تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الاقتتال الفصائلي في الشمال السوري.. الدوافع والتداعيات

على وقع التحديات الدولية الراهنة التي تعصف، في منطقتي شرق الفرات ومحافظة إدلب في الشمال السوري؛ يتجدد الاقتتال الفصائلي مطلع العام 2019، بين كبرى الفصائل التي تتقاسم مناطق النفوذ والسيطرة على معظم المناطق الحيوية، وعلى الرغم من تسارع الأحداث وتضاربها واستمرار الأعمال العسكرية، فإن ما رشح حتى اللحظة يشي ببعض التداعيات الخطيرة على مستقبل المنطقة، إذا اتجهت الأمور نحو التصعيد، ولا سيما أن النظام السوري بدا متعطشًا لرؤية مشهد لطالما عمل -عبر عناصره السرية- على تأجيجيه؛ بهدف حصوله على ذرائع جديدة تسمح له -عبر الوصي الروسي- بمكاسب جديدة.

بدعوى خلاف سابق بين (هيئة تحرير الشام) المصنفة دوليًا على قوائم الإرهاب، وفصيل (نور الدين الزنكي) شنت (الهيئة) هجومًا على مواقع (الجبهة الوطنية للتحرير) في ريف حلب الغربي، من ثلاثة محاور: من طرف خان العسل وبلدة تقاد ومحيط بلدة دارة عزة، استطاعت من خلاله بسط سيطرتها على بلدة دارة عزة وجبل بركات الاستراتيجي، وبعض القرى والبلدات الواصلة بين حلب الغربي والشمالي.

اللافت أن بلدة دار عزة كانت قد شهدت توترًا سابق بين (هيئة تحرير الشام) وفصيل (نور الدين الزنكي) أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الفائت، على خلفية اتهامات متبادلة بقضية تصفية (الزنكي) لأربعة عناصر ينتمون إلى (الهيئة) في قرية تلعادة، ولم يتوقف الاقتتال إلا بعد اتفاق الطرفين على توكيل القاضي أنس عيروط، الذي صاغ اتفاقًا يقضي بتعهد (الزنكي) تسليم المتورطين في مقتل العناصر، لطرف ثالث، ضمن مهلة زمنية محددة، لكن ما حدث، بحسب بيانات صادرة عن (الجبهة الوطنية للتحرير)، هو أن (هيئة تحرير الشام) اتخذت من القضية الأخيرة ذريعة، وأقدمت على توغلها في المنطقة قبل انتهاء المدة المقررة، وهو ما يؤكد أن لدى (الهيئة) أهدافًا توسعية بعيدة كل البعد من مطالب السوريين.

قابلت (الجبهة الوطنية للتحرير) تحركات (الهيئة) التوسعية، بتشكيل غرف عمليات تنسيق بين (فصائل صقور الشام) و(أحرار الشام) و(نور الدين الزنكي)، كما أعلنت “النفير العام” لمكوناتها كافة في مناطق وجودها، بهدف رد البغي والمظالم، ووضع حد لـ (هيئة تحرير الشام) واسترداد المناطق التي سيطرت عليها، حسب سلسلة التغريدات الصادرة عن المعرفات الرسمية للجبهة. عقب البيان، نفذت (الجبهة) هجومًا على (هيئة تحرير الشام) في ريف إدلب الجنوبي، وتركزت الاشتباكات على خط بلدات بسيدا وحيش وبابيلا وبلدة خان السبل والأوتوستراد قرب معرة النعمان، وامتدت الاشتباكات بين الطرفين لتصل إلى سراقب، وقد أكد قيادي في (أحرار الشام) رفض الكشف عن اسمه، سيطرة (الجبهة الوطنية للتحرير) على مدينة سراقب، بعد معارك عنيفة مع (الهيئة)، مضيفًا أن الأمور تجري لمصلحتهم في خان شيخون ومعرة النعمان وجبل الزاوية.

جملة الأحداث الحالية تشير إلى مرحلة فرز جديد وترتيب فصائلي، في مناطق بسط السيطرة والنفوذ، وهي أحد أهم دوافع الاقتتال المستمر، خصوصًا أن المنطقة هي محض تفاهمات إقليمية دخلت حيز التنفيذ، بعد اتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا في أيلول/ سبتمبر الماضي، وتداخلها مع تطورات شرق الفرات، وعلى ذلك؛ فإن دوافع الاقتتال تتلخص كما يلي:

استحقاق سياسي لـ (هيئة تحرير الشام)

منذ توقيع اتفاق سوتشي، أصبحت (هيئة تحرير الشام) أمام تحدي تحديد مصير مستقبلي، وهي بذلك ستكون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنجح في فرض نفسها كقوة متحكمة في مستقبل الشمال السوري، وتشكل نواة صلبة مركزية تستطيع مفاوضة أنقرة وموسكو على مصيرها، وإما أن تكون عرضةً للاستسلام والتشظي والتفكيك، بناءً على أهم بند ورد في اتفاق إدلب المتفق عليه بين تركيا وروسيا بتفكيك (هيئة تحرير الشام) وإخراجها خارج المعادلة وتصفية كامل التنظيمات الراديكالية، ومن هذا المنطلق أقدمت (هيئة تحرير الشام) على العديد من الأعمال العسكرية مع (الجبهة الوطنية للتحرير) في مناطق متفرقة، أدت إلى مقتل عناصر من الطرفين بعد تبادل الاتهامات، وقد عملت (الهيئة) منذ شهرين على استقدام تعزيزات عسكرية إلى مناطق حيوية في أماكن وجودها بالقرب من الطرق الدولية أم 4 وأم 5 من جهة معرة النعمان، الأمر الذي فسر نيّات ضمنية للهيئة، في بسط سيطرتها على تلك الطرق والاستفراد بها، وتوظيف كل ذلك في مسار المفاوضات سواء مع أنقرة أو موسكو، ووفقًا لمعلومات خاصة فإن لدى (الهيئة) خطوطَ تواصل قديمة مع كل من تركيا وروسيا، استطاعت من خلالها عقد بعض الاتفاقات مع موسكو كاتفاق الانسحاب من شرق سكة الحجاز ومعبر أبو دالي ومورك بريف حماة الشمالي. وبالنظر إلى دوافع (الهيئة) في الاقتتال الحاصل، فهي تهدف بذلك إلى قطع شريان (الجبهة الوطنية للتحرير)، إذ تعدّ دارة عزة -بالنسبة إلى الجبهة- متنفسًا مهمًا يسمح لها بالتنقل بين عفرين وشمال حلب من دون الحاجة إلى المرور بمناطق (الهيئة)، وذلك نظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية لدارة عزة التي تتميز من غيرها، لكونها منطقة مرتفعة باحتوائها على جبل بركات المطل على كامل الحدود مع تركيا بارتفاع 1000 متر، كما تطل المنطقة المرتفعة على مدينة حلب الغربية في المنصورة وخان العسل.

لذا فإن سيطرة (الهيئة) على المدينة تتيح لها فصل خطوط التواصل بين فصائل (درع الفرات) مع فصائل مدينة عفرين، إضافة إلى عزل (الجبهة) عن الاتصال بالحدود التركية، وهذا من شأنه أن يسمح لها ببسط السيطرة، للضغط على تركيا وإجبارها على التنسيق معها، لضمان العبور الآمن لنقاط المراقبة التركية، ومن جهة آخرها الاستفادة من عامل الوقت، في إطالة زمن بقائها، بهدف الحصول على تنازلات تركية روسية.

لا يخفى أن (الهيئة) ما زالت تعمل على تكريس وجودها ضمن سياسية الأمر الواقع، عبر تمكين وجودها السياسي والعسكري والمدني، حيث عملت على تشكيل واجهة لها تحت مسمى (حكومة الإنقاذ) منذ مطلع 2018، ومكّنتها من بسط السيطرة على المجالس المحلية والهيئات الإدارة، وقد وضعها ذلك الأمر أمام العديد من الاصطدامات مع الحكومة المؤقتة.

ثمة اختلاف اليوم عن كل ما جرى سابقًا، أعطى إنذار خطر استشعرته (هيئة تحرير الشام) مع استمرار التنسيق الروسي – التركي على التضيق عليها، وقرب وضع نهاية لها في مستقبل المنطقة، ولعل مجمل التصريحات الروسية بهذا الخصوص تعدّ من الرسائل ما قبل الأخيرة للحليف التركي، على موضوع نفاد الصبر الروسي على تركيا، في مماطلتها حسم موضوع التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي دفع (الهيئة) إلى اتخاذ ذريعة موجودة مسبقًا، لتنفيذ ضربة استباقية بهدف تغير موازين القوى لمصلحتها.

ما يعزز هذا الطرح أن القيادي في (هيئة تحرير الشام) أبو اليقظان المصري، كان قد أفتى قبل أيام بتحريم مشاركة فصائل (الجيش الحر) في عمليات شرق الفرات، برعاية وتوجيه الحكومة التركية، وقد تسبب ذلك في حملة انتقادات واسعة على أعمال وممارسة (الهيئة) المنافية لثوابت وتضحيات السوريين المتطلعين إلى العودة إلى أرضيهم وتحريرها من ميليشيات (قوات سوريا الديمقراطية).

منهج (الجبهة الوطنية للتحرير)

بعد تحقيق اندماج لكبرى فصائل الشمال السوري في 2018، باتت (الجبهة الوطنية للتحرير) تتبع استراتيجية تركيا، في تحقيق الاستقرار في المنطقة وتنظيمها، وعودة الاستقرار إليها، وتهيئة الأجواء لعودة اللاجئين السوريين، وفي الوقت نفسه لا تفارق عينها سياسات (هيئة تحرير الشام)، وهذا ما دفعها إلى العمل على هيكلة داخلية ومأسسة أجهزة أمنية واستخباراتية، براعية تركية، بهدف التوصل إلى نواة جيش متكامل بشكل مؤسساتي، يسمح لها مستقبلًا بإدارة المنطقة الشمالية بعيدًا من كنف النظام السوري، وما تحركها الأخير في مواجهة (هيئة تحرير الشام) إلى تفسير منطقي عن التوجه العام لها، ولا سيما بعد إدراك الجميع أن (الهيئة) باتت منبوذة، ولا يمكن أن يكون لها أي مستقبل في خارطة المنطقة، وهذا ما يفسر دخول (فيلق الشام) على خط العمليات المدعوم من تركيا، وقد يرجح البعض أن ساعة الصفر قد حانت لاجتثاث فصيل (الهيئة) بضوء أخضر تركي، إلا أن التكهن بذلك ما يزال مبكرًا، وسط ضبابية تركية في حسم موقفها تجاه (الهيئة)، ومع ذلك، فإن إعلان حالة الاستنفار والتقدم بالسلاح الثقيل لا يأتي عن عبث، إنما بتنسيق مع الحليف التركي وبخطوات حذرة، كما أن (الجبهة) تهيّئ نفسها لخوض معارك في شرق القرات، وإذا تمّت العمليات؛ فإن ذلك سيمسح لها بتكبير رقعتها الجغرافية، ووصل مناطق عفرين بمناطق (درع الفرات) إلا أن المخاطر والتداعيات قد تكون أكبر العقبات أمام تحقيق ذلك، مع دخول النظام على خط العمليات وجملة الأحداث توحي بالسيناريوهات التالية.

استثمار النظام لتحقيق مكاسب

لا شك في أن النظام أكبر المستفيدين من الاقتتال الحاصل، استنادًا إلى جنيه مكاسب سابقة في سيناريوهات مشابهة، كان قد عمل عليها في الغوطة الشرقية ودرعا وريف حمص الشمالي وحلب، حيث يرغب النظام حتى اللحظة في بسط سيطرته على كامل الأراضي السورية، وقد عمل في كثير من المناطق على اختراق الفصائل، عبر أذرع أجهزة استخباراتية وعناصر عرفوا بـ “الضفادع”، أوكل إليهم مهمات تحريك الخيوط الخفية لحظة اشتعال فتيل حروب جانبية بين الفصائل، ويهدف النظام من ذلك إلى تأجيج الرأي العام وخلق ذرائع جديدة مفادها أحقيته في محاربة الإرهاب، وقد نجح في ذلك عبر حليفيه الروسي والإيراني اللذين قدّما له العديد من المناطق، من خلال ورقة الإرهاب، وفي محافظة إدلب لم يلتزم النظام حتى الآن بوقف النار، حيث إنه يواصل استهدافه أرياف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي والشرقي، رغبةً منه في قضم المزيد من الأراضي لتأمين مداخل اللاذقية، ومن المرجح أن يطلب من موسكو استغلال الأحداث الحالية، كي تضغط الأخيرة على تركيا وتحشرها في الزاوية، في موضوع حسم ورقة (هيئة تحرير الشام)، وفي حال تحقق ذلك سيكون الخاسر الأكبر الشعب السوري الذي ما زال يتحمل ويلات الصراع الفصائلي.

تهديد لاتفاق سوتشي

يُعدّ عامل الوقت من أخطر العوامل وأثقلها عبئًا على الشعب السوري، مع تزامن الاقتتال الجاري، بعدم حسم مصير اتفاق سوتشي حول إدلب، وهو الاتفاق الذي ما زال عرضة للانتهاكات والنسف من جانب إيران والنظام السوري، فمن الممكن -بكل سهولة- أن توظف موسكو المعطيات لمصلحتها وتضغط على تركيا بالانسحاب من الاتفاق، بهدف حصولها على مكاسب سياسية، وما يعزز هذا الطرح رغبة موسكو مؤخرًا في ربط موضوع شرق الفرات مع اتفاق إدلب، بهدف وضع إطار عامل لترتيب كامل المنطقة، بعد قرار ترامب الانسحاب من سورية، وقد ظهرت العديد من التباينات تتعلق بمصير مدينة منبج وبقية المناطق في شرق الفرات، ودفع ذلك الأمر الطرفين إلى التريث ومواصلة التنسيق ودفعها إلى الأمام، بعد اللقاء الذي جرى نهاية الشهر المنصرم في موسكو مع مسؤولين أتراك، ومع اعتماد الطرفين استمرار سياسية احتواء الخلافات؛ فمن المتوقع أن تقوم موسكو بالضغط على تركيا لحسم موضوع (هيئة تحرير الشام) من زاوية أن ما يجري قد يقود إلى نسف كامل للاتفاق، وهو أمرٌ لن يصبّ في مصلحة البلدين.

إن ما يجري في الشمال السوري، في هذه المرحلة الحرجة، يُعد على الصعيد المحلي نكسةً جديدة لثورة السوريين، من قبل فصائل متقاتلة لم تتعظ من الدروس السابقة التي حمل فاتورتها السوريون أنفسهم، بسبب شهوة بعض الفصائل للمال والسلطة وبسط النفوذ، متناسين أن النظام هو من تسبب في فرقتهم وعمل منذ 2011 عبر زرع قنابل موقوتة، لم يستطيعوا حتى الآن حلّ لغزها، فمن الخاسر والرابح اليوم؟

أما على الصعيد السياسي، فمن المؤكد أن ورقة (هيئة تحرير الشام) ستنتهي -آجلًا أو عاجلًا- بناءً على التفاهمات الدولية، لكن الوسائل والأساليب قد تختلف في تحقيق هذه الغاية، وإذا لم يتمّ ذلك بترتيب دولي، مع تحميل بقية الأطراف، كما قالت تركيا سابقًا، جزءًا من المسؤولية عن القياديين المصريين والتونسيين وغيرهم؛ فإن الويلات والمصائب لن تقف عند حدود تركيا، وفي حال ترك الساحة للاقتتال الفصائلي من دون توجيه؛ فإن التداعيات لن تقف عند نسف اتفاق سوتشي، بل ستهدد حياة أربعة ملايين سوري، وهنا بيت القصيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق