينة أنابوليس، في ولاية ميريلاند الأميركية، وقتل أربعة صحافيين رميًا بالرصاص، على خلفية مشابهة.

بحسب الوقائع، يواجه الإعلاميون والصحافيون المستقلون في جميع أنحاء العالم، تهديدات متزايدة، وأعمال عنف تشارك في ممارستها حكومات تُكنّ العداء للرأي الآخر، ومجموعات سياسية مستفيدة، ومافيات منظمة تبحث عن مصالحها. فخلال الأشهر الأخيرة من عام 2018 تصاعدت الانتهاكات، ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة. لجنة حماية الصحافيين – cpj (منظمة مستقلة، مقرها نيويورك) قدرت عدد الإعلاميين الذين قُتلوا بنحو 53 صحافيًا على الأقل، فيما نشرت منظمة (مراسلون بلا حدود) حصيلة إجمالية، بلغت -بحسب تقريرها السنوي- نحو 80 قتيلًا، إضافة إلى اعتقال 348 آخرين، تم احتجازهم بذرائع وحجج غير مقنعة. وخلال العقد الأخير، قُتل وفق بيانات unesco ما يقارب من 1010 صحافيين. ويُشكّل الرقم الأخير ما يوازي مقتل صحافي كل 4 أيام. لكن في 9 جرائم من أصل 10 بقي الفاعل فيها بلا عقاب.

الأمر الذي نفشل في تقديره حتى اللحظة، هو كم عدد “القرابين” التي يجب على الجسم الصحافي أن يقدمها، حتى يتحرك المجتمع الدولي، ويعاقب أولئك الذين ينتهكون حرية الرأي والتعبير، ويحمي الديمقراطية والحريات الصحافية، ويجابه هذا التوحش الذي يمارَس على نطاق واسع، لإسكات رجال يناضلون بلا هوادة من أجل كشف الحقيقة.

قبل أن يُخصص تحالف ميدان (تايمز سكوير) بمدينة نيويورك الأميركية، احتفاله السنوي بليلة رأس السنة الجديدة، للاحتفاء بحرية الصحافة، بعد عامٍ وصفه تيم تومكنز، رئيس التحالف، بالمميت على نحو غير معتاد للصحافيين، منحت مجلة TIME الأميركية، شخصية العام 2018 لصحافيين من مختلف أنحاء العالم، تصدرت صورهم أغلفتها الأربعة، كانوا قد تعرضوا لمضايقات وضغوط وتهديدات مرعبة في أثناء تقصّيهم عن الحقائق، دفع نصفُهم حياته ثمنًا لذلك.

أحدهم جمال خاشقجي، صاحب اللحية الرمادية الخفيفة، والسلوك اللطيف، والابتسامة الخجولة -كما تصفه- TIME وقد قُتل بوحشية على يد فريق استخباراتي متخصص، لأنه تجرأ على الاختلاف مع حكومته وحسب، وكشف حقائق كان من الصعب على الجناة سماعها.

في مقاله الأخير، الذي نشرته (واشنطن بوست) غداة مقتله، نعى خاشقجي حرية الصحافة في العالم العربي. وعبّر باقتضاب عن قلقه العميق مما يجري؛ فأغلب المواطنين “غير مطلعين أو مُضللون. إنهم لا يستطيعون معالجة المسائل التي تؤثر في المنطقة وفي حياتهم اليومية بما يكفي، ناهيك عن مناقشتها علنًا”، فضلًا عن أنهم “ضحية رواية رسمية زائفة، وسَردٍ تديره الدولة”، فيما “لم يعد لقمع الصحافيين واستيلاء الحكومات على وسائل الإعلام ردة فعل عنيفة من المجتمع الدولي”، وكأن “الحكومات العربية قد أُعطيت حرية مواصلة إسكاتهم”.

في العالم العربي، تتدرج الحرب على الحقيقة ضمن سياسة رسمية تناهض حقوق الإنسان، وتقيد حرياته. ولطالما نصّت التهم الموجهة ضد الإعلاميين، على عبارات مثل تحريض الشارع، وتهديد أمن الدولة، ووهن عزيمة المجتمع، لتتحول فيما بعد إلى اتهام بالخيانة. لا تختلف في ذلك سورية عن السعودية أو ليبيا والصومال ومصر والعراق واليمن؛ ففيها جميعًا، وفي غيرها، تتعرض الحريات الصحافية لهجمة منظمة، تقوض دور وسائل الإعلام ورسالتها، كما تُعرّض المراسلين والعاملين فيها لمخاطر، لا تقتصر على ساحات النزاع المسلح فقط، بل تشمل منازلهم ومكاتبهم وقنصليات بلادهم أيضًا.

في أثناء تغطيتهم لمجريات النزاع السياسي المسلح، قُتل مئات الصحافيين في مناطق مختلفة من سورية واليمن وليبيا والعراق، وسجنت مصر أكبر عدد من الصحافيين، على خلفية اتهامات بنشر “أخبار كاذبة”. ويُعدّ الرئيس عبد الفتاح السيسي أبرز هواة الاحتجاز التعسفي والاعتقالات الجماعية، بالنسبة إلى الحكام العرب؛ إذ تفوق على أسلافه في تقويض الحريات والديمقراطية، منذ عهد الرئيس عبد الناصر. في كلتا الحالتين، تبدو الانتهاكات واحدة؛ فالقتل -بحسب المدير التنفيذي للجنة حماية الصحافيين الدولية- “شكل من الرقابة الوحشية”.

يثير الواقع نقاشات واسعة، حول سجلّ العرب على صعيد احترام حقوق الإنسان، والحريات المدنية، ودرجة قدرتهم على تخطي النموذج القروسطي في التعامل مع الإعلام، بعد أن أعاد الجيل الشاب من القادة، إنتاج نظام سلطوي خارج حدود المساءلة، يصادر الحريات، ويكرّس مبدأ القتل، والقمع، والاعتقال التعسفي. يشكل الأمن البشري، بطبيعة الحال، قاعدة مهمة بالنسبة إلى الحكم الفعال -أكثر وظائف الدولة أساسية- ويهدف إلى حماية الأفراد من التعسف، ومن التهديدات الجسدية، والعنف. لكن غيابه، يعزز -كما هي الحال- وجود بيئات سياسية واجتماعية غير آمنة، مُعَطَلة، تعيش فراغًا معلوماتيًا خطيرًا، يُستغَلّ في تأسيس وعي زائف، يمجد سردية السلطة ورواية إعلامها، أكثر مما يمجّد الحقيقة وضحاياها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق